الأزمات - الجوع
0

عندما نفكّر في بعض الكوارث أو الأزمات، كالحروب أو النزاعات أو المجاعات، فإنّ أول ما يخطر في البال هو صورة أناسٍ تعساء فقراء يتعذبون ويعانون بئس المصير، لكن ماذا عن الوجه الآخر للصورة! ألا يوجد أشخاص يجنون أرباحًا هائلة من هذه الأزمات، ألا يوجد مَن يحقق منها مكاسب كبيرة سواء سياسية أو عسكرية أو اقتصادية!

لن نتحدث في هذا المقال عن آثار الأزمات على الناس العاديين، وما سببته من فقر وأسى، بل سنبحث عمّن يستفاد من هذه الأزمات إلى الحد الذي يدفعه إلى اختلاقها، أو على الأقل إلى ضمان استمرارها إلى أمدٍ طويل.

اقرأ أيضًا: بعض أهم الإبادات الجماعية في القرن العشرين: ما بين الدوافع والتنفيذ والشرعنة

“الاسترزاق” من الأزمات والحروب

رغم تكاليف الحروب الباهظة من مئات مليارات الدولارات، وآلاف القتلى والجرحى، والإصابات الجسيمة في الحريات المدنية والاقتصادية، إلا أنّ فوائدها تذهب بشكل شبه كامل إلى أيدي قلة من القادة السياسيين، وأنصارهم من بين النخبة الحاكمة، ورفاقهم في القطاعات الصناعية والعسكرية والمالية والنفطية.

الجوع - الأزمات

إذ تزدهر العديد من الشركات نتيجة الحروب والنزاعات، سواءً كانت تزوّد المقاتلين بالأسلحة والمعدات العسكرية، أو تلك التي تدير جيوش المرتزقة نيابةً عن الدول المقاتلة، أو الشركات التي تأجج الصراع من خلال عملياتها في مناطق الحرب، كشركات النفط في البلدان المضطربة مثل كولومبيا والعراق، وتجارة السلع مثل “الماس الدموي”، كما يستفيد آخرون من تمويل المجهود الحربي.

وهنا لا بدّ أن نتساءل، هل تتمنى هذه الشركات أو الصناعات أن تنتهي الحروب يومًا! أو هل يا ترى تسعى إلى اختلاق الأزمات والنزاعات لتحقيق المنافع! قد يساعدك الاطلاع على أرباح الشركات التي تعتاش من الحروب في الفقرة التالية، في تكوين إجابة منطقية عن هذه التساؤلات. فماذا تحقق بعض الشركات من أزمات الحروب؟

شركات الأسلحة

تجارة الحروب تجارة مربحة جدًّا وهي تزدهر يومًا بعد يوم، ففي عام 2011 وحده، باع 100 متعهد كمية من الأسلحة والخدمات العسكرية بقيمة 410 مليار دولار. عشر شركات فقط من هذه المئة وصلت مبيعاتها لأكثر من 208 مليار دولار.

الأزمات - الجوع
صناعة الأسلحة

سنستعرض فيما يلي بعض الشركات العالمية الأكثر استفادةً من الحروب، بناءً على عائدات بيع الأسلحة عام 2017 (لم يتم النظر في الشركات الصينية بسبب نقص البيانات):

  1. شركة لوكهيد مارتن (LMT): شركة أمريكية، بلغ إجمالي مبيعاتها من الأسلحة (44.9 مليار دولار)، وحققت ربحًا إجماليًا قدره (2 مليار دولار).
  2. شركة بوينج (BA): شركة أمريكية، بلغ إجمالي مبيعاتها من الأسلحة (26.9 مليار دولار)، وحققت ربحًا إجماليًا قدره (8.2 مليار دولار).
  3. شركة بي أي إي سيستمز (BAE)، المملكة المتحدة: بلغ إحمالي مبيعاتها من الأسلحة (22.9 مليار دولار)، وحققت ربحًا إجماليًا قدره (1.1 مليار دولار).
  4. جنرال ديناميكس (GD): شركة أمريكية، بلغ إجمالي مبيعاتها من الأسلحة (19.5 مليار دولار)، وحققت ربحًا إجماليًا ربح قدره (2.9 مليار دولار).
  5. رايثيون (RTN): شركة أمريكية، بلغ إجمالي مبيعاتها من الأسلحة (23.9 مليار دولار)، وحققت ربحًا إجماليًا قدره (2 مليار دولار).
  6. شركة نورثروب غرومان (NOC): شركة أمريكية، بلغ إجمالي مبيعاتها من الأسلحة (22.4 مليار دولار)، وحققت ربحًا إجماليًا قدره (2 مليار دولار).
  7. مجموعة إيرباص Airbus Group: شركة أوروبية، بلغ إجمالي مبيعاتها من الأسلحة (11.3 مليار دولار)، وحققت ربحًا إجماليًا قدره (3.3 مليار دولار).
  8. شركة طاليس Thales: شركة فرنسية، بلغ إجمالي مبيعات الشركة من الأسلحة (9 مليار دولار)، وحققت ربحًا إجماليًا قدره (931.1 مليون دولار).
  9. شركة ليوناردو Leonardo: شركة إيطالية، بلغ إجمالي مبيعاتها من الأسلحة (8.9 مليار دولار)، وحققت ربحًا إجماليًا قدره (310.3 مليون دولار).
  10. شركة ألماز أنتي Almaz-Antey: شركة روسية، بلغ إجمالي مبيعات الأسلحة (8.6 مليار دولار)، وحققت ربحًا إجماليًا قدره (422.6 مليون دولار).الجوع - الأزمات

الشركات الأمنية والعسكرية الخاصة

هي شركات تجارية خاصة تقدّم خدمات أمنية و/ أو عسكرية، عن طريق إبرام العقود مع حكومات بعض الدول. سطع نجم هذه الشركات بعد أن قامت الولايات المتحدة الأمريكية بإضفاء الشرعية على المرتزقة واستخدمتهم بكثرة، خصوصًا بعد إعلان “الحرب على الإرهاب” وغزو أفغانستان والعراق. وقد أصبحت اليوم كيانات مؤسساتية مترامية الأطراف، تجني أرباحًا هائلة من استغلال الحروب والنزاعات حول العالم. وعلى الرغم من سجلها الطويل الحافل بالربح من الحرب والنزاع وانتهاكات حقوق الإنسان، إلا أنّ هذه الشركات الخاصة لا تزال غير خاضعة للمساءلة القانونية.

اقرأ أيضًا: خالد حسيني أديب ترك أفغانستان ولم تتركه أبدًا لتتجلى ذكرياته عنها في رواياته

الأزمات - الجوع
BLACKWATER إحدى الشركات الأمنية الخاصة

لا يحبّ العاملون في هذه الصناعة وعملاؤهم وبعض الخبراء تسميتهم بالمرتزقة، بسبب وصمة العار المرتبطة بهذا الاسم، لذا يطلقون على أنفسهم مسميات عدّة مثل “شركات الأمن الخاصة” أو :الشركات العسكرية الخاصة” أو “مقدميّ الخدمات العسكرية” أو “متعهدو العمليات” أو “متعهدو الطوارئ” وغيرها من الأسماء.

تزايد الطلب على خدمات هذه الشركات وزاد عملاؤها، على سبيل المثال: شركات النفط التي تبحث عن الحماية وحراسة مواقع الحفر الخاصة بها ضد الميليشيات، أو المنظمات الإنسانية التي تحمي عمالها في مواقع عملها الخطرة، أو خطوط الشحن التي تدافع عن سفنها ضد القراصنة، بعض حكومات الأقلية التي تحتاج قوة احترافية، البلدان التي تشنّ حروبًا بالوكالة، الأنظمة التي تخوض حروبًا أهلية، حروب العصابات التي تريد القتال، فائقيّ الثراء لأسباب قد لا تخطر في البال.

الأزمات - الجوع

وإن كنتم تظنون أنّ مثل هذه الشركات لا تسعى أو تتمنى اختلاق الأزمات والنزاعات كي تحصّل الأرباح، إليكم قيم بعض العقود التي أبرمتها بعض هذه الشركات في دولة العراق فقط حسب موقع WSWS.ORG:

  • نفذّت شركة “Global Risk Strategies” عام 2003 عقدًا بقيمة (28 مليون دولار) لتنظّم عمليات تحوّل آمنة لعُملة العراق من عُملة النظام السابق.
  • أبرمت شركة “DynCorp” الأمريكية عام 2004 عقدًا بقيمة (50 مليون دولار) لتدريب ضباط الشرطة العراقية.
  • كان لدى شركة “Vinnell” التابعة لشركة “Northman Grumman” عام 2004 عقدًا بقيمة (48 مليون دولار) للمساعدة في تدريب جيش عراقي جديد.
  • أبرمت شركة “USA Environmental” والتي تمتلك فرقًا من خبراء الأسلحة والمتفجرات في العراق عقدًا بقيمة (65 مليون دولار) لجمع وإتلاف الذخائر غير المتفجرة عام 2004.
  • تمتلك شركة “Erinys” وهي شركة بريطانية وجنوب إفريقية، عقدًا سنويًا يزيد عن (100 مليون دولار) لتوفير الأمن في منشآت النفط وخطوط الأنابيب العراقية.
  •  قدّر ديفيد كلاريدج وهو مدير إحدى الشركات الأمنية في لندن، أنّه حتى عام 2004، فإنّ العقود المبرمة في العراق قد عززت إيرادات الشركات العسكرية الخاصة والتي تتخذ فقط من بريطانيا مركزًا لها من (320 مليون دولار) إلى أكثر من (1.7 مليار دولار).

الربح من صناعة الجوع

هل يمكن أن يتحول التجويع إلى صناعة؟ أو لنقل، ماذا يحقق البعض من المجاعات إلى الحد الذي يجعلهم يقتلون مئات الألوف جوعًا؟

تم تصنيف المجاعات على مرّ التاريخ على أنها ظاهرة طبيعية، أو أثر جانبي مؤسف للنزاعات أو القمع السياسي، حيث تتلاشى أسماء وأعداد الضحايا في خلفية المشهد، وتبقى المجاعة كآثار ضبابية لأهوال التاريخ. لكن وضع المجاعة الجماعية ضمن هذا السياق هو أمر غير دقيق، بل وفيه ظلمٌ كبير للضحايا.

الأزمات - الجوع

مفهوم المجاعة أو بشكل أدقّ “الموت جوعًا”، هو الحرمان من الطعام حتى الموت، وغالبًا ما يكون السبب المباشر للوفاة في هذه الحالة هو نتيجة الأمراض المعدية وليس نتيجة الجوع بحد ذاته. يستغرق الأمر حوالي شهرين حتى يموت شخص بالغ سليم سابقًا بسبب الحرمان من الطعام، وخلال هذه الفترة يتوقف الجسم والعقل عن العمل ببطء.

إلا أن ما نقصده بالمجاعة في هذا المقال هو عملية التجويع، وهو ما يحدث عندما يعيق الفاعلون قدرة الناس المستهدفة على الوصول إلى وسائل الحفاظ على الحياة، أي الجوع الناتج عن بعض الأفعال والتي تؤدي عندما تُرتكب على مدى فترة طويلة إلى حدوث مجاعة جماعية، سواء على مستوى مجتمعات أو أمم أو طبقات أو سكان.

ينتج هذا الجوع عادةً عن قرارات القادة، والتي تخدم أهدافًا سياسية أو عسكرية أو اقتصادية، وفيما يلي سنناقش بعضًا من الأهداف التي يمكن تعزيزها من خلال المجاعة الجماعية، كما سنذكر أمثلة تاريخية على كلٍ منها.

أهداف التجويع

يمكن أن تحقق أعمال التجويع بخلاف القتل أهدافًا استراتيجية أو تكتيكية عديدة، على سبيل المثال: يمكن أن تخلق جرائم التجويع التي ترتكب أثناء الحصار فرصًا للربح من السكان، أو طريقة للعقاب، أو طريقة لطرد السكان، أو وسيلة مباشرة للسيطرة عليهم، كما يخلق التحول الاجتماعي والاقتصادي فرصة لاستخدام الجوع بشكل انتقائي ضد المجتمعات التي يشتبه بعدم ولائها. بشكل عام، يمكن لاختلاق أزمة الجوع أن تحقق أهدافًا مثل:

اكتساب السيطرة الإقليمية “استسلم أو تضوّر جوعًا”

يتم اختلاق أزمة الجوع هنا عن طريق حصار منطقة مأهولة معينة، والذي يُعتبَر جزءًا من إجراء عسكري بغية اكتساب السيطرة الإقليمية. ونظريًا، يمكن تطبيق الحصار بشكل قانوني، عندما يفشل الجناة في التمييز ما بين السكان المدنيين والعسكريين المحاصرين، لكن أعمال الحرمان التي تحصل قد تتطور إلى جرائم تجويع.

الجوع - الأزمات
استسلم أو تضوّر جوعًا!

وقد يستمر الحصار ما دام أحد الطرفين أو كلاهما على استعداد لإعطاء الأولوية للأهداف السياسية أو العسكرية على حساب الوضع الإنساني للسكان المحاصرين. أما الأمثلة التاريخية فالحروب البشرية غنية بها، مثل حصار لينينغراد (1941-1944)، الحصار الروسي للعاصمة غروزني في الشيشان (1999)، حصار حكومة ميانمار لمجتمعات الروهينجا (2017).

اقرأ أيضًا: حصار لينينغراد: علماء اختاروا الموت جوعًا بالرغم من وجودهم داخل أكبر مخزن للطعام!

تحقيق الربح من خلال السيطرة على الأراضي واستخراج الثروات

عندما يتم تحقيق الأرباح من خلال السيطرة على الأرض، مثلما يحصل في حالات الاستعمار والاستيطان، فإنّ تجويع الناس لإجبارهم على النزوح هو السياق السائد. ومن الأمثلة القديمة على هذه الأزمات هو ما حصل في أمريكا الشمالية وأستراليا؛ حيث قام المستوطنون بشنّ الهجمات ضد السكان الأصليين وتدمير الزراعة والمنازل بغية تشريد السكان المحليين والاستيلاء على أراضيهم. وفي الزمن المعاصر، فإنّ اختلاق مثل هذه الأزمات ليس غريبًا عن المشهد، مثلما حصل في الصومال (مجموعات البانتو الصومالية)، وفي ميانمار، حيث قامت الحكومة بمحاصرة بلدات الروهينجا بالتزامن مع تنفيذ أعمال العنف لإجبار الناس على النزوح.

الجوع - الأزمات
تجويع الروهينجا

نوّد هنا أن نوضح بعض “منافع أزمة التجويع” كمثال ليس غريبًا ربما، وهو ما حصل في دارفور المدينة السودانية، إذ اتبعت الحكومة في الثمانينات استراتيجية مريبة في التعامل مع بعض المتمردين، فقامت بتسهيل الأمر لبعض الميليشيات المحلية الأُخرى، لتقوم بمهاجمة القرويين، وتدمير آبار المياه والمخزونات الزراعية، مما ترك السكان المدنيين أمام حلول قليلة بخلاف الفرار.

أدت هذه الهجمات حسبما أشارت إليه الأدلة إلى مقتل 30,000 شخص مباشرة، بالإضافة إلى موت 200,000 شخص آخر بسبب النزوح الجماعي والجوع والمرض، ولولا المساعدات الإنسانية لفاقت أعداد القتلى ذلك بكثير. ما كسبته الحكومة من هذه الأزمة المُختلقة والتي تعتبر شكلًا من أشكال مكافحة التمرد، أنها قامت بتقليص عدد السكان المدنيين المستهدفين في جنوب السودان عن طريق المجاعة، وأتاحت للمليشيات أن تدفع لنفسها لقاء “أتعابها” عن طريق الاستيلاء على الأراضي ومصادرة الملكيات، كما استطاعت الحكومة أن تجادل وتدّعي أن لا نفوذ لها على أعمال الميليشيات.

السيطرة على السكان

قد يكون هدف الجاني من خلال اختلاق أزمة الجوع هو مكافحة التمرد وتقليل قدرة المجموعة على مقاومة سياساته. حيث تؤدي السياسات المصممة ظاهريًا للسيطرة على السكان المدنيين وفصلهم عن الجماعات المسلحة، سواءً أثناء مكافحة التمرد أو ما بعد الاستعمار أو الحرب الباردة، والذين يتم فصلهم في مخيمات أو في معسكرات إعادة التوطين، ثم تصبح هذه المعسكرات بيئة حاضنة مناسبة لجرائم التجويع.

وهذا ما نصح به الكولونيل البريطاني “تشارلز كالويل” زملاءه الضباط الاستعماريين في كتابه “الحروب الصغيرة”، بأنّ السيطرة على الجماعات المتمردة تتطلب استعمال بعض الأساليب المعينة، مثل حرق المحاصيل والقضاء على الماشية. ونذكر من الأمثلة التاريخية هنا، ما حصل في حرب الأنجلو بوير (1899-1902)، حيث أجبرت القوات البريطانية السكان المدنيين على التجمع في أماكن محصورة للسيطرة على مواطنيهم المسلحين.

توفي في هذه المعسكرات 20،000 من البوير و 12،000 أفريقي. ثم عادت وظهرت هذه المعسكرات مرة أُخرى في الحروب الاستعمارية البريطانية في كينيا، والترحيل القسري أثناء الحرب الأهلية الموزمبيقية (1976-1992)، و”مخيمات إعادة التوطين” في إثيوبيا (1984-1988).

الأزمات - الجوع

وبالطبع فإنّ السيناريو يتكرر ذاته في كلّ الحالات المذكورة؛ إذ يتم إجبار سكانٌ ريفيون على مغادرة منازلهم وأعمالهم قسرًا إلى أماكن سيئة التجهيز والإدارة، ويتم تدمير محاصيلهم ومخازن الغذاء، وتعطيل سبل العيش الحالية، بالتالي يصبح السكان المحتجزين معتمدون بالكامل على السلطات لإمدادهم بالمواد الأساسية.

وعلى الرغم من أنّ الهدف العام للسياسة المتبعة في هذه الحالة هو فصل المدنيين عن العسكريين أو عن المتمردين، وزيادة قدرة الجيش على منع السكان من إمداد المجندين المقاتلين، وتمكين المراقبة الدقيقة وجمع المعلومات الاستخباراتية، إلا أنّ سياسات الفصل هذه تُنفَّذ على عجل، مع عدم كفاية الاستعدادات، وعدم توفر الاحتياجات الأساسية للمدنيين، بالإضافة إلى انتشار حالة الخوف وانعدام الثقة ما بين المحتجزين وآسريهم. بالتالي، يحصل ما يحصل عادةً في مثل هذه الظروف، من نقص الغذاء والماء والرعاية الصحية، إلى الانتهاكات والقتل والتعذيب.

اقرأ أيضًا: صدّر القمح للخارج ومات الناس في أوكرانيا جوعًا.. حكاية مجاعة أوكرانيا وديكتاتورية ستالين

تطبيق العقوبات للحصول على تنازلات

في بعض الحالات، يتم تطبيق سياسة الحرمان من أجل تغيير الحسابات السياسية لمجموعة الضحايا، وهنا لا يحصل استيلاء على أيًا من الأراضي أو السكان المدنيين، وإنما يتم الحرمان على شكل عقوبات واسعة النطاق أو حصار واضطهاد كشكل من أشكال العقاب الجماعي.

أصبحت العقوبات الاقتصادية طريقة جذابة للدول القوية في نهاية الحرب الباردة، وذلك بعدما أتاح مجلس الأمن الدولي إمكانية تمرير أنظمة عقوبات شاملة. وعلى ما يبدو، فإنّ هذه الطريقة تعتبر أداة قوية منخفضة التكاليف من أجل التغيير السياسي في مكان ما.

من الأمثلة على ذلك، العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية على العراق (1991-1996)، حيث كان الهدف “المُعلن” من هذه العقوبات هو إجبار حكومة صدام حسين على الامتثال لقرارات الأمم المتحدة التي تطالب بتدمير أسلحته البالستية والكيميائية والنووية الناشئة، وإنهاء دعم الإرهاب، ودفع تعويضات لديون الكويت. وقد أشارت العديد من التقارير المستقلة عن آثار العقوبات على السكان المدنيين، وارتفاع معدل وفيات الأطفال، وازدياد نسبة سوء التغذية عند الأطفال ممن دون الخامسة بنسبة 72% حسب تقارير اليونسيف، ومع ذلك فقد تم تجاهل هذه التقارير جميعها.

وعندما سُئِلت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت عن التقارير التي تفيد بموت نصف مليون طفل عراقي بسبب العقوبات، أجابت: “أعتقد أن هذا خيار صعب للغاية، لكن الثمن، نعتقد أن الثمن يستحق ذلك”. وبعد خمس سنوات من فرض العقوبات، بُذِلت الجهود من أجل تخفيف الآثار الضارة للعقوبات على السكان المدنيين، من خلال برنامج “النفط مقابل الغذاء” التابع للأمم المتحدة.

أما المثال الآخر، هو الحصار الذي فرضته الحكومة الإسرائيلية على غزة منذ 2007 وحتى اليوم، والتي تفرض قيودًا على المواد والبضائع الداخلة إلى غزة، من أجل خلق المستوى الأنسب من المعاناة الإنسانية بين السكان لفرض تغيير سياسي. وضّح مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت هذه الفكرة عام 2006، فيما يتعلق بالسيطرة على البضائع المتدفقة إلى غزة، فقال: “الفكرة هي تطبيق حمية غذائية “دايت” على الفلسطينيين، ولكن دون جعلهم يموتون من الجوع”.

وتَعتبر حكومة الاحتلال أنّ هذه القيود مشروعة ومبررة لمنع العنف الناشئ من داخل غزة أو الردّ عليه، لكن القيود تتضمن إجراءات عقابية واسعة النطاق، تحد من إمدادات الكهرباء والمياه، وتحد من الفرص التعليمية والاقتصادية وإمكانية الوصول إلى الرعاية الصحية، وتديم الفقر في القطاع.

يوّضح هذان المثالان ما يحصل من مقايضات صريحة بين الشواغل الإنسانية والسياسية التي تفرضها العقوبات الشاملة.

الأزمات - الجوع

وبالطبع وفي النهاية، فإنّ الجوع قد لا يعني فقط عدم توفر الغذاء، فبالنسبة للسكان الذين يعتمدون على شراء الغذاء، فإنّ الانهيار الاقتصادي الذي تسببه الحرب المتواصلة كما في اليمن وجنوب السودان، قد يخلق ظروفًا يتوافر فيها الغذاء، لكن أسعاره لا تمكّن الناس من الحصول عليه.

اقرأ أيضًا: الرأسمالية: بعد أن حولت الشيوعية إلى أضحوكة وأصبحت قيمة العمل في جني المال!

0

شاركنا رأيك حول "صناعة الجوع: هل يمكن أن يتحول اختلاق الأزمات إلى صناعة رابحة!"