المانيا
0

ألمانيا بلد العِلم، الثّقافة، التّطّوّر، الطّبيعة، القِلاع، كرة القدم…

عندما تذكر “ألمانيا”، يأتي مباشرة على رأسك صورة سيّارات “مرسيديس، بي أم دبليو، بورش، وترى صورة العَلم مع لاعبي المنتخب الوطني وهم يحملون كأس العالم 4 مرّاتٍ، أمّا أنا عندما أسمعُ باسمها فيأتي برأسي كل ما شاهدته فيها!

عندما قرّرتُ زِيارة ألمانيا كُثر قالوا لي “شعبهم لئيمٌ – بلدٌ عاديّ، هناك أجمل منه..” لم اسمع لأحدٍ منهم لأنّني كنتُ على يقينٍ بأنّي سأرى عكس كلّ ما قالوه!

أوّلُ أرضٍ دستها فيها كانت مدينة ميونخ في بافاريا، والتي اشتهرت بناديها لكرة القدم “بايرن ميونخ”، وباحتفالها العالميّ الضّخم “أكتوبرفست”. هي أشبهُ بقاعة أوبيرا ضخمة مليئة بالزّخرفة والأناقة والتّاريخ.

زرتُ فيها أبرز الأماكن وأولّها ساحة “المارين بلاتز”،  وهي واحدة من أجمل وأكثرها سياحة في ميونخ، وتُعبّر عن وجه المدينة الحضاريّ والتّاريخي، وينظّم فيها الحفلات والمعارض، وبجانبها الكثير من الأسواق المليئة بالماركات العالمية، والمطاعم والفنادق.

وقمت بجولة سياحيّة حول المدينة، ولفت نظري تنظيم الأبنية، والهندسة المعماريّة القديمة الممزوجة بلمسة يومنا هذا، وقد استوقفني قصر “نيمفينبورغ” الواقع في غرب المدينة المكوّن من حديقة كبيرة تُغذّي الرّوح وتحرّك خيال الزّائر، تضمّ عدّة نافورات، وأحواض، وقصور صغيرة بجانب بعضها البعض.

وإذا زرت ميونخ، فيجب أن تدخل “الحديقة الإنجليزيّة” الجنّة الخضراء، من أكبر حدائق العالم، ضِعتُ فيها مع أصدقائي لساعاتٍ، فرأيت نهارها المشرق المليء بالحيويّة والنّاس من مختلف الأعمار يقضون وقتهم في المشي، اللّعب، الجلوس بجانب البحيرة فيها، وحتّى السّباحة، وتناول الطّعام، وشُرب البيرة في مطاعمها. وتملك هذه الحديقة برجٌ صينيّ يُشبه معابد الباغودا الآسيويّة، ورأيت ليلها الهادىء تحت سائها الصّافية، ولرؤيتها كلّها والتّعرّف على ما فيها تحتاج إلى أكثر من يومٍ! نعم فهي ضخمة جدًا. تمامًا كضخامة ولاية بافاريا، فبالرّغم من حفظي لها، إلا أنّني لم أزر كل شيء فيها بعد، لكن هناك مكانَين استحوذا على قلبي وعقلي ” نويشفانشتاين، والأليانز أرينا”.

Neuschwanstein
قصر نويشفانشتاين

قصر نويشفانشتاين الواقع قُرب فوسين في جنوب غرب ولاية بافاريا، وليس بعيدا عن النّمسا، يقبعُ في قمّة هضبة هناك وترى عند وصولك له بعد ما يارب 45 دقيقة من المشي بين أحضان الأشجار الخضراء القرية تحته، والجبال المكلّلة بالثّلوج تُجالسهُ. هو قصر وقلعة ضخمة ومن أجمل القلاع في العالم، يُطلق عليها قلعة القصص التّاريخية، وكانت ملهمة ديزني لاند في تصميم قلعة الأميرة الجميلة النّائمة. باحتها كبيرة مع مدخلٍ ذات اللّون الأبيض والأحمر القرميديّ. غُرفها واسعة، وفيها دهاليزٌوأدراجٌ ضيّقة، واللّافت وجود غرفة مثل المغارة ما زالت من الصّخر الأساسي الّذي بُنيت عليه القلعة.

التواجد فيها كان حلمًا وتحقّق، ولا أتردّد في زيارتها مجدّدا وتمضية يومَين لا يوم واحد فيها

ملعب الأليانز أرينا، هو ليس ملعب فقط، بل قلعة بيضاء في النّهار، وحمراء في اللّيل، دائريّة الشّكل، تحمل في داخلها 75 ألف متفرّج، وتسمع فيها صيحات مشجعي فريقها بايرن ميونخ.

يملك هذا الملعب محطّة قطار خاصةٍ به، لإيصال المتفرّجين، وباحة ضخمة حوله، وهو بعيد عن الأحياء السّكنيّة، وفي داخله مطاعمٌ صغيرة للجمهور، ومطعمٌ كبير لكبار الشّخصيّات، كما أنّه يضمّ مركز تسوّق خاصّ بالفريق البفاريّ.

بالرّغم من ضخامته، إلّا أنّ الزّائر لا يشعر بتعبٍ في التّجوال به، ويرى اللاعبين في أرضيّة الملعب حيثما جلس، فتصميمه المتطوّر، وشاشتيه العملاقتَين يريحان النّفس، والتواجد بداخله يُشعرك وكأنّك في منزلك آمنًا، مُحاطًا بعائلتك ومحبّينكَ.

أزوره باستمرار، وبدون توقّفٍ، وكللٍ أو مللٍ.

وليست ميونخ فقط من زِرتها، ولا ولاية بافارية، فلقد مررت بأكثر من مدنية ” لايبزيغ، نورمبرغ الأثريّة بالكامل، ذات البيوت الكبيرة المتلاصقة والملوّنة، وصولًا إلى هامبورغ في شمالي ألمانيا، وهي ثاني أكبر مدينة في البلد. فيها الكثير من الجسور الحديديّة تحديدًا، والأبنية المزخرفة القديمة. قضيتُ يومًا واحدًا فيها فقط لضيق الوقت، لكنّني حفظت الكثير عنها.

هي تشبه ولاية “بوسطن” الأميركية من حيث العمارة ولون الأبنية التاريخيّة،  خصوصا في منطقة سبيشرستاد ، ويلفّها الخضار المريح للنّظر. ولقد توقّفت عند مبنى بلدية هامبورغ ذات السّقف الأخضر، والتّماثيل الرّائعة.

بعد أن قبضت ميونخ على قلبي، أخذت برلين جزءا منه أيضا. قد يراها البعض مدينة حديثة، جامدة، مكانٌ للعمل والجهد، مملّة… لكن في الواقع هي ليست كذلك.

فهذه المدينة العريقة تجمع بين ضجيج المدن، تعب العاملين وركضهم من الصّباح حتّى المساء، والهدوء المتمثّل في قسمها الشّرقيّ، وهي رخيصة مقارنة بميونخ والعواصم الأخرى في أوروبا.

التاريخ يعبقُ في شوارعها، ترى الكُتب مطروحة على جوانب الطّرقات خصوصًا بجانب الجامعات الّتي تخالها للوهلة الأولى قصرًا لأحد الأغنياء! وتتمنّى لو أنّك تدرس فيها لبقيّة حياتك.

تمشي فيها حتّى تصل أمام كاتدرائيّة المدينة “برلينر دوم” الواقعة على جزيرة المتاحف كما يسمّونها. تشعرك بالقشعريرة، الهيبة، والعظمة من الخارج، فكيف عندما تدخل إليها؟ تجلس فيها فترتاح الرّوح، وبإمكانك أن تسمع عبر شريط مُسجّلٍ تاريخها.

كنيسة برلينر دوم في برلين
كنيسة برلينر دوم في برلين

حتّى النّاس هناك، من مختلف دول العالم، تعرف ذلك من مظهرهم، ومن حديثهم ولغتهم. والألمان طيّبون، يُساعدونك إذا احتجت للاستفسار عن أمرٍ ما، يُحبّون السّائح، ويحترمون من يحترم القوانين في بلدهم.

كلّ هذا مُثيرٌ ومحفّزٌ لزيارة دوتشلاند، مع شرب البيرة، فهي موطنها، لكن المشكلة تكمن في الطّعام! فلقد شكرت ربّي أنه يوجد مطاعم أجنبيّة فيها، فالطّعام الألمانيّ ليس بشهيٍّ أبدا، إذ لديهم نوع من البهارات الّتي لم يحبّها أنفي، ويأكلون اللّحم مع الكثير من الدّهن فيها، ولحم الخنزير هو المحبّب لديهم، لكنّني أستثني طبقًا وحيدًا شهيًّا أعجبني “شنيتزل” أصله طبق نمساويّ، لكنّه مطلوبٌ ومتواجد بكثرة في ألمانيا، وهو يُشبه الإسكلوب، مع البطاطس، واللّيمون.

لا، ألمانيا ليست بلدًا عاديًا، أو بلد العمل، والجهد، والآلات كما يقولون فقط! بل هي من  بين أجمل بلدان أوروبا طبيعةً، عمارةً، وأكثرها عِبقًا بالتّاريخ والقلاع والقصور، وأصبح صعبٌ عليّ أن أزور أوروبا بدون زيارتها.

0

شاركنا رأيك حول "“ألمانيا” سيّدةٌ عرفتُها، وزرتُها، واستحوذت على قلبي"