المتصوفة وعلاقتهم مع الله: أمثلة حية من التاريخ الإسلامي
0

دأب الإنسان منذ نشأته الأولى للبحث والتأمل، وعكف البعض منذ القدم إلى الانطواء والابتعاد عن الاختلاط، بهدف الحصول على إجابات شافية حول هذا الكون، ومع نشوء الفلسفة بدأت المناهج والاتجاهات تتبلور تدريجياً لتنقسم إلى فئات ومذاهب ومدارس، وكان منها مذهب التصوف. وللتصوف معانٍ متعددة ومتنوعة، فهناك من يرجع معنى التصوف إلى لبس الصوف الذي كان يفضله المتصوفة عن غيره من اللباس، دلالة على الزهد والتقشف، ومنهم من قال إنه من صفاء الروح.

ويمثّلُ التصوفُ الإسلامي جانباً هاماً من جوانب الفكر الفلسفي، إذ يحتل موقعاً أساسياً في تاريخه، فالاهتمام بالتصوف قديم جداً، فقد تناوله المؤرخون والفلاسفة بالدراسة كالسراج الطوسي، والمستشرق نيلسون، ولكن لم تتفق الكلمة حوله، فهناك من يهاجمه بشدة وهناك من يدافع عنه باستماتة.

ويرى المهاجمون للتصوف بأنهُ ظاهرةٌ سلبية تضرب الأمم والشعوب في مراحل التفكك والانهيار، حيث ينغلق المتصوف على نفسه وينسحب من الحياة العملية، وهناك من يرى بأن التصوف هو خروج عن جادة الدين الصحيح، وأحياناً يتهم المتصوفة بالجنون.

المتصوفة - التصوف

في المقابل يعتبر اتجاهٌ آخر أن التصوف حركة فلسفية تبدأ من فكرة الوصول إلى المعرفة بطريق الكشف أو المشاهدة والحدس، مع الحفاظ على جملة من الأفعال السلوكية التي تهدف لترويض النفس.

ويرتكز جوهر التصوف على عنصرين أساسيين هما التجربة المباشرة الذاتية بين الإنسان وربه، وإمكانية الاتحاد مع الله عن طريق استخدام ملكة الوجدان، ويكون الطريق إلى الله شاقاً وطويلاً وفيه مقاماتٌ هي مراحل يحتاج المتصوف إلى من يرشده ويعينه في الوصول إليها.

ونظراً لأن غرض المتصوفة الأساسي هو الوصول إلى الحقيقة عن طريق الاتصال بالذات الأقدس ومشاهدتها، فإن الوسيلة إلى ذلك لا تكون إلا بالزهد بجميع مظاهر الحياة، واجتناب الملذات واعتزال الناس، تحت ما يعرف باسم المجاهدة، للوصول إلى الحقيقة.

وللحديث عن طبيعة العلاقة مع الله أو الذات الأقدس عند المتصوفة سنتحدث عن أربعة متصوفة كان لهم عظيم الأثر في هذا المذهب، اعتماداً على ما جاء في كتاب عبدالله حسين، التصوف والمتصوفة، مؤسسة هنداوي للنشر، 2017.

أبو يزيد البسطامي: المتصوفة بمنظور المغالاة

يعتبر البسطامي من أنصار مذهب الاتحاد والحلول، اشتهر بشطحاته الغريبة، والشطح يأتي عند المتصوفة بلغة المتكلم من غير شعور منه، وهو في تلك الحالة يكون قد ترك ذاته وبقي بذات الحق، فنطق بلسان الحق لا بلسانه، ومن شطحات البسطامي المشهورة قوله: سبحاني أنا ربي الأعلى، ليقول في مكان آخر: سبحاني ما أعظم شأني.

يتميز فكر البسطامي في إصراره على سقوط كل ما سوى الله، فالحقيقة الواحدة هي الله، ويمر الفرد بمراحل محو الرسوم وفناء الهوية وغيبة الآثار، ليتحد بالحق.

المتصوفة - التصوف

إذاً تختفي ذاتية المتصوف وتتلاشى في الذات الكلية أي ذات الله، وتكمن أهمية البسطامي في الفكر الإسلامي في كونه أول من استخدم كلمة الفناء بمعناها الصوفي الدقيق، الذي يعني محو النفس الإنسانية وآثارها وصفاتها، ليكون بذلك صاحب مذهب اتحادي قائم على الفناء.

أبو القاسم الجنيد: المتصوفة بمنظور الموازنة

يعتبر أكثر المتصوفة عمقاً، وكان يمثل في عصره التصوف المعتدل، معتبراً أن الفناء هو في التوحيد، وربما استمد فكرته من الفيلسوف اليوناني أفلاطون، التي تقول بأن النفس قد وجدت بعالم آخر هو عالم المثل قبل هبوطها إلى البدن، وهي متحققة في ذلك العالم بواسطة المعرفة الحقيقية.

الجدير بالذكر أن الفناء في التوحيد الذي قال به الجنيد ومن تبعه من الصوفية معترف به من أشد خصومه، فقد كان من الشخصيات الهامة في تاريخ التصوف، ويبدو أن هذه الأهمية نابعة من خصوبة وغنى أفكاره التي استطاع فيها أن يجمع بين الشريعة والحقيقة، وكان من أهل الرسوخ والتمكين، ولم يكن من أهل الشطح والأحوال.

الحلاج

اعتقد بعض أصحابه أنه رُفع إلى السماء بعد موته، واتهمه المعتزلة بالشعوذة والكفر، وصدرت بحقه فتاوى كثيرة فقُبض عليه وأودع السجن، وقتل بعد ثمان سنوات من السجن، فكان أشهر المتصوفة بدون شك. ويحكى أنه قال في ذلك: (ربي هؤلاء عبادك قد اجتمعوا على قتلي تعصباً لدينك وتقرباً إليك، فاغفر لهم).

وتشير أغلب الدراسات إلى أن الحلاج كان صاحب شطحات كالبسطامي، ولكنه أعمق منه وأكثر دقة في التعبير، وكان ممن قالوا بمذهب الفناء بالحلول، فهو القائل:

أنت من بين الشغاف والقلب تجري * مثل جري الدموع من أجفاني

وتحل الضمير جوف فؤادي * كحلول الأرواح في الأبدان

وتبدو العلاقة التي يتحدث عنها الحلاج مع الخالق، علاقة لا يمكن أن تنفصم، وهي علاقة لا تكتمل إلا بفناء الجسد، فالوصول إلى المطلق صعب، ولذلك فقد صمم الحلاج أن يموت على طريقة المسيح، حتى أنه طلب من سجانيه أن يقتلوه فقال:

اقتلوني يا ثقاتي * إن في قتلي حياتي

رابعة العدوية

تتصف حياة رابعة العدوية بالغموض كواحدة من أشهر المتصوفة في التاريخ الإسلامي، ويقال إنها ولدت بالبصرة من أسرة فقيرة، مات والدها في صباها، مما اضطرها للعمل كخادمة، ويقال أنها كانت تخدم سيدها طوال النهار وتصلي طوال الليل، فهي القائلة:

ما عبدته خوفاً من ناره، ولا طمعاً في جنته فأكون كالأجير السوء، عبدته حباً له وشوقاً إليه.

ميزت رابعة العدوية بين نوعين من الحب، الأول ناتج عن حضور الله في قلبها، والثاني تحدثه رؤية الله ومشاهدته دون حجاب، كل ذلك يترافق مع عبادة غير مشروطة، فهي لا تريد إلا خدمة الله والتفاني في محبته وتقول: إلهي اجعل الجنة لأحبائك، والغار لأعدائك، وأما أنا فحسبي أنت.

كل ما سبق هو غيض من فيض المتصوفة والتصوف بشكلٍ عام، إذ أن هناك الكثير من الآراء والأفكار المتعلقة بهم، وتتنوع المواقف تجاه طريقة تفكيرهم، ورؤيتهم للعلاقة مع الذات الإلهية، ورغم ذلك يبقى لتلك الكلمات وقع في نفوس الناس، فكم يحتاج الإنسان إلى قدرة جبارة ليزهد في الدنيا، ويتأمل في الذات الإلهية.

في النتيجة تبقى العلاقة مع الله علاقة خاصة، وفردية، لا يمكن لأي أحد فينا أن يصادرها أو يحاول التحكم بها، إنها علاقة تتصف بالسمو، واختلاف رؤية أي أحد فينا حولها مع الآخر، لا يبرر أبداً رفضنا له أو اعتبار أنفسنا أوصياء عنه أو عليه.

0

شاركنا رأيك حول "المتصوفة وعلاقاتهم مع الله: أمثلة حية من التاريخ الإسلامي"