ثانوس VS دان براون - الانفجار السكاني
0

“لن تجد ما هو أخطر من عقلٍ فذّ صاحب هدف غير اعتيادي”.. ماذا تظن أسوأ من ألا تجد قهوة كافية لتبدأ بها يومك؟ الأسوأ هو أن تستفيق ولا تجد ما تأكله أو تستفيق على جريمةٍ ما بسبب ظروف المعيشة التي أقل ما تُوصف به أنها بشعة، ولكن هل تساءلت ما السبب؟ حسنًا، إنه الانفجار السكاني الذي يؤثر بشكل مباشر على كل فرد مهما كان عمره، أو موقعه، أو طريقة عيشه. 

الانفجار السكاني في أحداث رواية الجحيم

الانفجار السكاني في أحداث رواية الجحيم للكاتب دان براون
غلاف رواية الجحيم للكاتب دان براون

رواية Inferno – الجحيم هي رواية الكاتب الأمريكي الكبير Dan Brown – دان براون الرابعة من سلسلة روبرت لانجدون -عالِم الرموز الشهير- التي نشرها عام ٢٠١٣، وتتكون الرواية من ٤٨٠ صفحة من المغامرة والتشويق. وقد انهالت عليها المبيعات، حيث حققت حوالي ٣٦٩,٠٠٠ نسخة في أسبوعها الأول فقط، وحلّت في المرتبة الأولى في قائمة أفضل الكتب مبيعًا في الولايات المتحدة، وكذلك في المملكة المتحدة حلّت أيضًا في المرتبة الأولى بمجموع ٢٢٨,٩٦١ نسخة.

بالطبع عمل بهذه الضجة سيجذب المنتجين لتحويله إلى فيلم ليحقق المزيد من الانتشار. وبالفعل اُنتِج الفيلم عام ٢٠١٥ بطولة “توم هانكس“، الذي جسّد شخصية عالم الرموز روبرت لانجدون.

تأثّر قرّاء رواية الجحيم بالشخصية الرئيسية روبرت لانجدون تأثُّرًا واضحًا، حيث تجد بعض القارئين يتمنون لو أنه شخصية من واقعنا وليس مجرد بطل رواية. رُسمَت شخصيته بطريقة خاصة جدًا ومميزة، حيث أنه -كما ذكرنا سابقًا- عالم رموز من جامعة هارفارد ذو قدرٍ عالٍ من العلم والمعرفة بالرموز الباطنية والجمعيات السرية، مثل: جمعية سيون، اوبوس داي، جمعيات ماسونية، وغيرهم.

كيف انتهى به الحال هكذا؟

نستطيع أن نرى هذه المرة في رواية الجحيم أن البداية تختلف، والهدف يختلف أكثر عن باقي روايات روبرت لانجدون، حيث أنه يستيقظ ليجد نفسه في مستشفى ومصاب بجرح عميق في رأسه، ولا يستطيع تمييز أي شيء حوله ولا الناس المحيطة به، وأيضًا لا يملك أي ذكريات عن اليومين السابقين، ولا يدري كيف انتهى به الحال هكذا. 

نتذكر وننتقل معه خلال صفحات الرواية بسلاسة، حيث يتضح أن الهدف أكبر من إنقاذ باباوات الفاتيكان، أو الحفاظ على سمعة الماسونية، أو حتى فك شيفرة شديدة الغموض، بل هذه المرة الهدف هو إنقاذ العالم كافة من وباء عالمي قد يطيح بنصف سكان العالم، مُصمَّم على يد عالِم -قد ترونه مجنونًا أو بعيد النظر- يسمى “برتراند زوبريست”، ويزعم أن الانفجار السكاني خطر لا بد من مواجهته أيًا كانت السبل، فيحاول بطلنا روبرت أن يُوقف هذا الوباء، والجدير بالذكر أنه ليس مطاردًا من السلطات فحسب، ولكنه أيضًا مطارد من جمعيات سرية.

لننتقل معهم خلال شوارع فلورانسا الساحرة، وخلال الرواية بأكملها ستشعر أنك حصلت على تذكرة طيران لإيطاليا، ليس ذلك فقط بل ومعك بروفيسور واسع الحيلة، ليريك الأماكن ويعرفك على الجانب الباطني من كل لوحة أو مكان، حتى نصل إلى نهاية الرحلة، لنرى -على عكس جميع التوقعات- أن الوباء كان قد انتشر بالفعل.

وبالطبع كما عوَّدنا دان بروان في رواياته على وجود رفيقة لروبرت، سنجد هنا الطبيبة سيينا ذات الشخصية الغامضة والمليئة بالأسرار، وأيضًا تتميز بمعدل ذكاء ملفت للانتباه.

اقرأ أيضًا:

مالتوس والخطر الأزلي

توماس مالتوس - الانفجار السكاني
توماس مالتوس صاحب نظرية أن الزيادة السكانية تقوم على أساس متتالية هندسية

نحن على أعتاب جحيم حقيقي، لو أمعنّا النظر قليلًا، ولكن على مجال أوسع من مجرد بيتنا أو قريتنا أو دولتنا، سنجد -وبوضوح- التكدُّس السكاني يحكمنا من جميع الاتجاهات.

هل قرأت يومًا عن نظرية مالتوس “Thomas Robert Malthus”؟

ربما لم تقرأ عنه من قبل، إن مالتوس هو صاحب نظرية أن الزيادة السكانية تقوم على أساس متتالية هندسية، بينما الإنتاج الزراعي يقوم على أساس متتالية حسابية، مما يؤكد بالحسابات الرياضية أننا حتمًا سنواجه مجاعات ومشاكل لا نقوى على مجابهتها. ومن هنا اتّخذ السياسيون والاقتصاديون هذه النظرية المتداولة مبررًا للإبادات الجماعية والتعقيم القسري الذي نتج عنه عواقب وخيمة.

اقرأ أيضًا:

ولكن من الواضح أنه عندما وصل عدد سكان الكوكب إلى ٧.٨ مليار نسمة، تعدّى الخطر المستوى الغذائي، وانحسار الأراضي الزراعية، ونقص المياه، والازدحام الناتج عنه انفجار التلوث، ووصل الأثر لدرجة بشعة حيث صاحَب التكدُّس السكاني أزمات أخلاقية. يمكنك فقط تصفّح الجرائم العالمية وحينها ستدرك أننا على أعقاب الجحيم صدقًا. عائلات تقتل بعضها البعض، حالات انتحار، وكل ذلك ترجع إحصائياته إلى مستوى المعيشة، وصعوبة العيش في زمنٍ تقل فيه الفرص الطبيعية للعيش، بسبب كثرة أولئك المتقدمين للفرص.

اقرأ أيضًا:

ثانوس VS دان براون

إذا كنت من محبي الفن والسينما، ستفهمني جيدًا، لنلقِ نظرة خاطفة على نفس مبدأ تحقيق التوازن ولكن في مجال آخر تمامًا ومن منظور آخر. لنتذكر معًا أسطورة عالم مارفل السينمائي “ثانوس” صاحب فكرة استغلال الأحجار الستة “The Infinity Stones” -وهم القوة، الزمن، الفضاء، العقل، الحقيقة، الروح- في تدمير نصف سكان الكوكب في سبيل الحد من الانفجار السكاني والحفاظ على التوازن، وهو نفس هدف العالم “بيرتراند زوبرست”، الذي قام بتصميم وباء يخدم نظريته، التي تزعم أنه خلال ٤٠ عامًا سنصبح نحن حوالي ٣٨ مليار إنسان يتضاربون جميعًا لأجل البقاء.

ويستعين العالِم بجحيم “Dante Alighieri – دانتي أليغييري” حيث أنه يرى مع مرور الوقت أن الأخلاق والفضائل التي قد نكون مؤمنين بها حقًا ستتلاشى، وتكشف عن الوحوش التي تقبع بداخلنا، وخصوصًا عندما يتعلق الأمر بالبقاء والاستمرار على قيد الحياة وإطعام أطفالنا. ومن الدوافع التي أدت بيرتراند إلى اختلاق وباء بنفسه، هو أنه يرى أن المنظمات العالمية للمحافظة على صحة البشر لا تنشر الوعي الكافي للناس عن أخطار هذا التكدُّس السكاني، وأن أمرًا كهذا حتمي وفكرة انقراض النوع تقترب وتفصلنا عنها بضعه قرون وربما عقود.

حجيم دانتي Dante Alighieri - رواية الجحيم
لوحة جحيم دانتي للفنان الايطالي بوتشيلي

اقرأ أيضًا:

مصير البشرية

يطول بنا التفكير والتساؤلات، أيهما الصواب؟ هل القضاء على ثُلث إلى نصف سكان الكوكب، أم منع وكفّ جميع محاولات العلماء للحد من هذا الانفجار؟ لنقل أننا جميعًا اتفقنا على نفس وجهة النظر وقمنا بشكلٍ ما بالقضاء على ثلث سكان العالم، كيف تتوقع عالمنا بعد ذلك؟ هل سيسود العدل والنظام نتيجة أخذ كلٍ منّا فرصته كاملة؟ هل ستتناسب معدلات النمو مع الإنتاج الغذائي؟ هل ستقل الجرائم المتعلّقة بكسب لقمة العيش؟ أم سنظل نحن الجنس البشري في السعي الدائم للمزيد؟ والسؤال الأهم، هل سنلتزم -نحن البشر- بقرار مصيري كهذا ونقوى على السير بنفس النمط فلا نضطر إلى اختراع وباء أو إبادة؟

0

شاركنا رأيك حول "ثانوس VS دان براون: حينما يدور البشر في حلقات جحيم دانتي أليغييري"