التوظيف مدى الحياة
0

لطالما أثبتت اليابان جدارتها في عالم التصنيع، المنتجات اليابانية حسنة السمعة وذات الصيت الجيد لم تنشأ من العدم، فهناك ثقافة تشكل القاعدة ونقطة الانطلاق. لم تنسَ هذه الثقافة الاعتماد على المورد البشري، والذي يشكل قوة المنافسة الحقيقية في عالم الأعمال.

تبنت اليابان العديد من النظريات والدراسات في تعاطيها مع مواردها البشرية، ولكن الثقافة التي لطالما كانت محط اهتمام ودراسة هي ثقافة التوظيف مدى الحياة، دعونا في هذا المقال نطلع سويًّا على هذه الثقافة وما أحدثته من تأثير في المورد البشري الياباني وما كان لها من أثرٍ إيجابي وسلبي.

اقرأ أيضًا: هل ستغني المهارات عن الشهادة الجامعية في سوق العمل؟

هل يعني التوظيف مدى الحياة ما يوحيه المصطلح حقًّا؟

التوظيف مدى الحياة يعد من السمات الرئيسية والمميزة لنظام العمل الياباني، وتقوم فكرة العمل مدى الحياة على قيام الشركات بتوظيف القوى العاملة الجديدة ويستمر توظيف هذه القوى حتى التقاعد. تقييم العمالة الجديدة وتوظيفها يعتمد على الإمكانيات والمهارات الشخصية، فلا داعي للخبرات السابقة أو سجلات التدريب الطويلة ليتم توظيفك. ثقافة التوظيف اليابانية تؤمن بأن المورد البشري هو أهم الموارد الداخلة في العملية الاقتصادية، وتقوم الشركة بدورها بتدريب العمالة وتعزيزها بالمهارات اللازمة لتتمكن من شغل المنصب وتحقيق الكفاءة المطلوبة.

التزام أخلاقي: التوظيف مدى الحياة ليس عقدًا مكتوبًا

علاقة التوظيف هذه وعلى الرغم من عدم توثيقها ضمن عقد يضمن استمرارها مدى الحياة، إلا أن أطرافها يدركون التزامات كل منهما تجاه الآخر، بحيث يلتزم العامل بالتفاني بالعمل والإخلاص تجاه الشركة الموظِّفة له، كما يلتزم باستمراره مع الشركة وعدم تركه لها في حال توفر فرصة أفضل له. وبالمقابل تلتزم الشركة بالحفاظ على هذا العامل وعدم التخلي عنه حتى في الظروف الاقتصادية الصعبة والأزمات المالية التي قد تعصف بالاقتصاد، والعمل على تدريبه وتعزيز مهاراته وتحسين وضعه الوظيفي ضمن شركته.

وفقًا لهذا النظام تقوم الشركة بتدريب العمال وترقيتهم لشغل المناصب الوظيفية الأعلى، وتستغني بذلك عن حاجتها إلى توظيف أخصائيين ومديرين من خارج الشركة. حقق هذا النظام نجاحًا في فترة التسعينات خلال النمو الاقتصادي بعد الحرب من خلال قوى عاملة شابة نشيطة وطامحة.

إن التقاليد والثقافة اليابانية المبنية على الولاء والعمل الجماعي كانت قد ساهمت بترسيخ نظام التوظيف مدى الحياة، حيث أن الموظفين الذين تم تعيينهم بمجرد تخرجهم، كانوا يشعرون بالتردد من فكرة مغادرة الشركة التي يعملون ويخلصون لها بسبب هذا الولاء، وبالمقابل الشركات كانت تتردد في إقالة الموظفين خصوصًا الذكور منهم، وذلك بسبب مسؤولية الذكور عن الأسرة وفقًا للثقافة اليابانية، وقد عبر بعض مديري الشركات -والذين هم مخرجو هذا النظام وكانوا عبارة عن عاملين تم توظيفهم في الشركة- أن تسريح الموظفين هو خطأ شنيع.

اقرأ أيضًا: أفضل قنوات اليوتيوب لتعلّم اللغة اليابانية

كيف ينعكس التوظيف مدى الحياة على الطرفين؟

للتوظيف مدى الحياة مزايا ومنافع تعود على كل من الشركة والعاملين فيها، والمنفعة المتبادلة لهذه الثقافة هي أساس قبوله وهي المفتاح للثقة المتبادلة بين الطرفين.

مزايا التوظيف مدى الحياة للشركة

  • يتحسن سلوك العامل وتتطور إنتاجيته: إضافة إلى أثرها في تخفيض تكاليف التدريب والتوظيف، فالتوظيف مدى الحياة ينمي لدى العامل شعور الولاء والانتماء للشركة وذلك بسبب شعوره بالأمان إضافة إلى توفير كل ما يحتاجه من قبل الشركة.
  • على الرغم من عدم توفر الأجور العالية إلا أن الوظيفة مدعمة بالعديد من الميزات: مثل تأمين السكن أو توفير بدل له إضافة إلى التأمين وما يحصل عليه الموظف من تطوير وتدريب.
  • تتبنى الشركات اليابانية الثقافة الأبوية: بحيث يشعر العامل أنه فرد من عائلة تحتضنه، وما ينتج عن ذلك من نماء للروح المعنوية.
  • يتلقى كل عامل تدريبًا شاملًا: يمكنه من التعامل مع مختلف الوظائف داخل الشركة.
  • انخفاض معدل دوران العمل سيعود إيجابًا على الشركة: متمثلًا في تكاليف أقل واستقرار الإنتاج وبالتالي المزيد من الجودة والأرباح.

مزايا التوظيف مدى الحياة للعامل

  • لربما أهم تلك المزايا بالنسبة للعامل هي الثبات والاستقرار والأمان الوظيفي: فمن الجميل أن تظل في وظيفة تقدم لها وتقدم لك.
  • الوظيفة مدى الحياة قدمت للعامل نظرة مستقبلية آمنة: حيث يدرك العامل قدرته على إعالة عائلته.
  • العمل في نفس الشركة يتيح للعامل الترقية المهنية والوظيفية الناتجة عن الخبرة والمهارة المكتسبة واحتراف العمل الذي اعتدت على أدائه لسنين متواصلة.

التوظيف مدى الحياة

الأمان الوظيفي لا يتحقق دائمًا

التوظيف مدى الحياة ليس آمنًا دائمًا، قد يتم تخفيض ساعات عملك وفي بعض الأحيان تكون المزايا الملحقة بالوظيفة قليلة أو غير موجودة أساسًا، قد تجد راتبك عاديًا في حين تدفع رواتب عالية لخبراء يتم الاستعانة بهم من خارج الشركة، حيث إن هؤلاء لا يتقاضون معاشات تقاعدية أو تعويض انتهاء الخدمة، مما يعتبر جذابًا لأصحاب الأعمال الراغبين بعدم دفع هذه التكاليف.

لا يستحق كل العاملين التوظيف مدى الحياة

على الرغم من الأثر الإيجابي للتوظيف مدى الحياة، حيث إن الشركة تحصل على خبراء قامت هي بتدريبهم وتنميتهم ومنحهم الفرصة للتطور واكتساب الخبرة، إلا أن بعض الموظفين ومع ضمانهم لعدم خسارة وظيفتهم لا يجدون نفسهم بحاجة إلى العمل وبذل الجهد ومواكبة التطور والمعرفة من أجل إثبات الجدارة والمنافسة.

القليل من التجارب والاكتشاف

العمالة المؤقتة والتي تعمل على أساس العقود، تتاح لها فرصة اكتساب خبرات جديدة من كل مكان عملت به، واكتشاف أدوات وتقنيات جديدة لم تكن تعرفها من قبل، إضافة إلى بناء شبكات اجتماعية والتعرف على المزيد من الأشخاص والاحتكاك بالعديد من الخبراء والمحترفين فتكتسب منهم.

اقرأ أيضًا: هل ستغني المهارات عن الشهادة الجامعية في سوق العمل؟

0

شاركنا رأيك حول "في اليابان: حتى العامل مدى الحياة وليست منتجاتها فقط!"