روبرت لورنس شتاين
1

من قال إن الأطفال لا يحبون الرعب؟ غالبًا لا أحد، فالكبار لا يخطئون عندما يصفون الأطفال بالشياطين والعفاريت من فرط شقاوتهم، إلا أن هذه الكائنات صغيرة السن تحب العفاريت والأشباح والمسوخ الشيطانية بالفعل لفطرة فيهم، وبالتالي أدب الرعب أيضًا، ومن أبرز من قدم لهم هذه الوجبة الكاتب “شتاين”.

من الصعب أن تجد من يقاوم في طفولته لذّة الاستماع لقصص الكبار المخيفة ومشاهدة أفلام الرعب بشغف، وطبعًا الازدحام أمام بيت الرعب في الملاهي، حتى لو ظلوا يرتجفون آخر الليل متدثرين بالأغطية محتضنين الآباء، خوفًا من اليد المخلبية القادمة من أسفل السرير.

هذا الخيط الثري في نفسية الأطفال لم يفلت من إبداع القص والكتابة، ومن أمريكا جاءت سلسلة كاملة فيه لتجتاح العالم كله حرفيًا، تُعرف باسمها الأصلي “Goosebumps – قشعريرة”، أو بالاسم الذي عرفه العرب “صرخة الرعب“، والفكرة خرجت من ذهن “Robert Lawrence Stine – روبرت لورنس ستاين” (البعض ينطقها شتاين لا فرق) الذي دخل موسوعة جينيس للأرقام القياسية كأكثر المؤلفين كتابة لـ “رعب الصغار المذهل والمثير للدهشة” بحد وصف الموسوعة.

شتاين جعل الأطفال يقرأون

المدهش شتاين كاتب جعل الأطفال يقرأون
كاتب أدب الرعب شتاين الذي جعل الأطفال يقرأون

عندما رحل كاتب أدب الرعب المصري أحمد خالد توفيق عام 2018 تذكر محبوه هذا الاقتباس تحديدًا:

– هناك عبارة يقولها (ر. ل. شتاين): أريد أن أكتب على قبري “جعل الأطفال يقرأون”، أما أنا فأريد يُكتب على قبري “جعل الشباب يقرأون”.

هذه المقولة اعتبرها قراء الرجل -وأكثرهم من الشباب فعلاً- بمثابة الوصية وتم تثبيت أكثر من لافتة على مرقده بما أراد، غير أن “توفيق” قال الخلاصة عن روبرت لورنس شتاين، فقد أحدث ذاك الأمريكي ثورة في كتب الأطفال بمؤلفات لا تحكي عن الحيوانات المتكلمة الناطقة بالحكمة، وإنما عن مصاصي الدماء والدُمى الملعونة وسائر الحبكات المخيفة للصغار.

شتاين جعل الأطفال يقرأون
جعل الأطفال يقرأون: شتاين يُسجل في موسوعة جينيس عام 2011

ولد “شتاين” عام 1943 في ولاية أوهايو، حيث تميز كعادة الكُتّاب بانعزال مبكر وخيال خصب دفعاه للكتابة بداية من سن التاسعة، ثم بدأ عمله الاحترافي كمحرر في المجلات الكوميدية الهزلية، قبل أن يقرر في عام 1992 إصدار سلسلة مرعبة تعتمد على ذكرياته وخبراته ليس إلا، فكان النجاح الأسطوري الذي يستحق الدراسة.

يكفينا أن نعرف أن قصصه المرعبة هذه تُرجمت إلى 28 لغة، وكانت مبيعاتها الشهرية في أوجها تتخطى الأربعة ملايين نسخة شهريًا، ليصبح العدد الكلي للمبيعات حوالي 350 مليون نسخة بحلول عام 1997، وهذا بعد 5 سنوات فقط من انطلاقها!

نرشح لك قراءة:

كتيبة سرية للدعاية!

في حوار مع روبرت لورنس شتاين، يتعجب بنفسه من فورة الشعبية التي أحدثها في تلك الفترة، قائلاً إن السلسلة لم تحصل على أي نوع من الدعاية الضخمة وقتها، وإنما انتقلت أخبارها عبر أفواه جمهورها الأساسي: الأطفال!

تحقق هنا المبدأ الدعائي الشهير “عملاؤك هم أعظم أدوات التسويق لك” وبالفعل راح الأطفال يحكون لبعضهم عن هذه الكتيبات الصغيرة المسماة “قشعريرة goosebumps” وكم هي ممتعة للغاية، حتى أن “شتاين” تخيل وجود كتيبة سرية من الأطفال تتولى مسؤولية التسويق لأعماله!

استغرق الأمر 6 سنوات ليصدر أول عدد من السلسلة باللغة العربية مع تغيير اسمها لـ “صرخة الرعب” عام 1998، وذلك عن دار “نهضة مصر” وبإشراف الكاتب المصري محمود سالم مؤلف سلسلة “المغامرون الخمسة” الشهيرة الموجهة لنفس الفئة العمرية، لكن السؤال: ماذا جذب الأطفال في “صرخة الرعب” رغم أنها ليست مرعبة بشهادة مؤلفها؟!

صرخة الرعب لا تسبب الرعب!

الميزة الأغرب في “صرخة الرعب” هي خلوها من الرعب المحض الحريف، لأن كاتب السلسلة ألزم نفسه بهذا وقالها صريحة “لا أريد إخافة الأطفال، هذا ليس عملًا أخلاقيًا في الأساس! فقط أريد إمتاعهم بخيال جذاب” وهكذا كانت قصصه دائمًا محبوبة ومُرحبًا بها من قِبل الآباء، بل كانت تحتوي على الكثير من الضحكات نظرًا لأن كاتبها في الأصل مؤلفًا كوميديًا كما أسلفنا.

أدب الرعب - اعتمدت سلسلة شتاين عى الكوميديا والرعب حتى في الأغلفة!
أدب الرعب عند شتاين: اعتمدت السلسلة عى الكوميديا والرعب حتى في الأغلفة!

تتميز سلسلة شتاين بعدة خصائص هامة كذلك، أولها حصر جمهورها في فئة الأطفال واليافعين تحديدًا، حتى أن كل أبطالها تقريبًا لا يتعدون 12 عامًا، وبالتالي فإن قراءتها الفئات العمرية الأكبر فسوف تجدها غالبًا رتيبة بلا أحداث تجذبها، لأنها تتناول هموم جمهورها صغير العمر، والكبار فيها عادة غارقين مشغولين في عالمهم البالغ!

الميزة الأخرى للسلسلة كانت محافظتها على إيقاع تشويقي أستاذي بشكل متصاعد، كما يتبدى في طريقة تقسيم الفصول، إذ جاء كل فصل في صفحتين أو ثلاث صفحات فقط، مع نهاية صادمة مُعلّقة تجعل القارئ يتجه للفصل التالي مباشرة ليعرف ماذا حدث، أما نهاية الكتاب ككل فدائمًا صادمة بشكل ساخر يقلب الأحداث كلها 180 درجة.

نرشح لك قراءة:

تفاصيل الصرخة

أدب الرعب - سلسلة صرخة الرعب للمدهش شتاين: كاتب جعل الأطفال يقرأون
سلسلة صرخة الرعب للكاتب شتاين: كاتب جعل الأطفال يقرأون

لم تكن كتيبات السلسلة دسمة مكتظة بالصفحات، ولعل هذا سببًا آخر قرّبها من جمهورها، كما كان كل عدد منفصلاً عن البقية، فلا يجمع بينهم إلا اسم الكاتب والجو العام زمانيًا ومكانيًا، اللهم إن أكمل الكاتب قصة أحد الأعداد في جزء آخر.. عمّ دارت حكايات صرخة الرعب إذًا؟

الحقيقة أن حبكات القصص كانت أمريكية بامتياز، مستوحاة من عوالم الأطفال والصبية حيث المدرسة والحي والمعسكر الصيفي ومنازل الأقارب، وبرغم هذا يتشارك الأطفال في العالم كله نفس “التهديدات” التي يجدها أبطال السلسلة، فهم كأغلب القراء لا يتمتعون بقوة عضلية كبيرة أو تميز دراسي، بالعكس فقد يكونوا بدناء أو نحيفين مما يعرضهم لتنمر الزملاء الضخام وعقاب الأساتذة، كما أنهم يكرهون الفروض المنزلية، لا يفهمون الحب كما يفهمه الكبار لكن الواحد منهم يساعد زميلته ببراءة، وبالطبع تحركهم أحيانًا الرغبة والفضول في المغامرة وكسر ملل الإجازة.

العدد الأول من السلسلة
العدد الأول من سلسلة goosebumps للكاتب شتاين

هذه المفردات من حياة الصبية يربطها المؤلف مع عناصر الرعب المعرفة، فنجد جميع المخلوقات المرعبة كالمذؤوبين ومصاصي الدماء ورجل الثلوج وخلافه، وقد يكون المسخ هو مدرس المادة الصعبة أو الصديق المتنمر! بالإضافة لأغراض أخرى “مرعبة” ابتكرها المؤلف مثل الكاميرا الملعونة والجيتار المسكون والآلة الكاتبة التي يتحقق ما يُكتب بها، باختصار كل ما هو مخيف في ذاكرتنا كأطفال تحدثت عنه السلسلة، دون إسهاب في التفاصيل حتى يناسب الكم طبيعة السلسلة التي تهتم بالحكاية فقط، إذ كان الكاتب يُصدر عددًا أو اثنين كل شهر.

تفصيلة أخيرة مميزة لا ترتبط بالكتابة وإنما بالمظهر الخارجي، ألا وهي أغلفة الكتيبات المُتقنة لدرجة عالية، فرغم أن السلسلة لليافعين إلا أن الإخراج الفني لها شديد الحرفية، حتى صارت رسومات الأغلفة الجذابة علامة مميزة لها.

بعض الصرخات!

لا يمكننا تلخيص السلسلة بالكامل طبعًا، لكن بعض اللمحات تكفي للتعريف بها، وسنذكر الاسم الأصلي الإنجليزي والمُترجم للكتيب وفق الإصدار العربي، فمثلًا في قصة “Say cheese and die – الكاميرا الملعونة” يقتحم أربعة أصدقاء منزل الحي المهجور ويكتشفون كاميرا قديمة تصور المستقبل، في أجواء شبيهة للغاية بفيلم Monster House، وفي قصة “One day at horror land – ملاهي المفاجآت ” يتجه أخوان وصديقهم إلى مدينة ملاهي مرعبة يديرها حشد من المسوخ الحقيقيين، أما قصة “Attack Of The Mutant – المقر السري” فيكتشف بطلها أن الشرير في كتبه المصورة المُفضلة يأتي لعالمه ويريد قتله!

بعض القصص تناولت الخيال العلمي من وجهة نظر مرعبة، مثل قصة “Don’t Go to Sleep – احترس من النوم” التي ناقشت فكرة العوالم الموازية، فكلما نام بطلها استيقظ ليجد نفسه في عالم مختلف وأسرة مختلفة! وأيضًا قصة “My Best Friend Is Invisible – الصديق الخفي” المتناولة لثيمة الاختفاء العتيقة، وبالطبع ظهر زوار الفضاء كثيرًا في السلسلة، وإن بلغت السخرية المرعبة أوجها في قصة “Egg Monsters from Mars – زائر من المريخ ” التي يصاحب فيها البطل مخلوق المريخ الطيب الأرّق من الأرضي الفظ!

القناع.. من اشهر قصص السلسلة عن عيد الهالويين
القناع.. من أشهر قصص السلسلة عن عيد الهالويين

كان عيد الهالووين حاضرًا في الكثير من الأعداد بصفته مناسبة مرعبة مهمة لدى الصبية الأمريكيين، ومن أشهر قصص السلسلة بالفعل “The haunted mask – القناع” التي استوحاها المؤلف من ابنه حين ارتدى قناع الهالووين ولم يستطع نزعه، هكذا ترتدي البطلة قناعًا ملعونًا يلتصق بوجهها ويغير طباعها إلى الشر المطلق!

لم تخل السلسلة من بعض الدراما والفلسفة على نطاق ضيق، خاصة في علاقة الصغار بالكبار، مثلما تحاول بطلة قصة “Revenge R us – ثمن الانتقام” معاقبة أخاها الذي يتنمر عليها ويسخر من نحافتها نوعًا، ونفس الشيء في قصة “الأمنية” ضمن أحد الأعداد الخاصة، والتي يتمنى فيها البطل أن يكون الطفل الوحيد في العالم فيتحقق له ذلك حرفيًا!

بشكل عام، دائمًا ما يتساءل أبطال “صرخة الرعب” ببراءة عن سبب الشر حولهم؟ لماذا يكون الكبار قساة؟ ولماذا يتنمر عليهم زملائهم الأضخم حجمًا؟ وغالبًا ما يكون رد فعلهم طيبًا تجاههم ويندمون إذا عاقبوهم، إلا في حالات نادرة كما حصل في قصة “Calling all creeps – هجوم الزواحف” التي انتهت بالبطل ينتقم من مدرسته كلها التي تنعته بالفأر بينما يحاول إنقاذهم من الزواحف المتحولة!

نجاحات أخرى

كان لا بد أن يمتد نجاح سلسلة أدب الرعب من الكتب إلى الشاشات، وبالفعل ظهر المسلسل التليفزيوني بنفس الاسم في 4 مواسم من عام 1995 حتى 1998 مستمرًا لـ 74 حلقة، وكان المؤلف روبرت لورنس شتاين يظهر فيها بنفسه، حتى صار وجهه أيقونيًا بعينيه نصف المغلقتين ونظرته الودودة.

مُلصق فيلم "صرخة الرعب" عام 2015
مُلصق فيلم “صرخة الرعب” عام 2015

حتى في السنوات الأخيرة لم تفقد السلسلة بريقها، فظهر فيلم باسمها عام 2015، يحكي بشكل مغامرة كوميدية عن تسلل مخلوقات الكتب المخيفة إلى عالمنا الحقيقي، ويحاول الكاتب في الفيلم -جسّده الممثل جاك بلاك- وابنته وجاره السيطرة على الأمر، ليحقق الفيلم نجاحًا نقديًا وجماهيريًا لا بأس به مما جاء بالجزء الثاني عام 2018 والذي نجح بشكل أقل من سابقه.

أيضًا على مستوى الألعاب الإلكترونية ظهرت عدة إصدارات مستوحاة من الكتيبات، فغالبًا أي عدد من السلسلة قابل لتحويله إلى لعبة مغامرات مشوقة بسهولة، ومن أشهرها لعبة “ملاهي المفاجأت” بالإضافة إلى لعبة للسلسلة كلها على منصات عديدة، وآخرها Goosebumps Horror Town للهواتف النقالة.

صرخات أخرى.. أجنبية وعربية!

بنجاح فكرة “الرعب الموجه للناشئة” اتضح أنها ورقة رابحة للغاية، وبالفعل خرجت الأفكار المشابهة لها، والبداية من أمريكا بلدها، حيث ظهرت سلسلة أخرى شبيهة لدرجة النسخ واللصق في كل شيء تقريبًا.

أحد أعداد سلسلة "الرعشات Shivers" المشابهة لصرخة الرعب
أدب الرعب: أحد أعداد سلسلة “الرعشات” المشابهة لصرخة الرعب

فإذا كانت Goosebumps تعني قشعريرة فإن Shivers تعني الرعشات، وفعلًا ظهرت سلسلة أخرى بهذا الاسم عام 1996 من تأليف الصحفي الأمريكي م.د.سبنسر، وبأغلفة لها ذات الرسومات المُتقنة، وإن مالت إلى الطابع الكرتوني نوعًا ما.

تزعم عدة مواقع أن سلسلة Shivers باعت ملايين النسخ هي الأخرى وقت ظهورها بأعدادها الـ 36، وربما كان هذا سببًا في ترجمتها للعربية تحت اسم قريب جدًا من صرخة الرعب ألا وهو “رجفة الخوف” كتأكيد آخر على تأثرها بالسلسلة الأصلية!

أحد أعداد سلسلة "صرعة الرعب" - أدب الرعب
أحد أعداد سلسلة “صرعة الرعب”

أما النسخة الأغرب لسلسلة صرخة الرعب فجاءت من مصر، حيث تغير حرف واحد فقط ليصبح اسم السلسلة “صرعة الرعب”، ولكن الطابع العام اختلف كثيرًا عن الأصل، إذ صار الأبطال عربًا من ديانات مختلفة يحاربون إمبراطورًا رومانيًا مستنسخًا، وذلك في قصص متصلة كتبها الشاعر والروائي نبيل خالد.

نرشح لك قراءة: 

آخر الصرخات

استمرت السلسة المترجمة في الصدور 8 سنوات حتى عام 2006 بـ 54 عددًا فقط، فيما تُقدر السلسلة الأصلية بحوالي 235 عددًا، لكن دار نهضة عادت لنشر أعداد أخرى في عام 2016 بعناوين جديدة، وأغلفة أقرب للشكل الكرتوني الساخر منه للطابع الفخم القديم.

العدد الأول من "صرخة الرعب" بعد عودتها للنشر - أدب الرعب
العدد الأول من “صرخة الرعب” بعد عودتها للصدور

يبدو أن الأجيال الجديدة ما زالت تميل لهذا النوع من الرعب، فثمة أخبار عن جزء ثالث من أفلام صرخة الرعب، وربما يعود “ر.ل. شتاين” أو غيره بسلسلة أخرى تناسب صبية اليوم الذين ارتفع سقف الرعب لديهم بالتأكيد، لكن ستبقى “Goosebumps” أو “صرخة الرعب” سلسلة فذة وجرعة حنين لجيل التسعينيات، حققت المجد والشهرة بلا جدال، والأهم أنها جعلت الأطفال يقرأون.

1

شاركنا رأيك حول "صرخة الرعب سلسلة للمدهش شتاين: كاتب جعل الأطفال يقرأون"