الفيزياء في منازلنا
2

لماذا لون السّماء أزرق؟ لماذا لا نرى في الظلام؟ كيف يزيد طول النباتات؟ لماذا لا تغرق السفن الضخمة؟ كيف يعمل المبرد الكهربائيّ؟ لماذا تتشكل أمواج في النهر عند رمي الأحجار؟ في كلّ ظاهرة من الظواهر التي تحيط بنا يكون للفيزياء حضور بارز، وعلى كلّ تساؤل يطرأ في أذهاننا تأتي الفيزياء لتبحث في الأجوبة والحلول! إنّها ببساطة محاولةٌ جادّةٌ لفهم كيفية عمل الكون!

انظر عاليًا إلى السّماء، اجعل لكلّ ما تراه معنى، وتساءل دومًا عمّا يجعل الكون موجودًا.. كن فضوليًّا! — ستيفن هوكينغ

اقرأ أيضًا: الكون الخادع: خدع كونية نقع ضحايا لها يومياً بسبب الفيزياء

الفضول إذًا، هو أساس الفيزياء والمحرّك نحو الأسئلة، والمعرفة والبحث في أصول الأشياء وكيفية عملها..
ولأنّ هذا العلم يتحكّم في حياتنا، بكل تفاصيلها فإنّ هذا المقال هو مقاربةٌ لمعرفة وفهم نواحي الفيزياء التي تعمل في منازلنا من صوت المنبه إلى سحر الكهرباء.

الفيزياء في منازلنا: هل هي حقًّا مجرد معادلات رياضية جامدة؟!

قوانين نيوتن عن التسارع الحركي ورد الفعل والجاذبية، القانون الأول والثاني في الديناميكا الحرارية، قوانين التدفق في ميكانيكا الموائع، معادلة شرودينجر الموجية، معادلة أينشتاين الدامجة بين الكتلة والطاقة، ترميزات ديراك، وغيرها من الكتابات الرياضية التي تجعلك تظنّ أنّ الفيزياء مجرد مزيجٍ مملّ من أدوات الرياضيات، وتجعلك تملّ منها هي في الحقيقة ليست كما تبدو عليه.

إنّ أحد الأسباب الرئيسية لهذا الحكم المسبق يعود أساسًا إلى الكيفية التي تمّ بها تلقين هذا العلم الممتع جدًّا لك: إذا كنت سيئ الحظ كفاية ليكتفي معلمك بكتابة خربشات رياضية غير مفهومة على اللّوح من دون شرح للظاهرة ولا تأمّلٍ لها، فعزاؤك أنّه موصوف بالمجرم أصلًا:

الأساتذة الذين يجعلون من الفيزياء مملة هم مجرمون. — والتر لوين

فالرياضيات ما هي إلا أداةٌ مترجمةٌ لهذه الظواهر، تتلخص في معادلة أو قانون موضح للعلاقة بين العوامل المشاركة في الظاهرة، وتجعل منها صالحة مهما تغيرت تلك العوامل.

وبغرض الاقتراب أكثر من الفيزياء كجزء أساسي في الحياة، فقد اخترنا أن ندرسها في المنزل ببعض الأمثلة:

عن الصوت: في المنبه والبيانو وجميع زوايا المنزل

الفيزياء في منازلنا

ابتداءً من اللّحظةِ التي تستيقظ فيها بالاستعانة بصوت المنبه، إلى اللّحظة التي تستمتع فيها بالبيانو، تأتي الفيزياء لتفسر لنا معنى هذا الصوت، وماهيته، ومصدره وكيفية تشكله.

يُعرف الصوت بأنه عبارةٌ عن موجةٍ أو اهتزاز ميكانيكيّ للوسط الموجود، يمتلك القدرة على الانتقال في وسطٍ ماديّ مثل السوائل والغازات وحتى الأجسام المادية؛ لأنّك تستطيع سماع أمّك التي تناديك من المطبخ لتناول الغداء، مما يدل على أنّ الصوت قد انتقل عبر الجدار كذلك، غير أنه لا ينتشر في الفراغ.

وهو شكلٌ من أشكالِ الطاقة التي يتمّ تحويلها بعد بذل جهدٍ ما؛ ولشرح هذه الفكرة أكثر، تخيل يا صديقي أنّك في صدد تشجيع فريقك الرياضي المفضل عن طريق التصفيق، هذا التصفيق الذي يصدر صوتًا بعد بذل جهد أو لنَقل طاقة حركية، والتي تحولت بدورها إلى هذه الطاقة المتشكلة على شكل موجة (أو اضطراب في الوسط) والمعروفة بالصوت.

الفيزياء في منازلنا
رسم مقارب للأمواج الصوتية.

إنّك الآن تحس بضيق شديد، وتريد الاسترخاء بالسماع إلى الموسيقى: الصوت المنبعث من الكمان، والبيانو، والطبل وحتى المزمار، كله يأتي بمبدأ تحويل الطاقة من شكل إلى شكل آخر.

تبلغ سرعة الصوت في الهواء 343 متر/ثانية وهناك عدة عوامل تتحكم فيه وفي سرعته ومروره، كطبيعة المادة التي يمرّ فيها وكثافتها، ودرجة الحرارة.

الحنفية: أين ترى التدفق والضغط وقوانين نيوتن!

الفيزياء في منازلنا

بعد أن استيقظت أخيرًا بفضل صوت المنبه وصرت ممتنًّا للفيزياء التي ساعدتك على ألاّ تتأخر عن عملك، حان الوقت الآن لتفتح الحنفية وتغسل وجهك.

تُعرف الظَّاهرة التي تصف انسياب الماء من الحنفية بالتدفق- flow وتساعدنا على وصف كمية المياه المارّة عبر الأنبوب، فكلما زاد عدد الأجهزة أو المنازل التي تستقبل المياه من أنبوب إمداد بقطر صغير، كلما كان معدل التدفق أقل مما لو كان قطر الأنبوب أكبر.

لذلك، إذا تم فتح العديد من الحنفيات أو الأجهزة في نفس الوقت، فلا داعي للتذمر من أفراد عائلتك، والاعتقاد أنهم السبب في التدفق المنخفض للمياه لأنّه لا دخل لهم بما أنّ الأمر متعلق بأنبوب الإمداد.

السّؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: ما العامل الذي أدى بالمياه إلى التدفق أصلًا؟

سأختصر عليك الإجابة بهذه الكلمات: ضغط، احتكاك، قوة، قوانين نيوتن، وشكل الأنبوب.

يرتبطُ كلّ من ضغط المياه وتدفقه بالاحتكاك. سيؤدي الاحتكاك إلى إبطاء الماء أثناء تحركه عبر الأنبوب اعتمادًا على نسيج الأنبوب وقطره.

إذا كان ضغط الماء كافيًا، فكلّما كان الأنبوب أكثر نعومة قلّ الاحتكاك وأسرع انزلاق الماء خلاله. إذا كان هناك تدفق مياه فعّال فقد يتم تخفيف الاحتكاك في الأنابيب الأصغر بحيث يظل التدفق كبيرًا.

بشكل عام كلما زاد حجم الأنبوب وقل قطره زاد تدفق المياه، ومع ذلك يجبُ دائمًا أخذ مستوى ضغط الماء في الاعتبار. حتى الأنابيب الأكبر حجما والأكثر نعومة لن يكون لها تدفق فعال للمياه إذا كان ضغط الماء منخفضًا، لأنه لا توجد قوة كافية للتغلب على قوة الاحتكاك. وهنا بالذات تظهر قوانين نيوتن الثلاثة التي أسست لمفهوم القوى وكيفية عملها.

يدخل التدفق ضمن فرع يسمى بميكانيكا الموائع، ويعد الفيزيائي دانييل برنولي بمثابة الأب لهذا الفرع بفضل معادلته المعروفة بمعادلة برنولي.

اقرأ أيضًا:  هُـراء آينشتاين .. وأخطاء نيوتن !

الضوء: ذلك السّحر الذي قلب الفيزياء رأسًا على عقب!

الفيزياء في منازلنا

بعد خروجك من الحمام، فإنّك ستنتقلُ مباشرةً إلى غرفتك وتفتح النافذة من أجل دخول الضوء إليها، ستمسك بعدها قميصك أزرق اللون وتنظر إليه. في هذه المحطة بالذات سنتوقف معا لنتعرف على هذا الكائن الذي أسس لمفهوم ميكانيكا الكم في الفيزياء وقلب القوانين الكلاسيكية رأسًا على عقب.

القميص الأزرق الذي تراه الآن، يؤدي بعينيك ثمّ دماغك إلى جمع معلومات محددة عنه: شكله، لونه، وهل هو مناسب لجوّ اليوم المشمس أم لا، لكن كيف يحدث ذلك؟

يعرف الإغريق بأنّهم الأوائل الذين تساءلوا عن ماهية الضوء وكيفية عمله، واعتقد بعض الفلاسفة مثل فيثاغورس — Pythagoras وأفلاطون — Plato بأنّ العين هي مصدر الضوء، إذ تنبعث منها جسيماتٌ غير مرئية نحو الأجسام وهذا ما يؤدي بنا إلى رؤيتها.

كلّف هذا التفسيرُ البشرية آلاف السنين، حتّى جاء العالم الحسن بن الهيثم، ليفنّد هذا الطرح شارحًا بأنّ أشعة الضوء:

تصدر عن كلّ نقطة من نقاط الجسم، فتصل إلى العين وتنقل إليها وإلى المخّ صورة الشيء.

فطرح الحسن هو الذي مهّد لتفسير السؤال القائل: لماذا يأتي الظلام؟

رسمٌ مُتخيّلٌ لتجارب ابن الهيثم في الضوء.
رسمٌ مُتخيّلٌ لتجارب ابن الهيثم في الضوء.

جميعنا نعلم بأن بعض الأجسام، تعدّ في حد ذاتها منابع للضوء، مثل الشمس والمصباح الكهربائي. فمعظم الأشياء التي تراها، كقميصك الأزرق مثلًا، تقوم بعكس الضوء القادم من المنبع إلى أعيننا وهذا ما يجعلنا نراه.

  • لكن ممّ تتكون هذه “الأجسام” التي تنبعث من الشمس ثم تنعكس نحو أعيننا؟
  • هل هي جسيمات؟ أم إنّها عبارة عن موجات؟

هذا هو السؤال الذي أسّس لبنية ميكانيكا الكم، واستغرق مئات السنين للإجابة عنه.

رأى العالم إسحاق نيوتن بأنّ الضوء يتكون من جسيمات، فاستطاع بذلك تفسير بعض الظواهر كالانكسار الذي يجعل شعاعًا ضوئيًّا يبدو منكسرًا عند مروره من الهواء إلى الماء.

مع بداية القرن التاسع عشر، أتت مجموعة من التجارب، أشهرها تجربة الشقّ المزدوج، وفنّدت الطرح السابق:
تخيل معي شعاعين ضوئيين ينبعثان من مصدرين مختلفين، لو كان الضوء مكوّنًا من جسيمات فقط، لأدّى ذلك إلى اصطدامها ببعضها البعض، وبالتالي انتشار الضوء في اتجاهات عشوائية. لكنّ ما يحدث عكس ذلك؛ إذ نلاحظ تداخل الشعاعين معًا تمامًا كالتداخل الذي يحدث في أمواج الماء، وهذا من خصائص الموجات فقط لا الجسيمات.

من خلال أعمال نيلز بور، لويس دو بروي، وأينشتاين وغيرهم، تمّت البرهنة على ما يسمى بالطبيعة الازدواجية للضوء (موجة- جسيم) وهو أمرٌ ساحر جدًا إذا أردنا التفكير فيه بعمق، بل ودليل على أن الفيزياء التي تحكم الكون مليئة بالغموض.

اقرأ أيضًا:  تجربة الشق المزدوج .. التجربة التي تحوي ألغاز ميكانيك الكم

الحرارة والمكواة: المنقذة من مأساة يومية!

نعود إلى قميصك الأزرق دائمًا، هل تتذكره؟ لنفرض الآن أنّه مجعّد ويحتاج إلى كيّ، ولنقف قبل ذلك دقيقة صمتٍ على روح المخترع الأمريكي هنري سيلي الذي اخترع لنا المكواة وأنقذنا من مأساة.

تتكون المكواة الكهربائية من طبقة من معدن الميكا الذي يعدّ عازلًا لمرور التيار الكهربائي، غير أنّه ناقل جيد للحرارة، فعند وصول التيار الكهربائي إلى السلك الحلزوني المصنوع من النيكل- كروم، ترتفع حرارته فتنقل طبقة الميكا الحرارة إلى قاعدتها الخارجية.

فمبدأ عمل المكواة إذن يعتمد أساسا على الحرارة — Heat التي تعرف بأنّها شكلٌ من أشكال الطاقة المرافقة لحركة الجسيمات أو الذرات المكونة لجسمٍ ما.

أينما كان هناك اختلاف في درجة الحرارة، تنتقل الحرارة من الوسط الأعلى درجةً إلى الأدنى ويتم ذلك بعدة طرق مثل التوصيل- Conduction حيث يتم تبادل الحرارة نتيجة حركة الذرات والجزيئات المصطدمة ببعضها في الأجسام التي تتميز بأنها ناقلة جيدة للحرارة، أو الإشعاع- radiation مثل أشعة الشمس. كما يمكن أن تنتقل بالحمل Convection كما في حالة الموائع (غاز- سائل).

والآن، كيف يمكنك التنقل في غرفتك؟

وأنت تتنقّل في غرفتك، وتبحث عن أغراضك استعدادًا للعمل، عليك أن تكون ممتنًّا للقانون الأكثر أناقة: الجاذبية! فلولاها لكنت الآن تطير عاليًا (بل لكان الأمر أعقد).

ومع ذلك، تلعب قوانين نيوتن في الحركة دورًا أساسيًا هنا: القانون الثالث لنيوتن يقول بأنه لكل فعل رد فعل يساويه في الشدّة ويعاكسه في الاتجاه.

عندما تقوم بالمشي، فإنّ قدمك تطبق قوة على الأرض، لذلك ووفقًا لقانون نيوتن الثالث فالأرض بدورها ستطبق عليك قوة بنفس المقدار غير أنّها معاكسة في الاتجاه، هذه القوة مع قوة الاحتكاك المساعد على المشي، هي التي تدفعك إلى المشي.

لو كان السطح أملس، لدرجة تقل فيها الاحتكاكات إلى قرب الانعدام، لما استطعت المشي أبدًا.

كيف يمكن لقلم الحبر أن يعمل؟

قبل خروجك من المنزل، تحتاج إلى ورقة وقلم لكتابة ملاحظة ما، لكن هل تساءلت يومًا، كيف يستطيع القلم أن يعمل؟

بل هل لاحظت يومًا أنّك عندما تقوم بالكتابة على لوحٍ بوضعية قلم مائلة فإنه يتوقف شيئًا فشيئًا عن العمل؟
إنها الجاذبية مجدّدًا، القوة الجاذبة التي تطبق بين جميع الأجسام في الكون، والمساعدة لحبر السّيال الذي ينزل إلى الأسفل بفعلها على الكتابة. الأمر مدهش من جميع الجوانب، أليس كذلك؟

ماذا عن سحر الكهرباء؟

الفيزياء في منازلنا

هذا السحر يا صديقي منتشر في جميع أنحاء المنزل: من الثلاجة إلى المصابيح إلى الفرن الكهربائيّ. ويضمّ اسمُ الكهرباءِ جميع الظواهر التي تنشأ بفعل شحنةٍ كهربائية، كالتيّار الكهربائي المستعمل في منازلنا والناتج (عمومًا) عن انتقال للإلكترونات (أكثر الشحنات الكهربائية شيوعًا) إلى ظاهرة الصاعقة التي كانت مصدر الفضول الدائم عند الفيزيائيّ نيكولا تيسلا الذي قال:

لا يمكنني أن أعبر لكم عن مدى تأثير هذه الظاهرة في طفولتي. يومًا بعد يوم، صرتُ أسأل نفسي عن ماهية الكهرباء، ولم أجد لذلك جوابًا. لقد مرّت 18 سنة وأنا أحاول جاهدًا إيجاد الجواب، لكنّي لم أستطع بعد.

يمكن للكهرباء أن تنشأ عن طريق التحويل الطاقيّ، كتحويل الطاقة الحركية إلى طاقة كهربائية وهو المبدأ الذي تعمل عليه جميع الطاقات البديلة لتوليد الكهرباء كطاقة الرياح، والطاقة المائية.

منذ اختراع إديسون للمصباح الكهربائيّ، إلى اختراع التلغراف الكهربائيّ على يد وليام كوك وتشارلز وتستون، بدأت تظهر بعدها تطبيقات حقيقية فعلية للكهرباء على أرض الواقع لتهيمن على جميع مجالات الحياة.

الحقيقة أنّ مجالات الفيزياء في منازلنا وأوساطنا أوسع من كل ذلك، وبإمكاننا أن نلاحظ صداها في كل مكان: من الحمامات إلى  سماعات الأذن إلى الحواسيب ثم أحزمة الأمان في السيارات التي تعمل بمبدأ العطالة، إلى الأكل إلى حركة أوراق الأشجار وسقوطها، إلى الجو المشمس أو الممطر خارجًا، ومع أخذ التداخلات بين الفيزياء والكيمياء بعين الاعتبار فإنها تصبح بذلك المتحكم الرئيسيّ في كل مجالات حياتنا.

أحبُّ الفيزياء من كلّ قلبي، وَهو الحُب الذي نُضمرهُ للأشخاصِ المُمتنين لوجودهم في حياتنا. الفيزيائية ليز مايتنز.

اقرأ أيضًا: هل سرق إديسون اختراعاته من نيكولا تيسلا حقًا؟

2

شاركنا رأيك حول "الفيزياء في منازلنا: حلقةٌ متسلسلةٌ بإتقان من صوت المنبّه إلى سحر الكهرباء"