مراجعة رواية "قانون الطفل" لـ"إيان مكيوان".
0

لعلك سمعت اسم “Ian McEwan – إيان مكيوان” من قبل. يكتبه بعض المترجمين “ماك إيوان” لكن بحث هذا ليس موضوعنا، ما يهمنا أن الرجل بارع وقد دلَّ على هذا بلوغه قائمة مان بوكر القصيرة بضع مرات، ثم فوزه بالجائزة عن رواية أمستردام في 1998. لن نتحدث عن أمستردام اليوم -ربما في مرة أخرى- بل سنتحدث عن رواية “قانون الطفل”.

هي الرواية التي رشحها موقع Goodreads لأفضل كتاب في سنة 2014 حيث صدرت أول مرة، ثم نقلتها دار روايات للعربية سنة 2019 بترجمة إيمان حرز الله. قانون الطفل رواية عن الخيارات العسيرة في المهنة والحياة على السواء، عن الأطفال والدين والقانون وعالمنا المعقد. عن الحب والخيانة والشك والتقدم في العمر وخيارات من تزوجوا طويلًا.

الأسلوب والاستهلال

رواية قانون الطفل - إيان مكيوان - الدولة الإله - الخيارات العسيرة
غلاف آخر لرواية “قانون الطفل” للكاتب “إيان مكيوان”.

منذ مبدأ رواية قانون الطفل نرى طريقة الوصف المميزة التي تنقلك بلا تكلف إلى جو المشهد وتمنحك حفنة من الانطباعات عن الكاتب والشخصية ومكان الحدث. في الصفحتين الأوليين تكديس مثير للكآبة لسطور غرضها وضعك في الحياة الصعبة التي تضطر صاحبتها إلى التعرض لمشاكل الناس.

ففضلًا عن رؤيتهم في أسوأ أحوالهم (لا أحد يذهب للمحكمة مسرورًا)، هي مطالبة بتحليل مشاكلهم واستيعابها على تنوعها. وإذا كان المعالج النفسي يتوقف عند هذه النقطة فقاضية المحكمة العليا مُلزَمة بالوصول إلى حل لكل معضلة والفصل بين المتخاصمين.

تبدأ الأفلام والروايات كثيرًا بشيء من الحركة: حدث يمثل الأرضية التي ستتلقى عليها الشخصية الرئيسية سلاسل أحداث العمل، هذا هنا انفصال البطلة عن زوجها وهجره إياها من أجل امرأة أصغر، بل أسوأ: الإبقاء على الزيجة مع السماح له بخوض علاقة خارجها لأنه “بحاجة إلى شغف واحد كبير قبل موته”.

لكن بدلًا من استهلال قانون الطفل بالشجار فإن إيان مكيوان يتلوه علينا من منظور البطلة المستلقية تحتسي الشراب وتتذكر، مستعيدة الأحداث من الموضع الذي يضمن لنا نظرة أحسن ونوعًا من السخط على عدم كفاءتنا في الشجار.

في سياق موازٍ نرى قصة الزوجين اليهوديين وخلافهما على تربية ابنتيهما، ثم سلسلة من القضايا القانونية الخالية من التشويق السينمائي والمشبعة بالثقل الإنساني، ثم ما هو أهم: سلطة الدولة الحديثة على مجريات الحياة؛ الدولة الإله التي صنعت لنفسها قانونًا يُخضع ولا يَخضع لمصدر أعلى. تعبر القاضية قائلة:

“الفتاتان اليهوديتان، راشيل ونورا، عليهما التحليق خلفها كملكين مسيحيين والانتظار. ربهما العلماني لديه مشاكل شخصية”.

الأسلوب مليء بالتشتيت والعبارات الخارجة عن السياق والتي لا تزيده -للعجب- إلا تماسكًا وشدًّا لانتباه القارئ. يستحق الإشادة أيضًا دمجُ الكاتب المميزُ للحياتين الشخصية والعملية في فصل أول هو تحفة فنية فيما أرى، ثم فيما عقب ذلك.

لعل كثيرًا من قضايا الرواية يقع خارج المنطقة التي أنا عالم بها قادر على استخلاص أحكام أخلاقية فيها، وهذا الجهل -مع كونه قد يكون مزعجًا في أحيان- حاملٌ على الاستمتاع بالحكي والتنويع النظري للموضوعات وتضعيف الخيال والصور الإنسانية نفسها دون انشغال هوسيٍّ بقرنها بالأحكام (مشاهدة House مثالًا).

اقرأ أيضًا:

محكمة البناء

غلاف رواية "قانون الطفل" للكاتب "إيان مكيوان". الدولة الإله - الخيارات العسيرة
رواية “قانون الطفل” تدور حول حماية الأطفال والدولة الإله والخيارات العسيرة.

من خلال عرض حياة بطلة القصة، يرينا إيان مكيوان كيف تعيد مآسي الحاضر فتحَ توابيت الماضي واستخراج ما في بطونها، كيف أن انفصالها عن زوجها اليوم استدعى كل الخسارات القديمة، بخاصة مسألة عدم الإنجاب والعقدة الناتجة عنها. ربما يجدر بنا التحدث عن النقطة الأساسية التي يعبر عنها عنوان “قانون الطفل”، ولعلنا سنفعل، لكن هذا ما كان ليحوز وجودًا ذا قيمة لولا توافر وعاء بقوة هذه الشخصية محكمة البناء.

يناوب مكيوان بين وصف الماضي والحاضر، بين عرض اللحظة من داخلها وخارجها، وبين المشهد المحيط ومحتويات النفس وما يدور في الرأس، وهو إذ ينجح في هذا يسبغ على بطلته قوة تؤهلها لحمل ما يحمِّلها مهما يكن، مذكرًا إيانا بخطأ يرتكبه الكتاب حين يُغفلون بناء الشخصيات لانشغالهم بتطوير الأحداث والقضايا، ناسين أن الأساس الواهي يفضي إلى تهدم ما يعلوه وإن عظُم.

إن الغرض من الكتابة صنع شخصيات وامتحانها بالمواقف، وما لم تكن هذه الشخصيات معقدة التكوين بما يكفي لتشابه الناس في الواقع، ثم مثيرة للاهتمام لتخالفهم في كونهم مملين عادة، فإن تمريرها عبر المواقف لا يسفر عن فائدة، والنتيجة الحتمية لهذا خلو الأدب من المعنى والتأثير، وهو ما يحدث كثيرًا فلا يدري المرء مورده.

الكاتب الفائز بالبوكر "إيان مكيوان" صاحب رواية "قانون الطفل".
الكاتب الفائز بالبوكر “إيان مكيوان” صاحب رواية “قانون الطفل”.

عندما نقرأ الروايات الحديثة ننشغل بالمشاكل البدائية كأخطاء النحو والإملاء والصياغة والموازنة بين السرد والحوار إلى آخره، ولا يتيسر لنا تسجيل هذه الاعتراضات المهمة، والتنبيه إلى أن حُسن نحت الشخصيات هو اللبنة الأولى في تشييد الرواية وعليه يتوقف التمكن من الاستمتاع، ثم التواصل مع العالم الخيالي الذي لا يمكن أن يثقله غير شخصية بهذا الإتقان.

قبل بضعة أشهر قرأت “إيلات” لـ “ماجد شيحة”، وكنت أراه يسوِّد الصفحات الدسمة بكلام عن الشخصيات وعلى ألسنتها، لا مآسيهم ومواضيهم وأذواقهم التي يحسبها المبتدؤون كافية لتمييز شخوصهم، بل أدق تفاصيلهم وأوضح انطباقات فلسفاتهم على الوقائع. كان ساحرًا ببساطة، مشبِعًا على نحو استثنائي. أذكر كم كان هذا يثير انزعاجي حين كنت قارئًا مبتدئًا، لأني لم أفهمه ببساطة، وكان الموازي أن رحت أنا نفسي أنشئ شخصيات سطحية أغذيها بالذاتية. يتغير هذا -حسب المأمول- مع الوقت فتدرك أن الشخصية تحمل النص وتدشن أحداثه وتصنع تغيراته، لا العكس.

بالعودة إلى حيث بدأت، أقول إننا نرى في “قانون الطفل” أثر قرارات الماضي على حاضر البطلة، الموازنة المعتادة بين العمل والأسرة والتي تكون أعسر على المرأة طبعًا، كيف تتغير الظروف فتدفعنا إلى إعادة النظر، كيف يتخذ المرء قرارًا ينتوي (على نحو نظري إجمالي) تحمل تبعاته غيرَ عالِم كيف يكون انطباع ذاته الجديدة المحاطة بظروف جديدة والتي هي دومًا في طريقها للتكون. يزداد الأمر صعوبة حين تعرف أن هذه القرارات موقوتة، كحال الإنجاب، خاصة -من جديد- للمرأة.

حماية الأطفال

بوستر الفيلم المقتبس عن الرواية.
بوستر الفيلم المقتبس عن رواية “قانون الطفل”.

حماية الأطفال هدف ملائم لعالمٍ شيمةُ آله البحثُ عن هدف. يمثل الصغار البراءة والغباء والماضي والافتقار التام، وهم بذلك أخصب تربة لتلقي الرعاية. من المنظور العام لا حدود، مجرد تعاطف مبدئي مجرد، لكن في السياق القانوني تجد الطفل معرفًا محدد السن.

القانون العلماني متغطرس، يسمي آراءه مسلمات ويستمد سلطته من قوته ويحتكر المنطق. وفيما يبدو أن ثمة نظامًا محكمًا صارم الدقائق، وفيما لا يكف الاتجاه عن انتقاد تذبذب التدين وتشتته بين آراء تدَّعي كلها تمثيله، فإنه هو نفسه عشوائي. وفي الرواية كما في الواقع، يُسند الحكم لامرأة واحدة تجلس على مقعد فوق مقاعد الجميع، لاستحقاق ما؛ استحقاق بالغ القوة إلى حد عدم الحاجة إلى تبريره، وتضع حكمًا خاضعًا للأمزجة وتقلب الآراء والمؤثرات والظروف الشخصية، حكمًا ملزمًا أعلى من الدين وحرية الفرد.

لهذا الكرسي اقتباسات أقل بلاغة مما في الكتب المقدسة، معرضة للتأويل أيضًا، وخاضعة كليًّا للسلطة غير المنقوصة لمقعد القاضية. لا أفترض قصد قانون الطفل للنقد، لكني متأكد من أن العرض الإنساني للقاضية ليس لجاذبية قصة اعتيادية عن فشل زيجة طويلة العمر، بل -عندي- لإظهار هذا الوجود البشري، العادي تمامًا، الممثل للدولة الحديثة والمغرور بما يكفي ليواصل ارتكاب الفظائع استنادًا لحفنة مفاهيم يحسب أن تسميتها بالمنطق والإنسانية تقويها، وأن اجتماع نخبة عليها يرسخ صوابيتها. إيان مكيوان يضع في الرواية وجهًا للحضور المعنوي لكلمة القانون.

قانون الطفل والوجه القبيح

تحكي لنا رواية قانون الطفل (على هامش القضية الأهم التي لم أتعرض لها) قصة أم أدانتها المحكمة بلا دليل بقتل طفليها “لأن احتمال موتهما بسبب طبيعي مستبعد”، ثم تتضح براءتها بعدما سُجنت وأدمنت الخمر وماتت.

هذه المأساة المصغرة، المعروضة بوصفها نقطة اعتيادية لتدعيم انطباع غرابة حياة القاضية وعالمها، تعطينا -فوق البيعة- نظرة سريعة على النظام القضائي، وضغط الإعلام، وتلهف الشرطة على الإدانة بلا حق، وبالطبع الوجه القبيح للتقدم الذي طور النظام القضائي والعقابي، لكن لا يبدو أنه أصلح في الإنسان ما يُذكر.

لك أيضًا:

0

شاركنا رأيك حول "قانون الطفل رواية عن حماية الأطفال وقوانين الدولة الإله"