القيادة واتخاذ القرارات
0

تقوم الأمور في هذه الحياة على بناءٍ قويمٍ متكامل ومتجانس، أساسُه قرارٌ صحيح ومناسب في الوقت المناسب حتى يأخذَ بزمامها إلى ما يعود بالمصلحة والمنفعة على الجميع، وحتى تتأتى عنه قرارات أخرى جزئية تكتسب بدورها صفة الأحقيّة والصّحة.

ولعلّ القدرة على اتخاذ القرار الصائب هي أكثر ميزة على القائد الحقيقيّ والفعّال أن يتّصف بها، باعتبارِ أنَّ القيادةَ والقرار متلازمان لفظًا ومعنى، يؤثّر كلّ منهما على الآخر.

في هذا المقال، سنتطرّق إلى أبرز الصّفات التي تجعل من المرء قائدًا، وسنعرّج على المحطات التي تساعده في اتخاذ القرار بكل حكمة ودهاء، ثمّ سندعم طرحنا بأمثلة حيّة ونماذج واقعية توضّح الرؤيةَ أكثر فأكثر.

كتب شيقة لرواد الأعمال ومديري القرن الحادي والعشرين عن القيادة الفعالة

عن الفهم التقليديّ لموضوع القيادة

يخطئ الكثيرون منّا عندما يظنون بأنّ القيادة ملازمة تلقائيًّا للدكتاتورية، والانفراد في اتخاذ القرار، وتساعد الصورة المسبقة لقادة كثر حكموا شعوبهم ومؤسّساتهم بالسّوط والسّيطرة على ترسيخ هذه الفكرة في أذهاننا. لكنّ الحقيقةَ أوسع من ذلك، لأنّنا لو نظرنا إلى القيادة بمنظور اكتفاء القائد بالقرار، تمامًا كقبطان السّفينة الذي يتولّى بنفسه عملية قيادتها إلى برّ الأمان، لحصرنا مفهومها الواسعَ جدّا والذي يمسّ جميع المجالات والفئات.

القيادة
في الواقع، يمكن للقائد أن يوازن بين الأمرين، وأن ينجح في اتّخاذ القرار الذي يعود بالمنفعة على الجميع، وأن يشرك في نفس الوقت أعضاء الدائرة المسؤول عنها، فيخرج بذلك من خطر القرار الفرديّ واحتمال زيادة الخطأ فيه، ومن الفهم التقليديّ للقيادة المقرون بالدكتاتورية، مع الأخذ بعين الاعتبار هذه النقاط:

الجدولة الزمنية للمهام وتقسيمها

بإمكان القائد أن يوزع المهام على أعضاء الفريق مع تحديد وقت معين لتسليمها، والإشراف عليها على مساحة أبعد، هذه الطريقة تمكّنهم من تلبية الاحتياجات المطلوبة بسرعة ونجاح خاصةً إذا كان الموقف يمتلك وقتًا كافيًا للتخطيط، واعتماد القائد على نهج أكثر ديمقراطية، يتضمن المشاركة والحوار.

هذا الأخير، الذي يمكن أن يتطلّب بالمقابل تدخلاًّ مباشرًا من القائد لاتّخاذ قرار سريع وحازم، إذا كان الوقت لا يسمح بالتناقش وتبادل الآراء. فتقسيم المهام إذن وفق أهميتها واستعجالها عاملٌ أساسيّ من عوامل اتخاذ القرار الصحيح.

القيادة
القائد الجيّد مقسّم مهام جيّد.

في كتابه: “العادات السبع للناس الأكثر فعالية” ، تطرق ستيفن آر كوفي إلى طريقة IKE لاتخاذ القرار التي ابتكرها الرئيس الأمريكي السابق دوايت إيزنهاور، بأن يتمّ توزيعها في أربع خانات على حسب الأهمية والوقت:

افعل، خطط، أجّل، وألغي

الأمر الذي يساعد بدوره في اتخاذ القرارات المناسبة التي تخص جميع الحالات في وقتها المناسب.

 قبل أن يتخذ القادة قرارًا، ينظرون إلى أهميته ووزنه

معظم القرارات المتخذة خاصة في المستويات الأوسع (كالدول، أو المؤسسات الكبرى) تنطوي على مستويات عالية من المخاطر، فتكتسب بذلك أهمية ووزنًا كبيرين، وبناء على ذلك، يتيح القائد مساحات حرة للنقاش وتبادل الآراء من أجل الخروج بحلّ يصب في مصلحة كل من يرتبط بالمؤسسة أو الدولة.

هنا، المشورة والتأنّي والأخذ بجميع الاحتمالات الممكنة هو الذي يساعد على الخروج بقرار حكيم. يذكرني ذلك بالحادثة التي سميت بمعجزة نهر هدسون سنة 2009، عندما اصطدمت طائرة مقلعة من نيويورك إلى كارولينا بقيادة الكابتن شيسلي سولينبرغر — Chesley Sullenberger بسرب من الإوزّ، مما أدى إلى توقف المحرّكات واشتعالها.

حادثة الطائرة التي حطت على نهر هدسون 2009.
حادثة الطائرة التي حطت على نهر هدسون 2009.

هنا، درس الكابتن جميع المعطيات المتاحة رغم الوقت القصير، واتّصل بجميع الجهات، وناقش الاحتمالات من إمكانية الهبوط في مطار تيتربورو إلى الاعتماد على الهبوط المائيّ فوق نهر هدسون، وكان اتخاذه للقرار الثاني سببًا في إنقاذ 155 راكبًا من الموت.

وراء كلّ قرار، إحاطة بمعلومة

الإلمامُ بجميع التفاصيل التي تخصّ وضعيةً ما والإحاطةُ بكلّ المعلوماتِ المتعلقةِ بها هو الذي يأخذ بالقرار إلى برّ الأمان. الجهلُ بالموقف وبكل احتمالاته الممكنة يوّرث ثغرات في المعطيات الموجودة، وبالتالي نقائصَ كثيرةً عند اتخاذ القرار. المشكلة المطروحة هنا، هي كما قال نيل ديجراس تايسون:

تنشأ المشكلة عندما يُملأ الفراغ الذي تركه الجهل بالفكر غير المنطقي والسلوك المصاحب له

وبالتالي القرار الخاطئ غير محمود العواقب.

القادة يتعلّمون من الأخطاء عند اتّخاذ القرار

على القائد أن يكون على وعي كافٍ بأنّ الأخطاء التي يرتكبها هو أو فريقه في بعض الأحيان هي في النهاية مكسبٌ عظيم، وإضافة لإجماليّ رصيد معارفه وتجاربه، وصقل لمهارات اتخاذ القرار عنده. مايكل جوردن لاعب كرة السّلة الشهير، وأحد أفضلهم على الإطلاق في تاريخ هذه الرياضة، يقول موضّحًا عن سرّ نجاحه:

لقد فاتتني أكثر من 9000 تسديدة في مسيرتي وخسرت ما يقرب من 300 مباراة. لقد تمّ الوثوق بي 26 مرة لتسديد الكرة التي ستجعلنا نربح المباراة وغابت عنّي. لقد فشلتُ مرارًا وتكرارًا في حياتي، وهذا هو سبب نجاحي.

المهمّ هنا، ألا يُلدغ القائد من الجحر ذاته مرّتين بتكرير الخطأ نفسه، وأن يجسّد قيادته وقراراته بـ: تحويل ما هو محنة إلى مكاسب،  كما يقول “صن تزو” الفيلسوف والعسكري الصينيّ.

ليست العبرةُ بالضغوطات والسرعة

ثبت علميًّا بأن التنفس بعمق لمدة 50 ثانية فقط، يسمح للعقل بالتفكير في أكثر المسائل تعقيدًا، وهذا ما يجب على القادة أن ينتبهوا إليه حتّى يضمنوا اتخاذ قرار صائب وحكيم.

التعلم من تجارب الآخرين

لعلّ المقولة المأثورة عن الفيزيائيّ إسحاق نيوتن:

يجب أن نقف على أكتاف العمالقة!

هي أفضل موجّه لضرورة التعلّم من تجاربِ الآخرين في اتخاذ القرار، والاستفادة منهم، والقراءة عن حنكتهم ودهائهم. لا شيء يأتي تلقائيًّا من غير أن يكون مبنيًّا على اكتشافات وتجارب الآخرين.

تصوّر أوليّ للحالة النهائية

لا نحكم شعبًا إلَّا بأن نُرِيه المستقبل، القائد هو تاجرُ الأمل. – نابليون بونابرت

هذه المقولة رغم بعدها السياسي، فإنّها تعطينا معلومة مهمة حول نجاح القائد وحسن اتخاذه للقرار، يكون ذلك ببساطة عن طريق التصور الأولي للمرحلة النهائية التي يجب الوصول إليها، والتي تساهم بشكل كبير في تسيير منحى القرار، وتشجيع الأعضاء على المضي قدمًا.

في ذلك يقول أنطوان دو سانت أكسيبيري – Antoine de Saint Exépury : 

إذا أردت أن تبني السَّفينة، لا تدفع النَّاسَ إلى جمعِ الأخشاب، ولا تبدأ في توزيع المهام والأعمال، بل الأفضل أن تُعلّمهم أن يتوقوا إلى البحرِ اللاّنهائيّ.

 النهوض بعد الانهيار: نماذج حيّة لأمم حققت المستحيل!

القيادة واتخاذ القرار: نماذج وأمثلة

هناك نماذج عديدة واقعيّة لقادةٍ نجحوا في أن يثبتوا قدرتهم على اتّخاذ القرارِ بكلّ حكمةٍ ودهاءٍ وفطنة. وهنا تجدر الإشارة إلى أنّه ليس شرطًا أن يكون القادةُ رؤساء أو حكّامًا، أحيانًا بإمكان خير القادة أن يكونوا أناسًا عاديين، يوظفون صفة القيادة وفنّ اتخاذ القرار في حياتهم اليومية، فيؤثروا ويغيّروا.

وهو الحال مع روزا باركس — Rosa Parks، الأمريكية من أصل إفريقيّ التي رفضت أن تعطي مقعدها لأنها سوداء، سنة 1955م قائلة بكل ثقة:

لا أظنّ أنّ عليّ أن أقف!

القيادة
روزا باركس المناضلة من أجل حقوق السّود.

وهذا القرار جعلها فيما بعد أكثر الناشطات والمدافعات عن حقوق السّود وترك أثرًا في الساحة الحقوقية الأمريكية.

وغير بعيد عنها، نرى نيلسون مانديلا — Nelson Mandela الذي استمرت فترة كفاحه ودفاعه عن حقوق السود في إفريقيا الجنوبية أكثر من ربع قرن، لكنّه قرر أن يستمر فيه ولو من وراء الجدران، وقراره ذلك هو الذي أتى بحقوق السود فيما بعد، وألغى نظام الأبارتيد العنصريّ.

مرورًا إلى ماليزيا، ومهاتير محمّد النمر الآسيوي (كما لقب) الذي قام فور استلامه منصب رئيس الوزراء بتحويل المعسكرات اليابانية إلى أماكن سياحية من أجل دعم قطاع السياحة، ونجح في الفترة من 1988 إلى 1996 في القضاء على نسبة الأمية المرتفعة، ورفع مستوى التعليم والتدريب والتكوين في البلاد، وأمر بغرس مليون نخلة زيت في مدة عامين فقط، جعلت من ماليزيا بعدها الأولى عالميًّا في إنتاج الزيت وتصديره، والخروج بعدها من الأزمة الآسيوية سنة 1998، بفضل ربطه سعر العملة الماليزية بالدولار الأمريكي، حتى أنه ألف في غضون ذلك كتابا موجّها لشعب الملاوي، ينتقد فيه كسلهم وعجزهم ويأمرهم بالعمل والسّعي. وقام سنة 2000 بوضع خطة سمّاها “المضي قدما 2020 – Looking forward” تهدف إلى احتلال ماليزيا موقعًا في مصفّ الدول المتقدمة سنة 2020، وكان ذلك فعلا!

اتخاذ القرار في ظلّ أزمة كورونا: نساءٌ قائدات

القيادة
نساءٌ قائدات.

أثبتت أزمة كورونا فعّاليةً ونجاحًا كبيرًا لقائداتٍ في دول متعدّدة مثل: ألمانيا، نيوزيلندا وإيسلندا في التعامل معها والحدّ من أخطارها، وعكست حكمة ودهاء كبيرين في اتخاذ القرارات المصيرية.

لقد تمثل أول العوامل أساسًا في الاستجابة المبكرة باتخاذ الإجراءات والتوضيح الصريح لأخطار الفيروس، وترتيب الأولويات، والإسراع في الغلق المبكر للحدود، إذ قررت رئيسة وزراء إيسلندا كاترين ياكوبسدوتير إطلاق حملة كشوفاتٍ واسعةٍ تحاول مسّ جميع سكان البلاد، وبدأت باتخاذ اجراءاتٍ صارمة ومنعت تجمع أكثر من 20 شخص، كل ذلك قبل أن تتمّ تسجيل إصابة واحدة في البلاد.

وخرجت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل بكل وضوح لتعلن في خطاب مبكر عن مخاطر الفيروس وتحاول نشر الوعي عنه وتؤكد على ضرورة التزام التباعد.

وهو ما قررته رئيسة تايوان، تسي إنغ وان، عن طريق تطبيقها السريع للحجر الكلي منذ شهر يناير، واتخاذها للتدابير الوقائية مبكرا.

وقامت رئيسة وزراء النرويج إلنا سولبرغ بعقد اجتماع مباشر مع كل أطفال البلاد، تجيب فيه عن أسئلتهم وتحاول توعيتهم بخطورة الوضع.

أمّا رئيسة وزراء نيوزيلندا جاسيندا أندرين فقد أثبتت شخصيّتَها القيادية عن طريق فرض حجر كليّ بدايةً من شهر مارس مع الأمر بإغلاق المطارات، ووضعت خطّة محكمة تهدف إلى إيقاف جميع حالات العدوى وذلك بعد تسجيل ست حالات فقط. هذه الأخيرة، كانت واعية جدًّا بفن اتخاذ القرارات وضرورة احتواء الأزمات، وظهرت براعتها جلية ليس فقط في أزمة كورونا، بل في عدة أزمات أخرى لعلّ أبرزها: حادثة الهجوم على المسجد في نيوزيلندا سنة 2019.

ختامًا، قد تكون صفة القيادة فطريّةً عند البعض، تظهر بوضوح منذ صغره، وتعكس براعةً في اتخاذ القرار المناسب. لكنّها كذلك مكتسبة عند البعض الآخر، تطوّرها المهارة، وتصقلها التجربة.

 القيادة الناجحة لا تتطلب مواصفات مستحيلة.. بعض الخطوات والصفات فقط!

0

شاركنا رأيك حول "كيف يتّخذ القادةُ القرارات بكلّ حكمة ودهاء – نماذج حيّة"