الألوان والحالة النفسية
0

تُرى هل ينتابك القلق عندما تجلس في غرفة يغلب عليها اللون الأصفر؟ هل يجعلك اللون الأزرق تشعر بحالة من الهدوء والاسترخاء؟ ما رد فعلك تجاه اللون الأحمر؟ وما تأثير الأخضر عليك عندما تراه حولك؟ يزعم العديد من العلماء المختصين بالصحة النفسية أنّ للألوان تأثير واضح على الحالة النفسية والمشاعر.

اللون الأزرق وعبقرية آينشتاين  

عام 1955، تُوفي عالم الفيزياء ألبرت آينشتاين، وحزن العالم على فقدان ذلك العبقري الذي غيّر نظرتنا للكون. أزال الطبيب توماس هارفي- الذي شَرَّح الجثة- دماغ آينشتاين في غضون ساعات قليلة من موته. كان الفقيد واحدًا من ألمع نجوم الساحة العلمية في مطلع القرن العشرين، مما أثار فضول الأطباء وعلماء الأعصاب لمعرفة المزيد عن تركيب الدماغ العبقرية لهذا العالم الكبير.

الألوان والصحة النفسية

بذل العديد من العلماء جهودًا لتحديد كيف توصلت دماغه إلى نظرية النسبية الشهيرة، وحللوا صورًا لأجزاءٍ محددة من دماغه وتوالت الأبحاث. كان كل شخص يدرسها من زاوية ما، وتناولت إحدى الدراسات دور تصميم غرفة النوم والديكور الداخلي لغرفة آينشتاين، وتأثير الألوان على تفكيره.

كان لدى آينشتاين غرفة نوم مظلمة، يزعم البعض أنّ جدرانها بنية، بينما يؤكد البعض الآخر أنها زرقاء، وكان للون الأزرق تأثيرٌ واضح على أفكاره. حيث ظهر تأثير اللون على قشرة الفص الجبهي اليسرى الموجودة خلف الجبهة وعلى حُصين دماغه، مما أثر على أفكاره وذكرياته.

هذه القصة تدفعنا للتساؤل، ما مدى صحة تأثير الألوان على عالم عبقري مثل آينشتاين؟ هل للألوان قوى تكفي لتحديد درجة ذكاء الأشخاص؟ أم أنّ الأمر محض خرافة؟

يقول الرسام الإسباني بابلو بيكاسو:

“الألوان مثل الملامح، تتبع التغيرات في المشاعر”

لم يُبالغ بيكاسو في وصفه للألوان، فقد ثَبُتَ في كثير من الدراسات أنّها تؤثر بشكلٍ واضحٍ على المشاعر والسلوك والمزاج، حتى إنها تؤثر على ردود الفعل الفسيولوجية للإنسان. نجد أنّ هناك بعض الألوان التي ارتبطت بارتفاع ضغط الدم وإجهاد العين، حتى عملية التمثيل الغذائي.

علم نفس الألوان

عام 1966، لاحظ العالم الفيزيائي إسحاق نيوتن أنه عندما يمر الضوء الأبيض النقي عبر المنشور، فإنه ينفصل مكونًا الألوان المرئية، ولكل لون طول موجي محدد لا يمكن فصله إلى ألوان أخرى، لكن يمكن دمج هذه الألوان لتشكل ألوانًا أخرى. مثلًا، عند دمج الضوء الأصفر مع الأحمر، يتشكل البرتقالي. هناك بعض الألوان الأخرى التي تلغي بعضها البعض ويعود الضوء للونه الأبيض من جديد، مثل: الضوء الأخضر والأرجواني.

لُوحظ تأثير الألوان على الحالة المزاجية، وبدأت التجارب والأبحاث تتطور في هذا العلم، لمعرفة سيكولوجية اللون، وتأثيره على الصحة النفسية. يعتقد الخبراء أنّ تأثير اللون يرتبط بالثقافة أكثر. فمثلًا، اللون الأبيض يرتبط بالتسامح والنقاء في بعض الدول، بينما يرتبط بالحداد والحزن في العديد من الدول الأخرى.

الألوان

هناك بعض التأثيرات العالمية للألوان. فمثلًا:

  • الألوان التي تقع في نطاق المنطقة الحمراء مثل: الأحمر والبرتقالي والأصفر. هذه تعرف بالألوان الدافئة، وهي تعبر عن المشاعر وتتراوح ما بين مشاعر الدفء والراحة إلى الغضب والعداوة.
  • الألوان التي تقع في نطاق المنطقة الزرقاء، مثل: الأزرق والأرجواني والأخضر. تُعرف هذه بالألوان الباردة، وتتسم بالهدوء، وقد تعبر عن مشاعر الحزن أو اللامبالاة.

من أين أتت فكرة الألوان المفضلة؟

حسنًا، في الغالب يرتبط تفضيل الشخص بلونٍ محدد بما يُعرف بالتكافؤ البيئي. فمثلًا، قد يُفضل بعض الأشخاص اللون البرتقالي لأنه لون البرتقال- الثمرة المفضلة لديهم – وقد يكرهون ألوانٍ أخرى مثل؛ البني والأسود لأنهما يرتبطان بالتلوث أو الموت. وقد يميل البعض لتفضيل اللون الأزرق لأنه مرتبط بالمياه الصافية النظيفة. وعلى هذا المقياس، يختار الأشخاص ألوانهم المفضلة.

علم نفس الألوان في العلاج

الألوان

استخدمت العديد من الحضارات القديمة، مثل: المصرية والصينية، الألوان من أجل العلاج. وكان لكل لون دلالة ما. يُستخدم اللون اعتمادًا على هذه الدلالة لشفاء المريض، كالتالي:

  • اللون الأحمر: يستخدم في تنشيط الجسم والعقل وكذلك الدورة الدموية.
  • اللون الأصفر: في تحفيز الأعصاب وتنقية الدم.
  • اللون البرتقالي: شفاء الرئتين ورفع مستوى الطاقة.
  • اللون الأزرق: يخفف الألم ويعالجه، كما يُهدئ الأمراض.
  • اللون النيلي: يخفف من مشاكل الجلد.

أبحاث علم نفس الألوان الحديثة

في الحقيقة، ما زال العلماء غير مقتنعين بتأثيرات الألوان الحاسمة على العلاج أو الحالة المزاجية للأشخاص، ويعتقدون أنّ هذه التأثيرات المفترضة للألوان فيها مبالغة كبيرة، كما أنّ تغيّر معاني الألوان في الثقافات المختلفة يدعم اعتقادهم بشكلٍ كبيرٍ.

أشارت العديد من الأبحاث إلى أنّ تأثيرات الألوان مؤقتة، فمثلًا اللون الأزرق، معروف بأنه لون الهدوء والاسترخاء، بافتراض أنّ شخصًا ما جلس في غرفة مطلية باللون الأزرق، سيشعر الشخص بالهدوء في البداية، إلا أنّ هذا الشعور سيتبدد في خلال فترة قصيرة جدًا من الوقت.

أفادت العديد من الأبحاث أنّ اللون قد يؤثر على الناس، كالتالي:

  • وُجد أنّ حبوب العلاج الوهمي ذات الألوان الدافئة، أكثر فاعلية من نظيرتها ذات الألوان الباردة.
  • تُفيد الأدلة القصصية بأنّ الشوارع المضاءة بالمصابيح الزرقاء أقل عرضة للحوادث والجرائم.
  • الزي الأسود يوحي بالعقاب والصفات السلبية لمرتديه.

تأثير اللون على الأداء

أشارت العديد من الدراسات إلى أنّ هناك ألوانًا محددة تؤثر على الأداء. اللون الأحمر مثلًا، عُرف عنه أنه يثير التهديد في أغلب الأحيان، كما وُجد أنّ تأثيره سلبي على الطلاب عند تعرضهم للون الأحمر قبل الاختبار. في تجربة، تم إعطاء أرقام لـ 71 طالبًا بإحدى الألوان: أخضر وأسود وأحمر، كانت النتيجة أنّ الطلاب الذين حصلوا على رقم أحمر قبل الاختبار سجلوا نتائجًا أقل بنسبة تزيد عن 20% مقارنة بالآخرين الذين حصلوا على أرقام خضراء أو سوداء.

بعض السمات المرتبطة بالألوان

الألوان

  • اللون الأبيض: يوحي بالانتعاش والنظافة.
  • اللون الأسود: ملك الألوان بلا منازع، وتأثيره قوي للغاية، وهو الأكثر شيوعًا بين أنواع السيارات الفاخرة. يصفه البعض بالشؤم والغموض والإثارة، ولكنه يبقى الملك.
  • اللون الفضي: وهو ثالث أكثر الألوان شعبية، خاصةً في عالم السيارات، غالبًا ما يرتبط هذا اللون بالابتكار والمنتجات عالية التقنية والحداثة والتطور.
  • اللون الأحمر: يوحي بالقوة والثقة والنشاط، إضافة إلى أنه من الألوان الملفتة للانتباه.
  • اللون الأزرق: لون الهدوء والسكينة والاستقرار، ويعطي انطباعًا جيدًا عن مُفضليه.
  • اللون الأصفر: لون السعادة والسرور، ويعطي فكرة للناس عن سعادة مُفضلي اللون الأصفر.
  • اللون الرمادي: يوحي بالدقة وعدم الرغبة في التميز أو الظهور.

تأثير الألوان على المشتريات

يعتقد العديد من المتخصصين في علم النفس أنّ الالوان ترتبط بشكلٍ ما أو بآخر بالمشتريات التي يُقبل عليها المستهلك، فمثلًا، تخيل أنك ذاهب لشراء سيارة، تُرى هل ستختارها بناءً على لونك المفضل؟ في الغالب سيحدث ذلك، وهنا يبحث العلماء في ارتباط اللون المفضل لدى المستهلك بالسمات الشخصية له. هذا بدوره سيُساعد على فهم الآخرين.

الألوان والحالة النفسية

تتأثر خيارات الالوان ببعض العوامل الأخرى، مثل: العمر والجنس. فمثلًا، يميل الشباب وصغار السن إلى اختيار الألوان الأكثر إشراقًا وجاذبية، في حين أنّ نفس الأشخاص يميلون لاختيار الألوان التقليدية عند تقدمهم في العمر. وكثيرًا ما يتأثر المشتري بعامل السعر أو المناخ، فمثلًا شراء سيارة بيضاء اللون، لا يجب أن يوحي بأنّ المشتري شاب عصري، لكن يمكن أن يشير إلى أنه يعيش في منطقة من المناطق الحارة، التي يفضل أهلها السيارات الفاتحة. 

يقول دكتور أوكونور، من أعضاء هيئة التدريس بقسم العمارة والتصميم بجامعة سيدني: “تفتقر العديد من هذه الادعاءات إلى الإثبات التجريبي” ويضيف “غالبًا ما تشير مثل هذه الادعاءات إلى أبحاث قديمة دون الرجوع إلى نتائج الأبحاث الحالية”.

بالرغم من كل هذه المعلومات التي بين يدينا، إلا أنّ علم نفس الالوان ما زال لغزًا، وهناك أسئلة كثيرة بلا إجابة. منها، هل يمكننا استخدام الألوان للتأثير على زيادة الإنتاجية، أو ضمان السلامة العامة في أماكن العمل؟ هل يمكن للألوان أن تؤثر على سلوك الفرد؟ أم أنّ هناك أبعاد ثقافية وعوامل شخصية أخرى؟ هل الأمر كله محض ادعاءات غير صحيحة حقًا؟ ربما!

0

شاركنا رأيك حول "قل لي لونك المفضل أخبرك من أنت..هل هناك علاقة بين الألوان والسمات الشخصية حقًا؟"