محمد عبدالله سامي - المجموعة القصصية نابليون والقرد
0

حكاية أقرب إلى الحكايات الشعبية، تليها حكاية واقعية بمرجعية شعبية ثم إلى قصة تاريخية ذات نظرة شخصية، وما إن وصلنا لخيال الرابعة بفانتازيتها العالية وجدنا ثناياها مبطنة بقضية إنسانية، وصولًا إلى “نابليون والقرد” القصة الخامسة والأخيرة، وهي حدث واقعي يعتريه خيال مؤلفه. يجمع الخمس حكايات تلك الكاتب محمد عبدالله سامي في مجموعته القصصية الأولى، وعمله الأدبي الثاني “نابليون والقرد” الصادرة عن دار المحروسة سبتمبر الماضي ٢٠٢٠. 

اقرأ أيضًا:

الحكايات الشعبية في الأدب نبتت من الخيال لتسكن الخيال!

المجموعة القصصية نابليون والقرد

في البداية جذبني غلاف الكتاب بشدة بمجرد رؤيته في إحدى المكتبات، وعندما رأيت اسم الكاتب “محمد عبد الله سامي” عليها تذكرت أن هذا الكاتب هو نفسه صاحب رواية “درب الإمبابي” التي حازت بشهرة عالية، ولكني لم أقرأها بعد. لم أتخذ قرارًا بشراء هذه المجموعة القصصية أول مرة لاعتلاء كلمة (قصص) على غلافها، فلا أحب قراءة هذا النوع الأدبي (القصص) حيث تنتهي كل قصة سريعًا، ولا تُعطيني فرصة التوحد مع شخوصها، وقليلة هي المجموعات القصصية التي جذبتني لقراءة مجموعتها كاملة. 

في زيارة أخرى لمكتبة أخرى، أجدني أبحث بعيني عن المجموعة القصصية نفسها إذا كانت من بين الكتب المعروضة أم لا، حتى خاب رجائي في أن أجدها فسألت عنها أحد مسؤولي البيع في المكتبة، وعندما وجدتها قررت حينئذ الحصول عليها هذه المرة.

بعد أيام من شرائها بدأت في قراءة أولى صفحات القصة الأولى، وكانت بعنوان “باب الجنة” بعد قراءة ثلاث صفحات بالضبط، سئمت القراءة، وشعرت أني أخطأت -كعادتي- لقيامي بمحاولة عاشرة في تذوق نوع أدبي لا أحبه، وأغلقت صفحات المجموعة.

عندما وصلت إلى عملي، وبينما أنا أتحدث مع زميل لي بالعمل بشأن هذه المجموعة، أمسكت بها مرة أخرى، وأخذت أفر في صفحات الكتاب حتى وقعت عيني على هذا الحوار في صفحات القصة الأولى: 

– صباح الخير 

– صباح الشؤم عليك… رجعت؟ 

– أنا هنا من البارحة. 

وفي الصفحة المقابلة: 

– كنت مسطولًا.

– نعم… أعترف… لكني والله وجدت “باب الجنة”!

أحسست أني في حاجة إلى معرفة من هؤلاء، ولما يتحدثون إلى بعضهم البعض بهذه الطريقة؟ وما هو “باب الجنة”؟!

قررت الاستمرار في قراءة هذه القصص، والتي جعلتني مع الوقت، وعند الانتهاء من كل واحدة فيها، أنتظر وقتًا فارغًا في يومي حتى يتثنى لي البدء في الحكاية التي تليها.

اقرأ أيضًا:

توم هانكس يقدم لك أولى مؤلفاته: مجموعة قصصية بنمط استثنائي غير شائع!

نابليون والقرد - مجموعة قصصية - محمد عبدالله سامي
غلاف المجموعة القصصية نابليون والقرد للكاتب محمد عبدالله سامي

باب الجنة

“فرج الليمون” هذا هو اسم بطل الحكاية الأولى، ودون تنظير فارغ لكن في الحقيقة هذا الاسم هو ما جعلني أصف الحكاية بأنها حكاية شعبية. 

“فرج” اسم متداول بين صفوف المواطنين قديمًا وحديثًا، وهنا قد تتوقع أن ما يحدث معه قد يحدث معنا جميعًا فهو جزء منا، وعن الجزء الثاني من الاسم “الليمون” هذا ما جعلني أتوقع وجود ما يشبه الأسطورة أو الحكايات الخرافية القديمة في الجزء السردي القادم من القصة، وهذا ما كان بالفعل، فكانت الحكاية أشبه بالحكايات الشعبية إذا لم تكن كذلك بالفعل.

“باب الجنة” هو الباب الذي نتمنى أن يصادفنا على الأرض فتنفتح لنا من خلاله (طاقة القدر)، وتتحسن أحوالنا على جميع المستويات أو على الأقل يتحسن الجانب الأهم عند معظم البشر ألا وهو الجانب المادي، بصنعة أدبية بسيطة قدم “عبد الله سامي” هذا من خلال حكايته “باب الجنة” بتفاصيل منمقة لا تجعلنا نتساءل أسئلة استنكارية كما ورد في حديث أحد أصدقائي عن الأفلام التي تصل بنا في نهايتها إلى طرح تساؤلات على شاكلة “ما المبرر لهذا؟!”، “أو ما الرابط هنا كي يحدث كذا؟!”، فالكاتب محمد عبدالله سامي لم يترك لنا فرصة طرح هذه التساؤلات وحتى نهاية القصة حيث انتهى بوضع نهاية ملائمة لما يرويه، وبنظرة شخصية أقدر الكاتب الذي لا يضرب بحكايته عرض الحائط ويضع لها نهاية “والسلام” وهذا ما لم يقع فيه “عبد الله سامي” فنهايته تدعو للتساؤلات غير الاستنكارية بالمرة لكنها تستدعي تساؤلات استفهامية للوصول لفهم تفاصيل حياتية كثيرة تخصنا نحن لا قصته.

المشاهرة والخلاص 

لا تحوي مجموعة “نابليون والقرد” على فهرس في بداية الكتاب أو آخره، وهذا ما لم يترك أمامي فرصة لاختيار القصة التي أود أن أقرأها في الحال، وإنما استمريت في قراءة الحكايات بترتيب الصفحات، فأدخل من حالة إلى أخرى مختلفة عنها قليلًا دون أن يفسد ذلك الحالة العامة للقراءة. 

وهنا كانت حالة قصة “المشاهرة والخلاص” أقرب الحالات التي قدمها الكاتب إليَّ، أرهبتني هذه القصة بأسلوب الوصف في بعضٍ من أجزائها، ربما لواقعيتها؛ والواقعية هي أقرب الأنواع سواء في الأدب أو الفن إلى قلبي، فمستني كثيرًا.

لمن لا يعرف معنى “المشاهرة” هي خرافة قديمة تعني الفأل السيئ من أن يزور عروس جديدة (سيدة حامل أو حائضة أو واضعة طفلها منذ أيام) لأنه قد يتسبب في عدم قدرة العروس على الإنجاب نتيجة ما يصيبها من العكوسات كما تقول الخرافة.

من هنا كان لُب الأمر، فبطلة الحكاية “تشاهرت” على حد قول جدتها “قُطف” وما جعل العروس تصدق خرافات جدتها ولو بنسبة صغيرة هو أن آراء جميع الأطباء تؤول إلى أنه ليس هناك موانع طبية للحمل لديها أو لدى الزوج، فسارت وراء حلول الجدة “قُطف” والتي صُنعت بفضلها هذه الحكاية.

 رغم عدم وجود جملة أدبية واحدة رنانة في هذه القصة مثلما نرى في مثل هذه الكتابات لكن الحالة نفسها باتت حاضرة طيلة فترة قرائتي لها تمامًا مثل الفيلم الكوميدي الذي لا تتذكر منه إيفيه بعينه يمكن أن تحكيه لكن الفيلم بالفعل أضحكك من خلال كوميديا الموقف التي لا تُحكى، وإنما لا بد وأن تُشاهد فقط، فالحالة هنا صُنعت من نسيج جيد جدًا جمع البداية والوسط والنهاية في قالب متماسك، قالب جذبني إلى داخل الحكاية، فلو كنت أنا بطلة الحكاية كان عقلي سيزدحم بالأفكار نفسها التي ازدحمت بها عقل البطلة، وهي تخشى أن تُهدم ثوابتها لو أن حلول “قُطف” الخرافية نجحت في تحقيق رغبتها في أن تصبح أمًا.

أن أصبح/تصبح أمًا مقابل هدم الثوابت، فأي منهما نستطيع تحمل حدوثه؟!

البدوي.. الرواية الأخرى

“لا أدري لماذا خلقت على هذه الشاكلة، لا أتذمر، لكنني أتساءل” جملة كهذه قد تُقابل بالهجوم الشديد على صاحبها لمجرد وجود شخص يبدو ناقم على نفسه رغم أن هذا يحدث بينك وبين نفسك في كثير من الأحيان التي تصل فيها حد الإحباط والضيق فتتساءل مثلًا، لماذا يحدث لي ذلك؟! لماذا أنا؟! وإذا صرخت بتساؤلات كهذه أمام الآخرين، ستُنعت بالكفر، دون النظر إلى ما وراء هذه التساؤلات.

في حكاية “البدوي” صرخ عبد الله سامي من خلال صوت البطل بهذه الجملة في افتتاحية حكايته، وأصفها بالصرخة لأنها كانت مُدوية على الملأ داخل حكاية في كتاب، ولم يتوقف عند هذا فحسب، وإنما صرخ مرة أخرى بحكاية هذا “البدوي” الذي عانى من العنصرية في مسقط رأسه أسيوط من جهة بسبب مظهره المختلف بعض الشيء، ومن جهة أخرى بسبب اضطهاد المسلمين للمسيحيين وقت حملات التطهير الذي قام بها صلاح الدين على الصليبيين، وعلى أثر هذا ورد على لسان البدوي ما يلخص حدوته فقال “ألا يجد الزمن في ثناياه متسعًا لنا؟ ألم يعد لنا نصيب من الوقت، حتى بعد أن نسى الرب أمرنا!” ربما يُتهم عبد الله سامي بعد أن يُذاع صيت هذه المجموعة بالإلحاد، أو أنه يتعدى على الذات الإلهية، رغم أن كل ما فعله هو عرض الجانب المظلم من الرواية التاريخية ليس إلا.

نلمس هنا جانبًا آخر لم نلمسه في دروس التاريخ التي دُرست لنا في المناهج الدراسية في المدرسة بخصوص الحملات الصليبية، بالتأكيد أن أي دين سماوي يدعو لنصرته لا يحقق ذلك على حساب انتهاك أمان بشر لا ذنب لهم سوى أنهم يدينون بدين آخر فيباتوا مختئبين طوال الوقت لا يعرفون متى سيعيشون حياة طبيعية آمنة دون اختباء أو خوف، ربما هذه هي الرواية الأجرأ من بين الخمس حكايات، فهي رواية تحمل الصوت الآخر الذي لم يتكلم بعد! 

محمد عبدالله سامي - المجموعة القصصية نابليون والقرد
نابليون والقرد مجموعة قصصية للكاتب محمد عبدالله سامي من عوالم مختلفة وقلم واحد!

مأمون

لم أتوقع قراءة حكاية فانتازية كهذه بعد الانتهاء من قراءة الثلاث حكايات السابقة. رغم حضور الفانتازيا في حكاية “باب الجنة” لكن ذلك كان بما يتناسب مع كونها حكاية شعبية بطبيعة الحال كما ذكرنا من قبل أما في “مأمون” فقد وصلت الفانتازيا إلى ذروتها.

كتابة الفانتازيا من أصعب الكتابات التي يمكن للكاتب أن يُقدم عليها، لأن تحقيق المتعة فيها يحتاج إلى قدرة عالية على الخيال، خلق “سامي” إطارًا فانتازيًا بسيطًا، وكعادة الفانتازيا تثمر عن قضية إنسانية ما بداخلها، ورغم ذلك لا يمكن تصنيف تلك الحكاية أنها مختلفة اختلافًا جذريًا كاسرًا للحالة العامة للمجموعة القصصية إنما يمكن القول إن “عبد الله سامي” اتبع أسلوبًا جعل كل حكاية مستقلة بذاتها وغير متوقع من أين تبدأ ما تليها من حكايات، وفي الوقت نفسه هنالك ما يجمع الحكايات سويًا بصورة وبأخرى مثل النهايات المفتوحة لحكايات “المشاهرة والخلاص”، و”البدوي”، و”مأمون”، كذلك مثل البناء على حدث تاريخي كما في “البدوي” و”نابليون والقرد”، ومنها من اعتمدت على الفلاش باك كما في “المشاهرة والخلاص” و”نابليون والقرد”، يبدو أن عليَّ الاتجاه إلى “نابليون والقرد”. 

 نابليون والقرد

 نبتة لرواية طويلة، حبكها محمد عبدالله سامي حبكة جيدة الصنع، بداية من اختيار الحدث التاريخي الذى بنى عليه أحداث قصته وهو دخول الفرنسيين مصر واحتلالهم لأرجائها.

“نابليون والقرد” من حكايات المجموعة المحببة إليَّ، برغم أنني مثلما لا أحب قراءة القصص القصيرة، أيضًا لا أستمتع كثيرًا بالأعمال القائمة على أحداث تاريخية لكن الأمر اختلف مع التقديم الجيد للشخصيات، وبناء خطوط درامية فيما بينهم، فقدم في هذه الحكاية الشخصيات التي تتناسب مع الحدث التاريخي حيث كان هناك الأربعة شيوخ الذين قادوا الثورة ضد الاحتلال، وكذلك قدم شخصية تتناسب مع طبيعة الخيال الموضوع في روايته للحدث، ومع خط السيرة الشعبية الذي امتد خلال ثلاث حكايات في الكتاب، فكانت شخصية “أحمد القرَّاد” جوكار الحكاية، شخصية حضورها قوي وخفيف في الوقت نفسه.

أهم ما نجح محمد عبدالله سامي في صنعه من خلال قصته تلك هي اللحظات الحزينة الذي استطاع أن يؤسس لها منذ البداية، فجعلنا نرتبط بشخصيات الحكاية، ونتألم من أجلهم في لحظات عدة، وكانت لحظة هلاك القرد “نبهان” أحد شخصيات القصة، من أحزن اللحظات، حزنا من أجل شخصية قرد مكتوبة على الورق، فماذا عما حدث لبقية الشخصيات؟!

من أصعب اللحظات أيضًا لحظة العلم بوقوع الشيخ الجوسقي قائد الثورة في الأسر، ومع انقضاء هذه اللحظات والوصول إلى النهاية المحتملة خيم الحزن، وودت لو تتغير هذه النهاية المؤلمة، رغم منطقيتها.

المجموعة القصصية “نابليون والقرد” تتناسب طرديًا وأكثر مع الخبرة التي يتمتع بها “محمد عبد الله سامي” إلى الآن في مجال كتابة الأدب عامةً، وكتابة القصص خاصة، فظهر مجهود يُحترم، ومجموعة تستحق القراءة والتناول، على أثرها أنتظر قراءة مجموعة قصصية جديدة لا تقل جمالًا عن هذه المجموعة، بعد أن مدت إلي هذه المجموعة طرف خيط يصل بيني وبين الأدب القصصي.

لك أيضًا:

مسيح باب زويلة: مجموعة قصصية تنتمي لعالم غرائبي صنعه الكاتب بنفسه!

0

شاركنا رأيك حول "نابليون والقرد مجموعة قصصية من عوالم مختلفة وقلم واحد!"