الفيروسات
0

تعد الفيروسات من أهم وأخطر الكائنات التي تعيش على كوكبنا، وتعتبر من أصغر الكائنات التي نعرفها. وعلى الرغم من حجمها إلا أنها تسبب الكثير من الأمراض للإنسان مثل: التهاب المخ، والجدري، وكورونا، والكثير من الأمراض الأخرى.

لا يتوقف الأمر هنا، فخلال تاريخنا نجد أن الإنسان قد تكبد خسائر مفزعة بسبب الفيروسات مثل مرض تضخم أفرع الكاكاو الذي تسبب في موت 70 مليون شجرة في ساحل الذهب وذلك في تسعة أعوام فقط. وبالرغم من كل هذه الأمراض والخسائر والأهمية بالتأكيد، لم يعرف الإنسان عن وجود الفيروس إلا من قريب.

اقرأ أيضًا: الفيروسات ليست أكبرَ تهديد للإنسان، وإنّما..

لماذا لم نعرف عنه شيئًا؟ وكيف عرفناه؟ هذا ما سنعرفه خلال الفقرات القادمة.

الفيروسات
أعراض فيروس موزاييك التبغ على النباتات

فيروس موزاييك التبغ (TMV)… أول فيروس عرفه الإنسان

لم يعرف الإنسان الفيروس إلا مؤخرًا كما قلنا، لكنه استطاع قديمًا أن يصور ويعرض بعض الأعراض التي يسببها الفيروس دون القدرة على شرح أو توضيح السبب وراء هذه الأعراض. نجد الرسمة الأقدم على معبد مصري، وذلك حيث قام المصريون برسم رجل بقدم سليمة وأخرى رفيعة لا تلمس الأرض، وهذه الأعراض هي أعراض فيروس شلل الأطفال، وفي القرن التاسع عشر قام الكثير من الرسامين بتصوير أزهار مصابة بالموزاييك -تقطع في الألوان- وذلك لجمال شكل الأزهار، لكن الذي يرى هذه اللوحات الآن يمكنه بسهولة تشخيصها وتحديد الفيروس الذي يسبب هذا التقطع في اللون.

في عام 1886 قام العالم ماير Mayer بجلب بعض النباتات المصابة بفيروس موزاييك التبغ، لم يكن يعرف سبب إصابة النباتات، لكنه لاحظ أنه إذا جهز عصارة من النباتات المصابة فإن هذه العصارة ستمرض أي نبات آخر توضع عليه -تلقح به- بنفس أعراض النبات المأخوذة منه. ومن خلال بعض التجارب استطاع ماير تحديد درجات الحرارة التي تعمل عندها العصارة، والدرجات التي تتوقف القدرة المعدية عندها، ولأنه يعرف حجم الفطريات استبعد أن يكون الممرض من الفطريات؛ وبعد الكثير من تجارب الترويق والترسيب باستخدام عدد من الكحولات استنتج ماير في النهاية أن هذه الأعراض تحدث بسبب نوع من البكتيريا، ما زلنا نجهل الكثير عنه.

الفيروسات
مرشح شمبرلاند الذي يقوم بترشيح البكتيريا، ويرشح المحاليل وهي خالية من الفطريات والبكتيريا.. Chamberland-Pasteur-filter

إيفانوفسكي ومرشحات شمبرلاند

في عام 1892 اهتم العالم إيفانوفسكي Ivanovisky، بدراسة فيروس موزاييك التبغ، وذلك إكمالًا لمجهودات ماير، أكد إيفانوفسكي على معظم نتائج ماير مثل: الحرارة، والقدرة على العدوى، وطرق النقل، كما أكد أنه لا ينتمي للفطريات، لكن إيفانوفسكي قفز قفزة كبيرة ساعدت في تقدم فهمنا لهذا الكائن الصغير، وذلك عندما قام بترشيح العصارة المعدية باستخدام زوج من أوراق الترشيح، ثم بترشيح العصارة من خلال مرشح شمبرلاند، هذا المرشح الأخير لا يسمح بمرور البكتيريا، وبالرغم من هذه الترشيحات ما زالت العصارة المرشحة قادرة على العدوى وإصابة النبات، وهنا تم استبعاد أن تكون هذه الأعراض ناتجة من البكتيريا مثلما قال ماير، وكان المرجح عند إيفانوفسكي أن هذه الأعراض ناتجة من نوع من أنواع السموم.

اقرأ أيضًا: العولمة والكورونا.. حربنا ضد الفيروسات بدون قائد! – تقرير 

الفيروسات
العالم مارتينوس بايرينك الذي سمى الفيروس باسمه

تسمية مارتينوس بايرينك

في عام 1898 لاحظ العالم بايرينك Beijerinck قدرة الفيروس على الانتشار والتغلغل داخل بيئات الآجار، والآجار هي بيئة صناعية يكونها الباحث في المعمل لتوفير بيئة مناسبة لنمو البكتيريا أو الفطريات، وعندما لاحظ بايرينك قدرة الفيروس على الحركة وبمراعاة خصائصه الأخرى نفى عنه احتمالية أن يكون ممرضًا من الممرضات المعروفة، وقال إنه سائل حي معدي، وأسماه فيروس وهي كلمة لاتينية تعني بالإنجليزية Toxin أي سُم. وما زال العالم يحتفظ إلى اليوم بتسمية الفيروس على الرغم من أن الذي نقصده اليوم بكلمة فيروس هو شيء بعيد تمامًا عن المقصد الذي كان يقصده بايرينك.

الفيروسات
تعتبر الحشرات من أشهر نواقل الفيروسات

أهمية الحشرات في نقل الفيروسات

في عام 1894 بدأ العالم Hashimoto بملاحظة بعض حشرات نطاطات الأوراق، ووجد أن هذه الحشرات تسبب مرض تقزم الأرز، وقد اعتقد أن الحشرات هي السبب في هذه العدوى. إلى أن أتى عام 1906 وتمكن العالم من ملاحظة نطاطات من أماكن أخرى في اليابان، والغريب أن هذه النطاطات الأخرى لم تكن تصيب النبات بمرض التقزم، على الرغم من أنها من نفس نوع الحشرات التي لاحظها سابقًا، وهنا قام العالم بتغذية الحشرات غير المعدية بنبات مصاب، ثم وضع الحشرات مع نبات سليم، فلاحظ أنها أصبحت قادرة على العدوى، وهنا أصبح جليًا أن الحشرات ناقلات لمرض لا نعرف تفاصيله، لكن بتتبع هذا الخيط أصبحنا نعرف الكثير عن ناقلات الأمراض الفيروسية والعلاقة بينها وبين المرض الذي ما زال مجهولًا.

الفيروسات
بقع فيروسية على النبات

البقع الموضعية وعزل الفيروسات بشكل نقي

في بداية القرن زادت الأبحاث التي تخص الفيروسات بشكل كبير، كان العلماء يقومون بعدوى النباتات المختلفة، وتجربة العصارات الممرضة على أكثر من عائل، إلى أن استطاعوا معرفة الكثير عن الناقلات المرضية، وأعراض الأمراض ووصفها بدقة، كما استطاعوا معرفة عدد العوائل التي يصيبها المرض الواحد، وعرفوا تأثير بعض العوامل على الأمراض مثل التأثيرات البيئية، والكيميائية، والفيزيائية، وظل الأمر هكذا إلى أن قام العالم هولمز Holmes عام 1929 بدراسة البقع الموضعية، وتوضيح الكثير لنا عنها.

البقع الموضعية تحدث لنباتات معينة عند إصابتها بفيروسات معينة، والبقعة هي عبارة عن حيز محدد معروف، به تركيز كبير جدًا من الكائن الممرض -الفيروس- وقد أوضح هولمز أنه يمكن استغلال هذا التركيز العالي الذي يحدث في النباتات التي تكوّن بقعًا موضعية، ونقوم حينها بتقدير التركيز، بل وعزل هذا الممرض والعمل عليه بشكل أفضل، وقد حدث هذا بالفعل واستطاع العلماء عزل الفيروس بصورة نقية، إلا أنهم لم يستطيعوا التفريق بين فيروس وآخر. لكن لم يمر عام واحد حتى وجد العلماء نباتات يمكن إصابتها بفيروسات البطاطس وحينها تعطي هذه النباتات أعراضًا مختلفة للأعراض المعروفة في البطاطس، وهنا قمنا بالخطوة الأولى في طريق النباتات الكاشفة -أو الدالة- وهي نباتات تعطي ردود أفعال مختلفة مع الفيروسات، وبالتالي يمكن الكشف عن فيروسات معينة عن طريق إصابة هذه النباتات.

الفيروسات
أشكال مختلفة للفيروس.. ونلاحظ أن جميع الأشكال تتكون من حمض نووي محمي داخل بروتين

اكتشاف كبير.. ثم اكتشافات كثيرة

يعود أهم اكتشاف في خصائص الفيروس إلى عام 1935، وهذا عندما تمكن العالم ستانلي من عزل فيروس موزاييك التبغ، وقد قام ستانلي بعزل الفيروس على هيئة بلورات بروتينية، وذلك باستخدام سلفات الأمونيوم، وهذه البلورات المعزولة لها القدرة على العدوى، كما وجد ستانلي أن البروتين المعزول خالي من الفوسفور، وقد فاز بجائزة نوبل عن نتائجه التي توصل إليها.

بعد اكتشاف ستانلي بدأت العديد من الاكتشافات بالحدوث والتوالي خلف بعضها البعض. في عام 1937 توصل Pirie and Bawden إلى أن بلورات البروتين تحتوي على حمض نووي، ومنذ ذلك الوقت إلى عام 1956 اكتشف العلماء أن بروتين الفيروس يحتوي على أنواع مختلفة من الحمض النووي، كما توصلوا إلى أن الحمض النووي هو الجزء المسؤول عن العدوى وليس البروتين.

الفيروسات
أشكال مختلفة للفيروس تحت الميكروسكوب الإلكتروني

تطور معرفتنا عن الفيروس والميكروسكوب الإلكتروني

من وقت عزل الفيروسات بشكل نقي ومرورًا بثمانينات القرن الماضي بدأ العلماء بتطوير الكثير من الطرق التي تساعدنا في الكشف عن الحمض النووي للفيروسات، والطرق التي تساعدنا في الكشف عن البروتينات، وخلال هذا الوقت استطاع علماء الفيزياء فهم الكثير عن الضوء وخصائصه بصناعة الميكروسكوب الإلكتروني الماسح والنافذ، ومن خلال الميكروسكوب، استطعنا رؤية الفيروس بشكل مباشر، ومعرفة تركيبه.

هكذا نكون قد انتهينا من رحلتنا مع الفيروسات، بدايةً من وجودها على المعابد المصرية القديمة ولوحات الفنانين، وصولًا إلى المعرفة الحقيقية للفيروسات، هذه المعرفة التي ساعدنا فيها علما الفيزياء والأحياء، ففي سنوات قليلة استطعنا القفز من مرشح شمبرلاند إلى ميكروسكوبات إلكترونية، واستطعنا القفز من وسائل الكشف الكيميائية البسيطة إلى معرفة الجينوم، واختراع جهاز PCR الذي يخبرنا عن تركيب الحمض النووي بكامل تفاصيله، هذا الكائن الذي لم نكن نعرف أنه موجود، أصبحنا اليوم نضاعفه ونتحكم به ليساعدنا في الكثير من أمور حياتنا، بل والأدهى من هذا أصبحنا نتعامل مع كائنات بيولوجية أصغر بكثير منه.

اقرأ أيضًا: ماذا لو كنا نحن الفيروسات الحقيقية بالنسبة لكوكب الأرض والكائنات الحية عليه ! 

0

شاركنا رأيك حول "رحلة البشر مع الفيروسات.. من الجهل التام للمعرفة التفصيلية 🔎🔍"