Theory of Evolution
1

النظريات العلمية لا تظهر من الفراغ، بل تسبقها أبحاث متعلقة بها، من الممكن أن نطلق عليها إرهاصات قد تكون قريبة أو بعيدة الصلة بها، إلى أن يأتي من يضع النظرية في إطار علمي محدد ويصل لنتائج علمية قوية. في كتاب “فكرة التطور عند فلاسفة الإسلام” – طبعة 2005 عن المجلس الأعلى للثقافة – جمَّع مجدي على الحافظ أهم جهود علماء الإسلام الذين تحدثوا عن فكرة التطور قبل ظهور نظرية التطور الدارونية، مثل: إخوان الصفا، ومسكويه والبيروني وابن خلدون، وبين في كتابه كيف رأوا التطور في الكون.

أصول نظرية التطور عند الغرب

الحديث هنا عن نظرية التطور، وهي منسوبة بالطبع إلى داروين الذي بحث فيها لعشرين عامًا قبل أن يضع كتابه أصل الأنواع، لكن دارون سبقه علماء تحدثوا عن التطور منهم “جورج كيفييه” الذي كان يرى أن الكوارث يعقبها خلق للكائنات الحية بطريقة مكتملة، و”جيفري سان هيلير” الذي اعتبر أن تماثل البنية هو دليل على الأصل المشترك، و”لامارك” الذي افترض وجود غريزة لبلوغ الكمال في الأجهزة التي تعمل على أن تكون البنى دائما أكثر تعقيدًا.

اقرأ أيضًا:

ما الفرق بين نظريتي لامارك وداروين في التطور؟ ولما تُعد نظرية داروين هي الأنجح؟

ثم جاء داروين وأثبت نظريته بعد تجارب أقامها بنفسه، وقد ساوى البعض بين أهمية داروين وجاليليو ونيوتن وغيرهم من العلماء الذين اكتشفوا أهم النظريات العلمية.

التطور عند فلاسفة الإسلام

فكرة التطور عند فلاسفة الإسلام
غلاف كتاب “فكرة التطور عند فلاسفة الإسلام” – طبعة 2005 عن المجلس الأعلى للثقافة.

وفي هذا المقال نستعرض جذور نظرية التطور عند فلاسفة الإسلام  ونظرة العلماء المسلمين للتطور، إذ تحدث عنها أكثر من عالم مثل: البيروني ومسكويه وابن خلدون والجاحظ وإخوان الصفا.

نظرية التطور عند فلاسفة الإسلام - علماء الإسلام
من كتاب الحيوان لصاحبه الجاحظ.

ولا يفوتنا أن نلفت النظر إلى الجاحظ صاحب كتاب الحيوان فهو أيضًا أشار في كتابه إلى مسألة الصراع من أجل البقاء وأن هذا الصراع ساعد على تطوير سمات جديدة تنتقل إلى الذريات الجديدة.

أولًا – البيروني

أول من تحدث عن التطور كان البيروني المتوفى في 440 هـ، 1047 م، وهو فيلسوف رياضي مؤرخ، من أهل خوارزم، أقام في الهند بضع سنين، ومات في بلده، اطلع على فلسفة اليونانيين والهنود، وعلت شهرته، وصنف كتبًا كثيرة، منها “الآثار الباقية عن القرون الخالية” ترجم إلى الإنجليزية، و”الاستيعاب في صنعة الأسطرلاب” و”الإرشاد” في أحكام النجوم.

قال البيروني في التطور:

“وعندما تدرس السجلات الصخرية والآثار العتيقة نعلم أن هذه التطورات والتحولات لا بد أن استغرقت دهورًا طويلة تحت ضغط البرد أو الحر”.

واستخدام البيروني لمصطلح التطور يشبه إلى حد كبير المصطلح بشكله العلمي الحالي. كما أنه تحدث عن الانتخاب الطبيعي بشكل يكاد يكون متطابقًا مع النظرة العلمية الحديثة، فيقول:

“إن حياة العالم تخضع للزرع والنسل، هذان التطوران يزدادان مع الوقت وهذه الزيادة غير محدودة بينما العالم محدود”.

ثانيًا – إخوان الصفا

إخوان الصفا جماعة سرية ليس معروفًا بالتحديد متى تكونت لكن لها كتابًا هامًا اسمه “رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا” وضعوا به فلسفتهم ونظرتهم للأمور، وقد أثروا في الفكر الفلسفي الإسلامي تأثيرًا كبيرًا وقال عنهم المأمون: الإخوان ثلاث طبقات: طبقة كالغذاء لا يستغنى عنه أبدًا، وهم إخوان الصفا، وإخوان كالدواء يحتاج إليهم في بعض الأوقات، وهم الفقهاء. وإخوان كالداء لا يحتاج إليهم أبدا، وهم المنافقون.

عندما تقرأ رسائل إخوان الصفا تدرك أنهم كانوا متأثرين بالمنطق اليوناني تأثرًا كبيرًا بجانب الطب والهندسة، إضافة إلى دعوتهم إلى المنهج الإسماعيلي.

يرى إخوان الصفا أن للتطور غاية، وأنه حدث على مر الدهور والأزمان، كما أنه لم يكن عشوائيًا فيقولون في رسائلهم: “لكل كون ونشوء غاية أولا وابتداء، وله غاية ونهاية إليها يرتقي ولغايتها تمرة تجتني”.

فالأمور عندهم تبدأ من البسيط وتنتهي إلى المعقد: “والموجودات الجزئية دائمة في الكون متوجهة نحو التمام، لأنها تبتدئ بالكون من أنقص الوجود متوهجة إلى أتم الوجود… ويكون ذلك في مر الأزمان والأوقات”.

وبالنظر إلى نظرة إخوان الصفا سنجد أنهم متأثرون بأمور شتى أهمها القرآن الكريم وحاولوا الربط بينه وبين العلوم التي توصلوا إليها وبأفلوطين ونظرية الفيض وأنهم آمنوا بوحدة الوجود.

علاوة على تفسيرهم لمصطلحات دينية تفسيرًا علميًا مثل التدريج في خلق الكون جاء من قوله تعالى: “خلق السموات والأرض في ستة أيام”.

ورتبوا نظام العالم وفقًا للأشرف: (عالم الأرواح ثم الأفلاك ثم الأركان الأربعة ثم ما يخرج عن هذه الأركان من كائنات أو ما يسمونه بالمولدات).

وعن تطور النبات فهو عندهم متقدم في الوجود على الحيوانات في الزمن، وبالنسبة للحيوان فهم صنفوه أيضًا حسب البساطة والتعقيد، والمعيار هنا هو الحواس، فالحيوان الأقل حواسًا هو المتقدم، فمثلًا يضعون الأميبا في المرتبة الثانية والمرتبة الرابعة الحشرات، والمرتبة الخامسة هي الحيوان كامل الحواس، ويقولون عن الإنسان في هذه المرتبة:

“رتبة الإنسانية لما كانت معدنًا للفضائل وينبوعًا للمناقب لم يستوعبها نوع واحد من الحيوان، ولكن عدة أنواع، فمنها ما قارب رتبة الإنسانية بصوره جسده مثل القرد، ومنها ما قارب بالأخلاق النفسانية كالفرس ومثل الفيل في ذكائه”.

كما أنهم ذكروا أن غريزة البقاء هي المسيطرة:

“واعلم أنك إذا أمعنت النظر وجودت البحث عن مبادئ الكائنات وعلة الموجودات علمت وتيقنت أن هاتين الحالتين أعني شهوة البقاء وكراهية الفناء، أصل وقانون لجميع شهوات النفس المركوزة في جبلتها وأن تلك الشهوات المركوزة في جبلتها أصول وقوانين لجميع أفعالها وصنائعها ومعارفها في متصرفاتها”.

ثالثًا – مسكويه

وعند الحديث عن فكرة التطور عند فلاسفة الإسلام نذكر مسكويه المتوفى 421 هـ، 1030 م، مؤرخ وباحث، اشتغل بالفلسفة والكيمياء والمنطق والتأريخ والأدب، ألف كتبا منها (تجارب الأمم وتعاقب الهمم)، و(تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق) في علم النفس.

قسَّم مسكويه النبات إلى ثلاث مراتب يتطور خلالها النبات، وقسَّم الحيوانات إلى خمس مراتب حسب عدد الحواس، فالمرتبة الأولى في الحيوان هي ما يرتبط بحاسة واحدة وهي اللمس، وتطابق مع إخوان الصفا في المرتبة الخامسة حيث الحيوان ذو الحواس الخمس، لكنها تنقسم إلى البليدة الجافية والذكية اللطيفة.

وعندما تحدث عن الإنسان أخبرنا مسكويه أن الإنسان الكامل هو مرحلة أرقى مما سبقها من مراحل، وأن تطوره ليس تطورًا بيولوجيا ولكنه خاص بملكات الإنسان وقواه العقلية وذكائه.

رابعًا – ابن خلدون

كانت نظرة ابن خلدون الاجتماعية هي محركه الرئيس في نظرته إلى التطور، فهو يقول:

“إنا نشاهد هذا العالم بما فيه من المخلوقات كلها، على هيئة من الترتيب والإحكام وربط الأسباب بالمسببات واتصال الأكوان بالأكوان”.

وهو أول من تحدث عن الاستحالة، أي التحول فيقول:

نشاهد هذا العالم بما فيه من المخلوقات كلها على هيئة من الترتيب والإحكام وربط الأسباب بالمسببات واتصال الأكوان بالأكوان واستحالة بعض الموجودات إلى بعض”.

ويلخص رؤيته حول الاستحالة بأن الوجود كله في عوالمه البسيطة والمركبة على ترتيب طبيعي من أعلاها وأسفلها متصلا كلها اتصالا لا ينخرم، وأن الذوات التي في آخر كل أفق من العوالم مستعدة لأن تنقلب إلى الذات التي تجاورها من الأسفل والأعلى استعدادًا طبيعيًا كما في العناصر الجثمانية البسيطة وكما في النخل والكرم من آخر النبات مع الحلزون والصف كما في القردة التي استجمع فيها الكيس والإدراك مع الإنسان صاحب الفكرة والروية، وهذا الاستعداد الذي في جانبي كل أفق من العوالم هو معنى الاتصال فيها.

وفي النهاية.. بذل الدكتور مجدي عبد الحافظ جهدًا كبيرًا مخرجًا لنا أهم الأفكار التي تحدثت عن التطور عند فلاسفة الإسلام قبل دارون مفسرًا إياها ومبينًا كيف اقتربت من نظرية التطور الدارونية، وهذا دليل قوي على أن العالم تنتقل الأفكار بينه وأن العقل الإنساني يفكر في قضايا قد تكون متشابهة ومتكررة عبر الزمن إلى أن يتطور الزمن ويتطور العلم فيساعد العالِم وقتها على الوصول إلى نقطة لم يصل إليها من قبله.

اقرأ أيضًا للكاتب د. محمد أبو عوف:

الصعلكة والفتوة: ظواهر لمعت واختفت في الثقافة العربية

مثنوي لمولانا جلال الدين الرومي: ما دام قلبك قد تعلم إشعال الشموع

إشكالية ابن رشد الفيلسوف المظلوم: كيف استفاد الغرب من فلسفته دون العرب؟

1

شاركنا رأيك حول "كيف رأى فلاسفة الإسلام نظرية التطور في الكون قبل داروين؟"