حقوق المرأة
1

تحلم الفتيات بتلك اللحظة منذ بداية مراهقتهن، لحظة الزواج التي تعتقد فيها المرأة أنها ستحقق حلمها بالحب، لتعيش مع من تحبه عشقهما الأبدي.

تكتشف بعدها واقعاً لا يحميها، وقوانين تسمح للرجل أن يتخلى عنها، ويتعامل معها وكأنها سلعة قابلة للبيع والشراء، وتكتشف أن ثمة قوانين تعطي للرجل الحق بالزواج المتعدد، على اعتبار أن ذلك حق إلهي طبيعي له، ويظهر هذا جلياً في البلاد العربية، إذ تعتبر قوانين الزواج في الدول العربية مجحفة بحق المرأة. ورغم المحاولات الخجولة لتغيير هذا الواقع إلا أن ذلك لم يتحقق في غالبية الدول، وبقيت المرأة سجينة قوانين لا تستطيع نقاشها، وعليها أن تتعايش معها على أنها أمرٌ واقع.

لمحة عن تاريخ الزواج

يعتبر الزواج نظاماً اجتماعياً مرَّ بأطوار مختلفة، وتغيرت طقوسه وقوانينه عبر التاريخ وفقاً للمجتمع وعاداته وتقاليده، وما زالت هذه القوانين حتى يومنا هذا عرضة للتبدل والتغير، وقد مر الزواج في بدايته بمراحل كانت فيها المرأة مجرد سلعة يتم الاستيلاء عليها.

ويذهب الدكتور مصطفى الخشاب في كتابه (دراسات في الاجتماع العائلي) إلى أن الزواج مر بخمس مراحل أساسية، أولها مرحة الاستيلاء على المرأة بالقوة، وكان يرتبط هذا بقوة الرجل البدنية، وقد عرف هذا النوع من الزواج الساميون والهنود والأوروبيون، إذ تثبت تشريعات مانو سماحية خطف المرأة رغماً عنها وسبيها، معتبرين أن هذه الطريقة مشروعة للزواج وكانت تسمى بطريقة الجبابرة.

الجدير بالذكر هنا، أنه ما زال لهذه الطريقة بالزواج آثار في العادات والتقاليد حتى يومنا هذا، كاستخدام الأسلحة النارية في الأعراس، أو البكاء الشديد للعروس أثناء خروجها من منزل أهلها، إذ أن لهذا دلالة على ترسب بقايا الاستيلاء على المرأة بالقوة في الكثير من العادات الاجتماعية.

من ناحية أخرى ظهر الزواج في مراحل لاحقة بوصفه تبادلاً، وكان وسيلة لحل النزاعات بين العائلات، وما تزال بقايا هذا النوع من الزواج موجودة في بعض المجتمعات حتى يومنا هذا، أما ثالث أنواع الزواج عبر التاريخ كان في شراء الزوجات، فقد كان الرجال يشترون زوجاتهم مقابل تقديم خدمات لأهل الزوجة، أو عن طريق مبادلات اقتصادية كالأغنام والثمار والحبوب، ولا تكون المرأة في هذه الحالة مستعبدة، بل تكون حرة، وربما يعد هذا البدايات الأولى لظهور نظام المهور المعروف حالياً.

مع الإسلام انتشرت ظاهرة التسري، والتي تعني أن الرجل يتزوج بامرأة واحدة، ويحصل على عدد لا يحصى من الجواري اللواتي، يبقين تحت صفة الخادمة. أما آخر صورة من صور الزواج، فهي التعاقد والذي يتلخص بعقد يُبرم بين الرجل والمرأة ويتضمن قبول جملة الالتزامات والمسؤوليات بين الطرفين، وقد يكون التعاقد تحت إشراف السلطة الدينية أو تحت إشراف السلطة المدنية.

ورغم التعاقد، ظلت قوانين الزواج مجحفة بحق المرأة، خاصة في الدول التي تعتمد السلطة الدينية في الزواج، وتبيح تعدد الزوجات، وتتغاضى عن حقيقة الأسباب الموجبة لذلك وفقاً للنص الديني، ولذلك كان تعديل قوانين الزواج أمراً غاية في الأهمية لدى الكثير من المجتمعات، وحلماً طالما رغبت المرأة في تحقيق مساواة بالحقوق مع الرجل، وربما تكون تونس هي الدولة العربية الوحيدة التي فتحت الباب لحلم الفتيات العربيات بتحقيق حريتهن وإحقاق حقوقهن.

اقرأ أيضًا: كيف تطورت مؤسسة الزواج عبر التاريخ البشري؟ 👩‍❤️‍👩 .. أمثلة من ثقافات متعددة

نقلة نوعية… تونس والمرأة

تونس هي الدولة العربية الأولى التي استطاعت أن تبرم قوانين منصفة للمرأة، فمنذ العام 1956 استطاعت المرأة أن تعزز وضعها الاجتماعي في العديد من المجالات الحياتية.

وتعدُ تونس الدولة التي استطاعت أن تحققَ قفزةً نوعيةً هامة في قانون الزواج، إذ يَعتَبرُ القانون التونسي الزواج الثاني جريمةً يعاقب عليها القانون، فكل من يتزوج وهو في حالة الزوجية، وقبل فك عصمة الزواج السابق يعاقب بالسجن لمدة عام، إضافة إلى غرامة مالية.

من ناحية أخرى يؤكد القانون أنه إذا اكتشفت زوجة ما أن زوجها يعاشر امرأة أخرى، فبإمكانها رفع الأمر إلى السلطة الأمنية لأن ذلك يمثل جريمة في القانون التونسي يقع تتبعها جزائياً، مع إبطال الزواج الثاني مدنياً.

الجدير بالذكر أن من أهم القوانين التي استطاعت المرأة التونسية الحصول عليها، هو قانون زواج المرأة التونسية المسلمة من غير المسلم، ومن الممكن عد هذا القانون واحداً من أهم القوانين التي أعطت المرأة حقوقها الإنسانية بالدرجة الأولى واحترمت كرامتها، ورغم الظروف التي أحاطت صدور هذا القانون، وتمثلت في اعتبار الكثيرين أنه مرافق لتغطية الفساد في تونس، ومعاقبة الفاسدين، إلا أننا لا نستطيع إغفال أهميته ومدى تأثيره في بنية المجتمع التونسي ككل، وفي تحقيق حلم لدى معظم النساء العربيات بإمكانية تعديل القوانين للأفضل.

يضاف إلى كل ما سبق توسيع حقوق المرأة في دستور عام 2014، والذي أقر المساواة بين الجنسين دون تمييز، ويعتبر هذا الأمر قفزة نوعية حقيقية تخطت فيها تونس كل الدول العربية الأخرى، إذ ما زالت الكثير من الدول العربية حتى يومنا هذا تعاني، من القوانين المسيئة للمرأة في الزواج، وتتعامل معها بوصفها سلعة قابلة للبيع.

هنا يمكننا التساؤل: هل ستستطيع الدول العربية يوماً ما مضاهاة ما قدمته تونس للمرأة؟ هل يمكننا الحديث فعلاً عن إمكانية لتخطي الواقع الذي يتعامل مع حقوق المرأة على أنها منح وعطايا تقدمها المؤسسات الحكومية في دولنا العربية للمرأة؟

حقوق المرأة

الدول العربية… تخبط وخطوات خجولة في تحرر المرأة

تبقى قضايا المرأة، من القضايا التي تحظى باهتمام كبير من قبل الجهات الرسمية وغير الرسمية في الوطن العربي، ورغم هذا الاهتمام إلا أن النتائج تكاد لا تُلمس، وتبقى كافة المحاولات خجولة وغير مدروسة، ولا تنطلق من خطط واضحة واستراتيجيات حقيقية في منح المرأة حقوقها فعلاً، بل تبقى شؤون المرأة قيد النقاش ضمن المؤسسات والأحزاب والجمعيات.

وتعتبر الجزائر والمغرب العربي من الدول التي تحاول جاهدة إقرار قوانين تعطي المرأة حقوقها، بدءاً من مكافحة العنف ضدها إلى منحها استقلالها المادي، في حين حاولت مصر في السنوات الأخيرة منح المرأة فرصاً إضافية في التمثيل النيابي وفي استلام مناصب في الدولة، أما قيادة المرأة للسيارة فاعتُبرت حدثاً هاماً جداً في المجتمع السعودي، ويأتي ذلك في إطار الإصلاحات التي أقرتها الحكومة السعودية في السنوات الأخيرة، ورغم ذلك تبقى المرأة تحت وصاية الرجل، مما يجعلها مقيدة وغير حرة في اتخاذ القرار حول أبسط التفاصيل الحياتية.

كل ما سبق يدفعنا للتساؤل: متى سيتم التعامل مع المرأة بوصفها كياناً مستقلاً مسؤولاً؟ وإلى أي درجة سيكون الحديث ممكناً عن واقعية ممارسة المرأة لحريتها بعيداً عن تساؤلات الأسرة والزوج والمجتمع؟

اقرأ أيضًا: المرأة في الحضارات القديمة.. هل كان الفراعنة من القلة الذين أعطَوا المرأة حقوقها؟

1

شاركنا رأيك حول "تجربة تونس في حقوق المرأة ومنع الزواج الثاني… هل يمكن أن تضاهيها الدول العربية الأخرى؟"