أحمد أمين في دور رفعت إسماعيل في مسلسل نتفليكس المنتظر
0

كلما وجدت نفسي أمام صفحة فارغة علي أن أملأها أتتني رغبة في البدء بالسلام كأنني دخلت على قوم، أو كتابة “تحية طيبة وبعد” كمن يكتب خطابًا في التسعينيات (لا أستبعد أن أكون فعلتهما كليهما من قبل). ها قد قلت اعترافي وتخففت، وبعد فهذا حديث عن رفعت إسماعيل؛ العجوز الشقي الذي ابتكره العظيم الراحل أحمد خالد توفيق رحمه الله، وجمَّله وحسَّنه ووضع فيه بعض روحه وتجربته، جاعلًا إياه واجهة سلسلته الروائية الأهم والأشهر “ما وراء الطبيعة“. اليوم نحكي عن رفعت إسماعيل وعن صاحبه ومنشئه وعن المسلسلات وعن الأدب.

رفعت إسماعيل وما قبله

رفعت إسماعيل أظرف شيوخ الأرض وأذكاهم
رفعت إسماعيل أظرف شيوخ الأرض وأذكاهم.

عندما أضرب مثالًا لأفضل استغلال لهيكل المسلسل الفني المختلف تمامًا عن هيكل الفيلم ومميزاته، أتخير من أعمال في مقدمتها هذه الثلاثة: The Wire وLine of Duty وDexter. فإنك إن تشأ التمتع بمسلسل -خاصة إذا كنت اعتدت على الأفلام- يتوجب عليك أولًا أن تفهم عمليته ومقصده ومواضع قوته فلا تنتظر منه ما تنتظر من غيره.

فالمسلسل بناءٌ أساسه الشخصيات وتطورها، وتنويعها وتعميقها وضخ كل الدماء الممكنة في عروقها، واستعمالها لتسيير الحبكات وحمل المواقف والتعبير عن الأفكار وصياغة القصص، وكل هذا لغاية هي خلق حبل متين من الألفة يبدأ عند الشخصية وينتهي بيد المتلقي، ولا يتطلب بالضرورة أن تكون محبوبة أو صالحة أو ظريفة أو واقعية. لأجل هذا فإن ما يحدد إمكانيات الكتَّاب الحقيقية والمستوى الواقعي الذي تحتمله قصة مسلسل وأجوائه هو الموسم الثاني بالذات، ففيه نكون قد انتهينا من التعريف بالشخصيات وتقديم الفكرة الرئيسية والتمهيد للتغيرات، وفرغنا للسحر الأساسي الذي لا يوفره الفيلم مهما علا: الحفاظ على السياق الأصلي مع تفادي النمط.

كيف تواصل الإنتاج جامعًا بين هذين اللذين يتناقضان ظاهريًّا؛ أعني الحفاظ على الأصل والخروج عنه؛ التمسك بما كان والابتعاد عنه قدر المستطاع أيضًا؟ هذه هي معضلة الكتابة المسلسلة، والتي تحتاج -قبل الاستمرارية والابتكار والمثابرة وشجاعة إغضاب المتلقي والإحاطة بمجمل التسلسل بالربط المحكم بين مفرداته مهما تباعدت- إلى أساس قوي قادر على حمل أدوار متتابعة من الإبداع.

في Line of Duty مثلًا (وسوف أحاول ألا أسهب لأنك على الأرجح تتساءل الآن عن علاقة هذا برفعت إسماعيل) تلقى تجربة كتابية لا أحسبها تكررت في الأعوام العشرين الأخيرة غير مرتين أو ثلاث. فهو على دراية كاملة بالنمط وقادر على أن يركِّب عليه حكايات تثير الاهتمام ولا تخرج عنه أو تنافي مقصده. حتى إنني أذكر تردد ذاك السؤال المقدس في ذهني مع بداية كل موسم، وقد تشبعت بالقالب وأمست نفسي متعطشة إلى مزيد من تطبيقاته المبتكرة: ما الذي سيحدث هذه المرة؟ أي شخصيات سنلقى وأي تفاعلات بينها ستجري وأي حكايات ستتشكل وأي مفاجآت ستنكشف وإلى أي نهايات ستقود؟

ومصباحه السحري

من روايات سلسلة ما وراء الطبيعة للكاتب أحمد خالد توفيق التي يحكيها رفعت إسماعيل
من روايات سلسلة ما وراء الطبيعة التي يحكيها رفعت إسماعيل.

ينطبق هذا المقيل على سلسلة رفعت إسماعيل المسماة ما وراء الطبيعة، وهذا السؤال المذكور ملازم لمبدأ كل رواية من رواياته حيث تمر عينا القارئ على مقدمته الواضح فيها جدًّا (بحكم ملل الكاتب والشخصية) إدراكه لمسألة النمط التي أشرنا إليها، وحرصه لا على محاربته أو إنكاره أو الاستسلام له، بل التعايش معه وإبراز وجوده وجعله -في جزء باهر من عملية التواصل المثمرة مع القارئ- مشكلة مشتركة بينهما: “هل تلاحظ موضع الإملال؟ أنا أيضًا ألاحظه. هل يزعجك أنه جزء من طبيعة الحياة بل وأكثر صورها تحررًا الخلق؟ كذا أنا منزعج. هل ستتجاوز عن نهمي للإبداع؟ فسأتجاوز عن نهمك لالتهام ما أبدع”. هذا هو ما يلخصه القراء عادة بقولهم إن رفعت إسماعيل يعبر عنهم.

لكن لماذا نتوقف هنا؟ إن التنويع على النمط الواحد وتجديد القالب الراسخ علامة مميزة للسلسلة التي يتصدرها العجوز الثرثار الذي لا يكف عن سحب الدخان ونفثه، بل أصفه بما هو أكثر فأقول إنه مجال إجادته وفرصة استعراض قدراته وإبداء مهارته من الجوانب كلها. هل تريد أساليب سرد متنوعة؟ معلومات في مجالات شتى؟ شخصيات ثلاثية الأبعاد قابلة لإعادة القراءة والاستكشاف؟ محتوى سهل الاقتباس ليس فيه وعظ أو تمييع للشخصيات لمواءمة مزاجات القارئ ومعتقداته؟ سخرية يسيرة الهضم؟ خفة ظل؟ ملاحظات اجتماعية ثاقبة تخلو من التعالي والنبر الإصلاحي الأبوي ولا تعتذر أو تماطل أو تتخفى مع ذلك؟ تضامنًا وانتصارًا للشخصية الانطوائية المعرضة لتنمر منهجي دائم من الانبساطيين الأوغاد الذين يحكمون العالم حرفيًّا؟

لا جرم أنك إذ تعصر هذا المصباح السحري نسيت أن تطلب حكايات مسلية، لكنه سيعطيكها كذلك. وبين حين وآخر سيمنحك من الرعب ما ترتجف له أحشاؤك. ثم سيحدثك بحكمته الساخطة عن الحب قليلًا يغدو مع تطاول السلسلة كثيرًا. ثم ستقرأ عشرين عددًا تجد نفسك بعدها راضية متطلعة لمزيد متاح لك منه ثلاثة أضعاف ما شربت. ثم سيمتنع مؤقتًا عن الحديث مفسحًا المجال لحكايات غيره كثلاثية إيجور الجميلة وثنائية الجاثوم المفزعة وغيرها، مؤكدًا على انطباع الموسوعة الذي لا ينفك يتضح. ثم ستروقه الأكوان الموازية فيستعمل قوالبها ثلاث مرات بعد الأولى.

ثم لأنه نادر الموهبة (رفعت إسماعيل أو خالد توفيق، اختر) عظيم البراعة يجر وراءه من الأفكار أكثر مما يحتمل إنسان، ويسعى لإصلاح أرض تحتاج بعده إلى جيش كامل، ويملك جمهورًا لا يدنو من إخلاصه البالغ عنان السماء سوى تطلبه ولا يميزه شيء كتعطشه للرمز والشبيه والمتفهم والتواطؤ على انتماء؛ لأجل هذا كله يصدر مثل الذي تصدره آلة عاجزة عن التوقف، ويتخير كتيبًا في نهاية كل عشرة يجمع فيه حفنة حكايات مؤكدة على تفرده وأهليته للموقع الذي شغل.

ثم ستزداد الروايات طولًا وستقل الأعداد السنوية لأن “العدد في اللمون” -كما قال- وهو كاتب، ويومئذ سيتسنى لنا أن نراه يأخذ نفسًا عميقًا ويصف؛ أن يمارس ما مارسه لسنوات باسترخاء وهدوء لعلهما أثر تقدمه في العمر والكتابة. سيجيب كثيرًا من القراء ويناقش كثيرًا من الأفكار العلمية والماورائية والفلسفية والأخلاقية. سيكتب أحيانًا على عجل وسيخطئ هدفه مرة كل بضع مرات، وسيتأثر سلبًا بكثرة الإنتاج وتعدد جهات الإبداع وطبيعة التسلسل وحجم الحكايات وتنامي نقد القارئ ورغباته وتناقص الأفكار والشخصيات والقصص والكلمات والآراء.

اقرأ أيضًا:

وصِفته

أحمد خالد توفيق صاحب روايات ما وراء الطبيعة ومنشئ رفعت إسماعيل
أحمد خالد توفيق صاحب روايات ما وراء الطبيعة ومنشئ شخصية رفعت إسماعيل.

رفعت إسماعيل موجه أساسًا للمراهقين، فسلسلة ما وراء الطبيعة مكتوبة ضمن أدب الشباب أو الـ YA المستهدف للفئة العمرية الواقعة بين السنة الثانية عشرة والعشرين أو نحو ذلك. بالتالي فلا جدوى من مجادلة كارهٍ لها بدأ قراءتها بعد المرحلة، لا لانتفاء حقه في إبداء الرأي ولا لأن ولاء المعجبين وحماستهم يبرران لهم استبدادهم وعجزهم عن تصور الخلاف بعض الوقت، بل لأن هدف السلسلة يحدد بالضبط مقوماتها ويستبعد من على طاولة الكاتب بعض مزاياه التي يتخلى عنها طوعًا، وعليه فلا سبيل للحكم ما لم تتصف بالشروط، كما في التجارب الموجهة لفئة معينة.

أذكر هذا في غير دفاع أو اعتذار، فإني لا أبالي برأي العاجز عن رؤية ما في أعداد سلاسل أحمد خالد توفيق الثلاثة من مقدرة، وما يظهره تنوعها الباهر -وتبلغ مائتي كتيب تقريبًا- من خطته الخفية (وربما غير الواعية) لتدريب جيل من الكتاب، فضلًا عن القراء طبعًا.

لكن إن كان هذا صحيحًا فلماذا يقرأ روايات رفعت إسماعيل من في عقدهم الرابع والخامس؟ الحنين إلى الماضي هو الجواب السهل، يأتي بعده أن بهذه الروايات محتوى إنسانيًّا يميزها عن غيرها من روايات الجيب وقراءات الطفولة عامة. يهمنا كثيرًا أن رفعت إسماعيل -الصادق المعيب الظريف المنفتح على نقائصه والصريح في تقديم الواقع- يشبهنا ويعرفنا على ذواتنا، لكن الأهم، وهو مغزى الفقرة واللتين سبقتاها، أنه مدخل لروح أحمد خالد توفيق؛ الرجل الذي لم يكد يخذلنا ولم يرسب في أحد امتحاناتنا التي تتسم غالبًا بالقسوة والتعالي. وبينما عبر علاء عبد العظيم عن الإيجابي المغامر الذي تمنى العراب كثيرا أن يكون، فإن رفعت عبر عن ذاته الحقيقية ومخاوفه وعُريه.

اقرأ أيضًا:

ومسلسله

من صور مسلسل ما وراء الطبيعة القادم
رفعت إسماعيل وماجي من صور مسلسل ما وراء الطبيعة المنتظر.

تعلم أنني أكتب هذا المقال لوصول الحديث عن رفعت والسلسلة وكاتبها وذكرياتها إلى الذروة مع قرب صدور مسلسل نتفليكس المقتبس عنها. ولسوف أستغل الموقع الذي تتيحه لي كتابة المقال فأخبرك بما أعرف أنه لا يهمك وهو أني على الأرجح لن أشاهد المسلسل. لم تسألني عن السبب لكني سأخبرك به أيضًا وبلا اقتصاد، ليس فقط لأني تعلمت السماجة من رفعت إسماعيل شخصيًّا ويسرني العثور على موضع ملائم لاستخدامها، بل أيضًا لأن لي في هذه الشخصية الخالدة مثل الذي لكل قارئ، وحقي التعبير عن رأيي في إعادة استعمالها.

رفعت إسماعيل -أتراني أكرر؟- كان نافذة على عالمَي أحمد خالد توفيق الداخلي والخارجي، وإذ ماتا فلم يعد التعبير عن رفعت -في السينما أو التلفزيون أو منصات المشاهدة الإلكترونية- امتدادًا لأيهما، بل هو ببساطة نظرة شخص أو أشخاص إليه. وهذه النظرة أتلقاها بشكل مبدئي بكل التشكك (لاسيما وعلاقتي مقطوعة تمامًا بالإنتاج الفني العربي من زمن)، ويزداد ذا حين أعلم أن المسلسل سيأخذ الشخصيات والأجواء دون الحكايات.

أفهم حق هذه النظرة في الوجود والإنتاج الضخم والدعاية وربما حتى الاحتكار العملي للتعبير عن الأصل، لكني أرفض الخلط بينها وذكرياتي الراسخة عن رفعت إسماعيل وما يتصل به. أنا معتاد على السخرية من العاطفيين لذا تراني أجهد لإيجاد صيغة منطقية للشعور ولا أكاد أفلح. إنما أنا عاجز عن التوفيق بين هذا الوجود الحقيقي المتعنت وبين حقيقة أنه لا ينتمي بالضرورة إلى العراب ولا يعبر عنه على سبيل القطع. ثم إني عالم أن بضعة مشاهد ستكون كافية لتحديد هذه الصور الهلامية السابحة في رأسي عن عالم ما وراء الطبيعة المتخيل، وإني لزاهد في هذا زهدي في الهلاك (لعل الأمر يتطلب شيئًا من التفصيل يبرر مقالًا آخر قريبًا عن تحويل الشخصية الأدبية إلى السينما وغيرها).

اقرأ أيضًا:

وبدلته الكحلية التي…

من صور مسلسل ما وراء الطبيعة المنتظر
رفعت إسماعيل من صور مسلسل ما وراء الطبيعة المنتظر.

لا أنكر بعد ذلك (وقد تساهلت مع نفسي وأعطيتها الحق في صب أفكارها بأقل قدر من التنقيح) رجحان احتمال أن يغلبني فضولي فألقي نظرة على حلقة أو حلقتين. وأنا على يقين من أنك لا تطيق صبرًا حتى ترى الموهوب خفيف الظل أحمد أمين يتظاهر تظاهرًا حيًّا بأنه رفعت إسماعيل، مرتديا البدلة الكحلية وبين شفتيه السيجارة السرمدية ذات البعد الأسطوري، في عينيه ملل العالمين وفي إيماءاته سخط كسخط الأجداد يخففه بالسخرية.

لعله لا جدوى من محاربة نضج رفعت إسماعيل كما يحارب الآباء نضج أبنائهم، لعل ما يلزمني أن أجد الرضا والفخر إذ أشاهده ينتقل من الكتاب إلى الشاشة في ثوان مهيبة مترعة بالشجن. لعل واجبي أن أفلت زمام عقلي فيشرع يتتبع رحلة أظرف شيوخ الأرض وأذكاهم من ظهوره الأول المتردد، مرورًا بثقته المتزايدة وكفاءته النامية، ثم تمام تصالحه مع نفسه وتعبيره عن جهة نظره إلى العالم، ثم ثباته الذي لم يعقبه تزعزع وانتقاله من عفوية وعصبية الشرة إلى أناة الفترة، حتى غضبه من قرب النهاية المحتومة الموصل إلى رحيله الدرامي الكبير. ربما علي أن أتأهب لاستبدال آخرين بالرفاق عزت وماجي وهويدا وعادل الموجودين في ذهني.

لا أعرف ولا أهتم بقدر ما يبديني هذا الكلام كله، لكني أعرف أنني راضٍ تمام الرضا أن تيسر لي التعبير عن عرفاني بالجميل بكتابة هذه الأسطر عن رفعت إسماعيل.

لك أيضًا:

0

شاركنا رأيك حول "رفعت إسماعيل بطل ما وراء الطبيعة: حديث عن أظرف شيوخ الأرض وأذكاهم"