سقارة
0

كم هي مذهلة حضارة المصريين القدماء. لطالما حيرت العالم أجمع بسبب الغموض الذي يحوم حولها، حتى أنّ هناك الكثير من الجامعات خصصت مناهجًا دراسية للتعمق في هذه الحضارة العريقة، ودراستها جيدًا، وكشف الستار عن ألغازها التي لم تنته حتى يومنا هذا. لقد ترك أهل هذه الحضارة إرثًا كبيرًا، يبحث عنه الجميع، وكلما ظهر جزء جديد منه، تنتشر الأخبار في شتى أرجاء المعمورة، فالجميع في حالة ترقب، ينتظرون المزيد من المعلومات والمفاجآت التي يُذهلنا بها أهل الحضارة المصرية القديمة.

“بالرغم من مرور آلاف السنين، إلا أنّ آثار فراعنة مصر تظهر من حين إلى آخر، وكأنها تخبرنا بإصرارها على الخلود، أو أنها تُذكر أبناءها بمجدها السابق داعية إياهم لاسترداده”

سقارة.. من مقبرة إلى تراث عالمي

سقارة

إنّ منطقة سقارة جزء من مقبرة مدينة ممفيس -وهي مدينة مصرية قديمة- تقع على بعد 24 كيلومتر جنوب غرب القاهرة، وفي عام 1979، صُنفت الآثار القديمة لممفيس بما فيها آثار سقارة وأهرامات الجيزة ودهشور وأبو صير كموقع للتراث العالمي لليونسكو.

تشهد منطقة سقارة على البراعة المعمارية للمصريين القدماء، منذ العصور المبكرة. تقع مقبرة الأسرة الحاكمة المبكرة في أقصى الطرف الشمالي من المنطقة، وهي أقدم الآثار هناك، وعُثر فيها على مجموعة من المقابر الكبيرة، مبنية من الطوب اللبن أو المصاطب، ويعود تصميم المقابر من المصاطب إلى بداية التاريخ المصري، في العصور المبكرة للغاية، فقد مرّت المقابر المصرية بالعديد من التطورات خلال فترة الحضارة المصرية القديمة.

من عادات المصريين القدماء ترك أغراض مثل أواني وحُلي في مقابر الموتى، لاعتقادهم بالبعث بعد الموت، وربما يحتاج الموتى لهذه الأغراض. وقد عُثر بالفعل على أواني تحمل أسماء ملوك الأسرة الأولى (2925-2775) قبل الميلاد. ولكنها كانت لكبار المسؤولين في تلك الفترة.

في جنوب مقابر الأسرة الحاكمة، نجد هرم زوسر المدرج، وهو ثاني ملوك الأسرة الثالثة (2650-2575) قبل الميلاد. وهذا الهرم من تصميم المهندس المعماري الشهير إمحوتب، الذي صمم شكلًا جديدًا لمقبرة الملك، الذي يتخذ شكل هرم، مُكون من 6 مصاطب مُدرجة. وكان الهرم مُحاطًا بعدد من القاعات والمحاكم. واهتم العديد من الملوك ببناء مقابرهم في هذه المنطقة، حتى أصبحت غنية بالآثار والمومياوات.

اقرأ أيضًا: كيف نظر الفراعنة للكون من حيث نشأته وبداية الخلق؟ .. نظريات فرعونية مُثيرة!

اكتشافات في سقارة يعود تاريخها إلى 2500 عام

سقارة

كانت منطقة سقارة محط أعين للكثير من ملوك مصر القديمة، حتى إنّ معظمهم اهتم ببناء مقبرة خاصة به هناك. لذلك، ليس من الغريب العثور على عدد كبير من توابيت المومياوات، وهذا ما حدث عندما أُعلن عن أكبر اكتشاف أثري في عام 2020 في مقبرة سقارة، فقد عثر علماء الآثار على أكثر من 100 تابوت خشبي، وأغلب هذه التوابيت فيها جثث المومياوات، التي يصل عمرها لأكثر من 2500 عام. كما وجدوا حوالي 40 تمثالًا جنائزيًا وأواني كانوبية وأقنعة جنائزية والتمائم الذهبية.

في هذا الصدد، صرح وزير السياحة والآثار المصري خالد العناني، قائلًا: “إن التوابيت الخشبية، في حالة ممتازة للحفاظ عليها”. ويأمل الجميع الكشف عن المزيد من الأسرار في الأيام القادمة. بالرغم من مرور أكثر من 2500 عام على هذه التوابيت، إلا أنها في حالة جيدة للغاية، وهذا يشير إلى دقة الصنع وجودة المواد المستخدمة فيها، مما يعزز فكرة أنها تعود إلى مواطنين أثرياء في تلك الفترة، وهي لم تُفتح قط منذ دفنها. كما أوضح تصوير الأشعة السينية على إحدى المومياوات.

قال زاهي حواس، عالم المصريات: “إنّ هذا الاكتشاف مهم للغاية، فهو يثبت أنّ سقارة هي المدفن الرئيسي للأسرة السادسة والعشرين”. وقد حكمت هذه الأسرة في الفترة ما بين 600 إلى 525 قبل الميلاد. وأضاف حواس أنّ ذلك سيساعد في إثراء المعرفة والمعلومات المتاحة حول عمليات التحنيط في تلك الفترة. وقد بدأت سلسلة الاكتشافات هذه منذ شهر سبتمبر 2020 واستمرت. وفي كل مرة يظهر اكتشاف جديد مذهل، يدفع العلماء والباحثين إلى التنقيب والبحث أكثر في هذه المنطقة الغنية بالآثار. من المقرر أنّ هذه القطع الأثرية ستُعرض للجمهور في عدد من المناطق المصرية، وفي المتحف المصري الكبير بالطبع.

اقرأ أيضًا: حجر رشيد ..مفتاح حجرة أسرار مصر القديمة

تعليق شخصي

لم ينشأ علم المصريات عبثًا، فما قدمته حضارة يزيد عمرها عن آلاف السنين، لا يصح إلا أن يكون علمًا مستقلًا، لربما يستوعب قدر المعلومات الهائل لدى الحضارة المصرية القديمة، فمن المذهل أن ينظر الإنسان إلى الوراء بعدما حقق هذا التطور الهائل، ليس لأخذ العبرة، وإنما للتعلم والتقدم أكثر! إنه لأمر مُحير حقًا. فالمرء ينظر للأمام دائمًا لإحراز التقدم المطلوب، وللماضي من أجل التعلم، لكن السعي وراء الماضي من أجل إحراز التقدم والوثوب بخطوات أسرع، هو المدهش في الأمر.

كشفت العديد من الأبحاث والدراسات عن تقدم المصريين القدماء بشكلٍ مذهل، حتى أنهم أدركوا السماء وبدأوا يدرسون الفلك والكون، وتقدموا بشكلٍ غير مسبوق في الطب والهندسة واستطاعوا تطوير الكتابات، ودوّنوا ملاحظاتهم التي أخبرتنا عنهم. ما زالت العديد من أعمالهم سرًا لا نعرف عنه الكثير. ربما بسبب اختفاء اللغة الهيروغليفية في وقتٍ من الأوقات، مما تسبب في ضياع جزء كبير من تاريخ مصر القديمة، أو بسبب حالة تكتم مقصودة من المصريين القدماء، فقد كان الكهنة وعِلية القوم يتحدثون بلغة، في حين أنّ عامة الشعب كان لهم لغة أخرى مختلفة.

وبعدما استطاع عالم المصريات الفرنسي فرانسوا شامبليون فك شفرة الهيروغليفية، عكف العلماء والباحثين على دراسة هذه الحضارة جيدًا، وفي كل يوم تُدهشنا بالكثير من أخبار السابقين. تُرى ما سر هذه الحضارة التي تُقدم لنا من حين إلى آخر هدية بسيطة في شكل أثر رائع في شكله، مُتقن هو في صنعه؟ هل لتُذكرنا بالماضي الأصيل؟ أم لتُحفزنا لمواجهة المستقبل المجهول؟ أو أنها تخبرنا بإصرارها على الخلود؟

اقرأ أيضًا:  المرأة في الحضارات القديمة.. هل كان الفراعنة من القلة الذين أعطَوا المرأة حقوقها؟

0

شاركنا رأيك حول "أضخم كشف أثري في سقارة المصرية: مصر تحدث أبناءها عن ماضيها"