روايات قادرة على إشعال فتيل الدهشة منذ البداية
0

هل سمعت عن روايات الدهشة من قبل؟ حسنًا، لدي العديد من العادات السيئة، ولكن أكثر عادة أمقتها هي شعوري بالواجب الملح للانتهاء من كتاب أو فيلم أو قطعة موسيقية لا تعجبني بدايتها، أشجع نفسي قائلًا: لربما تكون النهاية هي الفيصل، هي التي ستقلب الأمور جاعلة منها أفضل، إلا أنني غالبًا ما أرجع خالي الوفاض، صفر اليدين، فأعزي نفسي بأنني على الأقل قد تأكدت من أن هذا الكتاب سيئ.

فلسفيًا، كثيرًا ما ترتبط العادة بالإرادة، لذلك يعجبني ما قاله أرسطو عن العادة بأنها “طبيعة ثانية”. قد تكون العادة شيئًا جيدًا إلى أن تصل درجة تبدأ فيها تلك العادة بتعطيل الجانب الإبداعي للإنسان، أو أن تكون عادةً تعمل على انحرافٍ في التفكير المنطقي، وبالتالي قد تهدر الوقت أو الجهد أو كلاهما.

لذلك، اتخذت قرارًا حازمًا لا رجعة فيه، في كل مرةٍ أقرأ كتابًا أحس بأنه يكاد يخنقني سأكتفي بعشرين صفحة فقط لا غير، وبالنسبة للموسيقى، فإني سأكتفي بعشر ثوانٍ، أما الفيلم، فعشر دقائق كفيلة بحل المشكلة. هكذا قررت، وهذا ما أحاول جاهدًا أن أفعله عند خوضي معركة ترك الشيء من عدمه.

أما على الجهة المقابلة من كل ذلك، يوجد كتبٌ وأفلامٌ وقطعٌ موسيقية قادرة على خطف قلبك بسرعة كبيرة، ولأن الكتب هي ما سأحكي عنه هنا، فإن بعض الكتب قادرة على جذبك إلى أحداثها بسرعة كبيرة، وغالبًا، ستجدها كتبًا عظيمة.

اقرأ أيضًا:

روايات قادرة على إشعال فتيل الدهشة

روايات قادرة على إشعال فتيل الدهشة منذ البداية
مجموعة روايات الدهشة: من الصفحة الأولى بل وأحيانًا من الجملة الأولى.

لذا، سأرشح روايات قادرة على إشعال فتيل الدهشة منذ البداية، منذ البداية بالفعل، في الصفحة الأولى بل وأحيانًا من الجملة الأولى، سأقوم باستعراض الفقرة الأولى، علّها تجذبك إلى النص مثلما جذبتني.

قلب أبيض جدًا

غلاف رواية قلب أبيض جدًا تأليف خابيير مارياس
من روايات الدهشة: غلاف رواية قلب أبيض جدًا تأليف خابيير مارياس

“لم أشأ أن أعرف، لكنّي عرفتُ أن إحدى الفتاتَيْن التي لم تعد فتاة، والتي كانت رجعت من رحلة العرس منذ فترة ليست بعيدة، دخلتْ حجرة الحمّام، وفتحتْ بلوزتها، وخلعت حاملة الثديَيْن، وبحثتْ عن موضع القلب بطرف مسدّس أبيها الذي كان في غرفة الطعام مع قسم من العائلة وثلاثة مَدعوّين. لَمّا سُمع دويّ الطلقة بعد خمس دقائق من ترك الفتاة المائدة، لم ينهض الأب فوراً، بل ظلّ مدّة ثوان معدودات مشلول الحركة، وفمه ملآن من غير أن يجرؤ على مضغ اللقمة، ولا ابتلاعها، حتّى ولا إعادتها إلى الصحن؛ ولمّا نهض أخيراً وهُرع إلى حجرة الحمّام، واكتشف جسد ابنته، رآه مَنْ تبعه كيف كان يمسك رأسه بيَدَيْه، ويلوك لقمة اللحم من هذا الجانب إلى ذاك الجانب من الفم من غير أن يعرف ماذا يفعل بها”.

استحضرت روعة هذه الرواية لحظة محددة في ذاكرتي: صيحات جمهور كوكب الشرق أم كلثوم عند الانتهاء من مقطع غنائي عظيم، فلا يستطيع جمهورها المستمع بشغف إلا أن يثور قائلًا “الله” أو “عظمة على عظمة يا ست”، هذا بالتحديد ما شعرت به عندما قرأت الصفحة الأخيرة من رواية مارياس.

رواية ركزت بشكل أساسي على الذاكرة وعلاقتها بكل تفاصيل حياة الكائن البشري. لم أجد تفسيرًا يعالج مفهوم الذاكرة كالذي جاء به الطبيب الألماني ريتشارد سيمون حيث قال: “فإن الذاكرة هي الكيفية التي تميز المادة الحية من الميتة، وأي حدث يؤثر في المادة الحية يترك أثرًا (انطباعًا) يمكن إحياؤه متى تذكرناه”.

“لم أشأ أن أعرف” يا لها من بداية! فإذا أمعنا النظر فيما جاء على لسان سيمون سابقًا، فأن نعرف، يعني أن نترك أثرًا أو انطباعًا قد يمكن إحياؤه رغمًا عنا، متفوقًا على رغبتنا بأن نبقيه ميتًا، ولتكتمل الصورة بشكل تام، تتناول الرواية على جانب آخر، موضوع الأسرار ولعنة معرفتها ونعمة الجهل بها.

خوان، بطل رواية قلب أبيض جدًا يعمل كمترجم فوري، ولم يكن اختيار مارياس لذلك العمل عبثًا، فقد صبغت هذه المهنة خوان بشكل كبير، المترجم الفوري حاضر الذهن، لا يكتفي بدقة الترجمة، بل بسرعة التنفيذ أيضًا، خوان لم يتوقف عند ترجمات اللغات وحسب، بل أصبح مدمنًا حتى على ترجمة الأصوات والإيماءات.

لم يكن مارياس متواضعًا في كتابته لرواية قلب أبيض جدًا، لم يبدأ بطيئًا ثم تسارع تدريجيًا في الأحداث الروائية، بل افتتح روايته بقوة، بجرأة ساحر يؤدي خدعته الكبيرة في بداية عرضه لا نهايته، فيصور لنا مشهد انتحار مؤلم، ويلعب بخيوط الرواية بعدها برشاقة كاتب محترف حقًا.

“الاستماع هو الأخطر. وهو معرفة وعلم واطلاع. الآذان تفتقر إلى الأجفان التي يمكن أن تنطبق على الملفوظ، ولا يمكن لها أن تحتمي مما يُستشعر أنه سيُسمع، ودائمًا يفوت الوقت بإفراط. والآن صرنا نعرف، ويمكن لهذه المعرفة أن تلطخ قلوبنا البيض جدًا، أو ربما هي شاحبة وهلوعة أو جبانة”.

“لم أشأ أن أعرف” هكذا افتتح خوان بطل رواية قلب أبيض جدًا حكايته، ليحكيها لنا لتكون بمثابة ثوثيق لرحلة الإنسان في دهاليز الذاكرة بهدف نبش الأسرار! فهل التخبط بين وخزات الشك والغموض ولهيب الفضول أهون علينا من تحمل تبعات معرفة الحقيقة بكل مرارتها؟

دمية كوكوشكا

غلاف رواية دمية كوكوشكا تأليف أفونسو كروش
من روايات الدهشة: غلاف رواية دمية كوكوشكا تأليف أفونسو كروش

“في عامه الثاني والأربعين وبعد يومين من عيد ميلاده على التدقيق بدأ بونيفاز فوجيل يسمع صوتًا. ظن في البداية أنه صوت جرذان. ثم فكر في الاستعانة ليتخلص من السّوس، لكن ثمة أمر منعه من ذلك. لعله الطريقة التي أمره بها الصوت، بما في الأصوات التي تسكن أعماق أعماقنا من قوة. كان يعلم أن الأمر يحدث داخل رأسه، لكنه شعر بأن الكلمات كانت تأتي من الأرضية، عبر قدميه، قادمة من الأعماق وتملأ حانوت العصافير”.

من قرأ منكم للروائي أفونسو كروش قد يكون معتادًا على ما أسميه “الخيال السائل”، لا أدري لماذا ولكنني دائمًا ما أتصور أن يكون الخيال غازيًا في تكوينه، ولكنه عند كروش يكون سائلًا، له منبع محدد، وجريانه متعدد، ليصب في أماكن عديدة، هكذا قد أعبر عن خيال كروش الخصب.

إلا أن القارئ وإن كان له تجربة سابقة في قراءة كروش، سيصطدم منذ الصفحة الأولى بعالم عبثي مليء بالغرابة! دمية كوكوشكا هي درس في الدهشة الروائية يا أعزاء.

عادة، أو لنقول في أغلب الوقت، أقوم بممارسة لعبة طريفة قبل البدء في قراءة أي عمل أدبي، فأحاول بكل جهد حثيث أن أكشف موضوع الرواية من عنوانها الرئيسي، أليس عنوان أي عمل أدبي روائي هو عتبة مهمة جدًا في فهم أحداث ومضمون هذا العمل الإبداعي؟ هنا، فشلت اللعبة تمامًا. باختصار تام، الرواية جدلية غريبة جدًا، وبالتالي ترشيحها مقامرة خطيرة مني.

رواية دمية كوكوشكا اعتمدت كثيرًا على جعل المجاز حقيقة. غالبًا، ما يتم استخدام التعبير المجازي للدلالة على فعل العكس، أن يصرف ويعكس المعنى الظاهر ليعطينا شكلًا آخر تمامًا للمعنى، وهنا في أحداث الرواية، وخصوصًا ضمن الفصل الأول قام كروش بقلب الطاولة: جعل المجاز حقيقة، أخذ الاستعارات إلى بعد آخر، إلى بعد حرفي، فاستمتعت شخصيًا بذلك.

هذا الجزء من مقال الترشيحات، يشبه الرواية بعبثيتها، فهي مبعثرة، مضطربة، ترتيب أفكارها متقطع. ولكنني أحبها. أفونسو كروش غريب حقًا، فهو قادر على أن يدخل في رأس القارئ ويعبث به بمهارة.

أخف من الهواء

غلاف رواية أخف من الهواء تأليف فيديريكو جانمير
من روايات الدهشة: غلاف رواية أخف من الهواء تأليف فيديريكو جانمير

“أرجوك اجلس فوق غطاء المرحاض. لا تحسب أنني أجبرك. إني فقط أظنك سترتاح أكثر عليه. أنا أيضًا سأجلب مقعدًا وأضعه بجوار الباب. سأقص عليك أمرًا ما. لا تزمجر. سيسوءك هذا الحال، ولن تكسب شيئًا، ربما قد يرتفع ضغطك. أقسم لك… سبق أن حدث هذا لي. هناك حكاية… حكاية سأقصها  عليك وأرغب بشدة في البوح بها”.

قد تعد الجملة الافتتاحية “كان يا ما كان” هي الجاذب الأكبر والمقدمة الأكثر متعة في تاريخ القصص، فعند سماعها نعود أطفالًا متعطشين لسماع الحكايات، ويظل رنينها باق لا يختفي. في رواية أخف من الهواء شعرت بأن فيديريكو جانمير استحدث نسخة ممتدة من “كان يا ما كان”، افتتاحية روائية بديعة، أخذت بالتصاعد حتى وصلت الذروة: “هناك حكاية… حكاية سأقصها عليك وأرغب بشدة في البوح بها”.

لا يبوح الإنسان عادة إلا بأسرار، ولا يبوح بالأسرار إلا لشخص ذي ثقة، ولا يكون الشخص ذا ثقة إلا إذا كان قريبًا كل القرب من الشخص الراغب بالبوح. إذًا لماذا يجلس المستمع في الحمام فوق غطاء المرحاض؟ ولماذا يتم البوح في غرف منفصلة؟ في جمل سريعة، تمكن جانمير من استحضار الـ “كان يا ما كان” الطفولية لدي، وأظنه استحضرها لكثير من القراء أيضًا.

الحكاية تحكيها عجوز طاعنة في السن لصبي لا يتجاوز عمره الـ 18، تحكي قصة تمنت مرارًا أن تُسمع، فظلت عالقة في صدرها إلى أن أتى هذا الصبي الذي حاول سرقتها ظنًا منه أنها ضعيفة لا تقدر أن تدافع عن نفسها، فأغوته بخدعة سريعة ليدخل إلى الحمام، وخرجت منه وأقفلت الباب عليه، أقفلت على مستمعها الأثير.

لا نسمع صوت الطفل هذا طوال أحداث القصة، نسمعه من خلال العجوز فقط، ونعرف تحركاته من خلالها أيضًا، هي رواية لا يتغير فيها المشهد: عجوز تقبع جالسة وراء باب الحمام تحكي حكاية عمرها.

عندما تُحكى حكاية لمستمع ما، تمر على البال فورًا شهرزاد، الحكاءة الأمهر في التاريخ (بنظري طبعًا)، تدافع الحكايات عن أرواح رُواتها دائمًا، طابع الليالي العربية موجود هنا، فهناك كل العوامل التي تدل على ذلك، شهرزاد العجوز الضعيفة، وشهريار الطفل المعتدي، وحكاية لو كتبت بالإبر على آماق البصر لكانت عبرة لمن اعتبر.

ذكرت سابقًا بأننا لا نسمع الفتى أبدًا إلا من خلال العجوز، كأن الكاتب كتب مونولوجًا غريبًا، وحوارًا بين طرفين لا يُسمع إلا طرف واحد منهما! الفكرة عبقرية وتطبيقها عظيم، وروح الليالي العربية فيها زادت على كل ذلك نشوة إضافية. ويبقى السؤال هنا، هل كان الطفل حقًا قابعًا في ذلك الحمام؟ أم أن شهرزاد العجوز صاحبة الخيال الكبير، تخيلت هذا كله؟

افتتاحيات روائية أخرى

هناك العديد من الافتتاحيات لروايات كلاسيكية معروفة أيضًا، فمثلًا افتتاحية الغريب لمؤلفها ألبير كامو: “اليوم ماتت أمي. أو لعلها ماتت أمس. لست أدري. وصلتني برقية من المأوى: الأم توفيت. الدفن غدًا. احتراماتنا. وهذا لا يعني شيئًا. ربما حدث الأمر أمس”، أو التحول لمؤلفها كافكا: “حين أفاق غريغور سامسا ذات صباح من أحلام مزعجة، وجد نفسه وقد تحول في فراشه إلى حشرة ضخمة”، أما عند ساراماغو ففي رواية انقطاعات الموت يقول: “في اليوم التالي لم يمت أحد”.

اقرأ أيضًا:

العديد من الروايات بدأت هكذا، ولم يخذل كتابها القراء، بل كانوا على قدر المسؤولية، فالبداية القوية تعد القارئ -بسرية دون إعلان- بنهايات قوية أيضًا. وأنتم، ما هي افتتاحات الروايات التي كانت قادرة على خطف قلبكم؟

0

شاركنا رأيك حول "روايات قادرة على إشعال فتيل الدهشة منذ البداية: ترشيحات أراجيك للقراءة في نوفمبر"