البلاك فرايدي
0
في يوم الجمعة السوداء، أو البلاك فرايدي (Black Friday)، أو ما يسمى أيضًا الجمعة البيضاء، تخرج جميع المتاجر باستراتيجية المبيعات المخفّضة، يخفّض تجار التجزئة أسعار منتجاتهم بشكل جنوني، ويبدأ الناس في التهافت على المتاجر بحثًا عما يحتاجونه أو حتى ما لا يحتاجونه، لمجرد أنه ربما أصبح ذلك بسعرٍ مناسب.

لا تنحصر هذه التخفيضات في يوم الجمعة السوداء فقط، بل يشمل ذلك عيد الشكر، وغالبًا في أي مناسبة اجتماعية كبيرة. كما لا يقتضي ذلك الوقوف أمام المتاجر في طوابير فقط، بل هناك طريقة أخرى لمن لا يحب الازدحام، وهي التسوّق عبر الإنترنت، إعداد حسابات مُسبقة وإدخال تفاصيل الدفع والشحن، وانتظار صفقات الشراء، واقتناص الفرص بسرعة.

عندما نشتري غرضًا عبر الإنترنت، غالبًا ما يكون ذلك تسرّع أو هفوة، فكم من شخصٍ اشترى سجادة مثلًا، واستلمها منشفة صغيرة! هذا ما يمكن وصفه في علم النفس، زلّة فرويدية، وهي خطأ في الكلام أو الذاكرة أو الفعل الجسدي، ويُفسَّر بأنه يحدث بسبب تداخل الرغبات غير الواعية، وهذا ما يجعلنا ننقر على “اشترِ الآن” بلا وعي، والسؤال هنا لماذا فعلنا ذلك؟ هل تم توجيهنا بطريقة ما نحو الشيء الذي اشتريناه؟

ماذا يحدث في أدمغة المستهلكين عندما يقترب يوم -أو لنقل شهر- حافل بالتخفيضات والعروضات وغيرها؟ يجدون أنفسهم ينفقون أكثر مما هو مُخطط له على أشياء لا يريدونها فعليًا! هذا يهمّك كمستهلك لتعرف كيف ولماذا أنت تفعل ذلك، ويهمك كتاجر عزيزي، لتعرف ما يدور في رأس زبونك وتجذبه بإرادته مبتسمًا ليدفع لك أمواله. لنتعرف في مقالنا هذا على سيكولوجية المستهلك في أيام الأعياد، وما تسببه فورة المبيعات في يوم البلاك فرايدي مثلًا.

اقرأ أيضًا:  تمكين المرأة تاريخيًّا: من حق التعليم إلى المناصب الإدارية

ماذا يدور في رأس متسوق البلاك فرايدي؟

جميعنا يحب الصفقات!

إن شراء أي شيء بسعر أقل مما ترغب في دفعه، أو أقل من سعره الحقيقي، أمر مُرضٍ ومُغرٍ للكثيرين. الكل يعتمد على مبيعات الأعياد أو البلاك فرايدي وغيرها للاستفادة من تقلبات الأسعار بمرور الوقت.

ضيق الوقت وما يُنتجه من عدم التفكير بعقلانية

فورة المبيعات في البلاك فرايدي

أو ما يسمى تأثير الفومو أو الخوف من ضياع الفرصة “Fear Of Missing Out أو FOMO”، حتى إذا كنت تأخذ وقتك الكافي في التفكير في عمليات الشراء الكبيرة الحاصلة، فإن جملة “العرض لفترة محدودة” ستجعلك تنسى نهجك المعتاد في التصرف. على سبيل المثال، إذا كنت تخطط لتشتري تلفازًا بشاشة مسطحة، سترغب بدايةً بإجراء بعض المقارنات بين المتاجر، ولكن إذا صادف وكنت في متجر لبيع الشاشات، مع عروض وتخفيضات لا تُصدّق ليوم واحد فقط، وهو اليوم الذي أنت فيه في هذا المتجر حاليًا، فأنت في ملعبك الآن، غالبًا ستشتري شاشتك مُخفّضة السعر فورًا ودون تفكير، كلّنا يُفكر هذا التفكير “آه.. لن أفقد هذه الفرصة الذهبية”.

يمكن تفسير هذا التصرّف في علم النفس بما يسمى “الحاجة إلى الإغلاق Need For Closure”، وفق ما فسره عالما النفس آري كروغلانسكي (Arie Kruglanski)، ودونا ويبستر (Donna Webster)، ويشير هذا المفهوم إلى حاجة الفرد منا إلى الانتهاء من عملية “اتخاذ القرار” والانتقال إلى مرحلة التنفيذ فورًا. هناك البعض ممن لديهم حاجة كبيرة إلى الإغلاق، اتخاذ القرار بسرعة والمضيّ قدمًا، بينما يكون ذوو الحاجة المنخفضة إلى الإغلاق أكثر راحة في التفكير بعناية في أي قرار يتخذونه.

ما يحدث في يوم البلاك فرايدي عندما يضع تجار التجزئة حدًا زمنيًا لصفقاتهم، هو زيادة الحاجة إلى الإغلاق، حتى بالنسبة إلى أولئك ذوي الحاجة المنخفضة إلى الإغلاق، لأنه بذلك، يخلق التاجر إحساسًا لدى المستهلك بالحاجة الملحة للاستفادة من السعر الجيد، وبالتالي لن يقضِ المتسوق وقتًا كبيرًا في التفكير.

في البلاك فرايدي يلعب “صائدو الأبواب” من التجار على وتر خوفنا من الخسارة

هناك مصطلح في علم الاقتصاد يسمى “صفقة الباب أو حاجز الباب Doorbuster”، وينطوي ذلك على عَرض تاجر التجزئة تخفيضًا على عدد محدود جدًا -بل وأحيانًا نادر- من البضاعة، بحيث يملك التاجر من غَرَض مميز باهظ الثمن مثلًا 10 قُطع فقط على الأكثر، وطبعًا في المتاجر الأخرى أيضًا تكون وفرة هذا الغَرَض محدودة، هنا، يعمل عامل الندرة الشديدة للبضاعة على تحفيز غريزتك التنافسية، فأنت تريد التغلّب على غيرك والفوز بهذه القطعة المميزة بسعر مُغرٍ.

المنافسة على اقتناص الفرص تجعلنا أكثر سعادة!

البلاك فرايدي

كلُنا يسعى إلى توفير بعض المال عند الخروج إلى التسوق العادي، ولكن مع المنافسة على شراء الجيد بسعرٍ مقبول، تجعل هذا النشاط أكثر متعة. وفقًا لدراسة أجرتها الأستاذة سانج يون بيون (Sang-Eun Byun) – أستاذة مساعدة لشؤون المستهلك في جامعة أوبرن (Auburn University)، فإن المنافسة بين المتسوقين تخلق ما يسمى “التسوق  اللذيذ”، أي الشعور بالمتعة أثناء الشراء واعتباره أكثر من مجرد عملية شراء. طبعًا يقتنص التجار هذه الفرصة، فالمنافسة تشجّع على الشراء وبالتالي الحدّ من الخسارة، وضغط الوقت أكثر.

اقرأ أيضًا: الماركات كذبة اخترعها الأغنياء وصدقها الفقراء

تفادي المستهلك التصرف بسوء.. بالتالي يعمد إلى عدم التخطيط لمشترياته

البلاك فرايدي

قد يؤدي التخطيط ووضع استراتيجية لما تريد أن تتسوقه، وللمتاجر التي تريد زيارتها، إلى جعلك أكثر عُرضة لسوء التصرف، أو أن تتصرف أنت بسلوك سيئ لم تتوقعه من نفسك حتى! إيماءات اليد الوقحة نوعًا ما أو المشاجرات العرضية.. إن امتلاك رؤية لما تريد اقتناصه من مبيعات، يمكن أن يجعلك أكثر عدوانية عندما يعترض أحدهم طريقك ويضع يده على ما تريد. في حادثة عام 2011 في كاليفورنيا، قامت امرأة برش الفلفل على زملائها المتسوقين في بداية مبيعات الجمعة السوداء.

لبيئة المتجر دور كبير في جعلك في حالة مزاجية جيدة للشراء..

بدايةً بديكور المتجر والموسيقى التي تصدر من مكبرات الصوت فيه، وانتهاءً بشكل معاملة التاجر للزبون، الابتسامة وغيرها، كل ذلك يساعد في إقناعك بالبقاء فترة أطول في المتجر وإنفاق المزيد من المال. أظهرت دراسة أيضًا أن المشاعر الإيجابية التي يظهرها البائعون تجعل المنتجات مرغوبة أكثر.

مبيعات حصرية لحاملي بطاقات ائتمان خاصة بالمتجر

تضيف بعض المتاجر تخفيضات خاصة للمتسوقين الذين يستخدمون بطاقات ائتمان خاصة بالمتجر فقط، لذا سيدفعهم ذلك إلى التسجيل والحصول على بطاقة ائتمان المتجر -والتي ربما لن يستعملونها فيما بعد- فلست مضطرًا لتعريض ائتمانك للخطر لمجرد الحصول على حسم 20% على منتج.

اشترِ واحدة واحصل على الأخرى مجانًا!

البلاك فرايدي

كم مرة ذهبنا في الأيام العادية لشراء زوج من الأحذية، وتفاجأنا بعرضٍ مغرٍ وهو “اشترِ زوجًا واحصل على الآخر بنصف سعره” مثلًا، يجعلك هذا متحمسًا للشراء أليس كذلك؟

يفسّر خبير الاقتصاد السلوكي دان أريلي (Dan Ariely) ذلك في كتابه “اللاعقلانية المتوقعة: القوى الخفية وراء قراراتنا Predictably Irrational: The Hidden Forces That Shape Our Decisions”، وفقًا لتأثير ما يسمى “السعر الصفري”، وهو كناية عن الحسم، فإن الناس يصبحون مغفلين عند سماع كلمة “مجاني”، ويجعلهم ذلك يشترون أي شيء، وهذا ما يستغله التجار.

اقرأ أيضًا: Zara ليست الوحيدة: كيف يؤثر كوفيد-19 على قطاع البيع بالتجزئة؟

ماذا عن فورة المبيعات أونلاين في البلاك فرايدي؟ ما السبب؟!

في هذه الموجة الهائلة من حالات الإصابة بفيروس كوفيد-19 هذا العام، سيكون التسوق مختلفًا غالبًا استجابةً للوباء، سينهال المستهلكون على الإنترنت للتسوق، حيث وبحسب بيانات صدرت عن وزارة التجارة الأمريكية، نمت مبيعات التجارة الإلكترونية بشكل عام أكثر من 30% بين الربعين الأول والثاني من هذا العام، على الرغم من أن ذلك كان بدافع الفراغ وقضاء وقت كبير على مواقع التواصل، إنما سيزيد بكل تأكيد في مواسم الأعياد، أو البلاك فرايدي قريبًا. لذا دعنا ندخل في سيكولوجية المستهلك في التسوق في البلاك فرايدي عبر الإنترنت.

البيع العابر (Cross-Selling)

طريقة سهلة جدًا، يُظهر لك التاجر منتجًا تريد شراءه، وثم قبل أن تُجرى عملية الشراء، يُقدم لك منتجًا آخر ذو صلة بالسابق وبسعرٍ مُغرٍ، لدفعك لشراء المزيد. أبسط مثال على ذلك، إذا أردت شراء صابونة، فقبل أن تتم عملية الشراء، سيعرض عليك الإسفنجة، وستأخذها أنت غالبًا. نَسَبَ موقع أمازون (Amazon) حوالي 35% من إيراداته في الماضي إلى طريقة البيع العابر.

Sponge and dish soap

البيع المُقنَّع أو “الترغيب”

البلاك فرايدي

وهي أحدث طريقة لتشجيع المستهلك على شراء المزيد من البضاعة عبر الإنترنت، تشبه قليلًا البيع العابر، ولكن هنا بعد أن ينتهي المتسوّق من الشراء والدفع، سيلقى عرضًا آخر لشرائه في بريد التأكيد خاصته، ستحتوي رسالة التأكيد الإلكترونية على ما يلي “يمكنك إضافة هذه المنتجات قبل شحن الطرد الخاص بك”. الشعور بالإلحاح في اللحظة الأخيرة يجعلك أكثر رغبة بالشراء، وبالتالي هي طريقة مخادعة نوعًا ما.

ساعات العدّ التنازلي في الموقع

البلاك فرايدي

غالبًا ما يتم خداع المستهلك وإرفاق المنتج المُروّج له بساعة عد تنازلي، وذلك للتلاعب بك لإجراء عملية الشراء بشكل أسرع قبل مضيّ الوقت المحدد، مع العلم أنه إذا خرجت من الموقع ودخلت مرة أخرى، ستجد أنه أُعيد تشغيل هذه الساعة من جديد.

اشترِ أكثر والتوصيل مجاني!

البلاك فرايدي

يخدع تجار التجزئة العملاء من خلال عرض الشحن المجاني في حال شراء طلبات بمبالغ معينة، وينتهي الأمر بالمستهلك بإنفاق الكثير من المال.

اقرأ أيضًا: نعم، السعادة تُشترى بالمال!

0

شاركنا رأيك حول "ما سبب فورة المبيعات في يوم البلاك فرايدي أو الجمعة البيضاء: الإجابة في سيكولوجيا المستهلك"