الرقابة الأخلاقية على الأدب: هل ننجرف في هوة الأدب النظيف فعلًا؟
0

بالفترة الأخيرة باتت الرقابة الأخلاقية موجودة في كل شيء حولنا تقريبًا، وهنا أقصد العرب، فالأجانب قد تخلصوا من أصفاد تلك الرقابة منذ سنين، والآن بات أهلها يحاولون بكل الطرق استمالة اليسار فقط من أجل إعطاء اليمين كسرًا بسيطًا من سطوته التي اعتاد عليها قديمًا في العصور المظلمة – Dark Ages.

هذا يعني أن الرقابة الحالية هي امتداد للعصور المظلمة التي عاشها العرب، وما زالوا يحاولون التمسك بها بالرغم من لحاق بعض البلدان العربية فعلًا بركب الحضارة في الأعوام العشر الماضية. وبينما الرقابة بدأت بشكلٍ عام مع السينما، وتم سك مصطلح يُعرف بـ (السينما النظيفة)، فالأمر الآن وصل إلى الأدب، وخصوصًا في جمهورية مصر العربية.

نحن اليوم نسلط الضوء على قضية الرقابة الأخلاقية على الأدب باعتباره أسمى الفنون، بعد ظهور مصطلح الأدب النظيف على الساحة الثقافية (أجل أنا متحيز جدًا للأدب لكوني كاتبًا)، طارحين لمثال من أرض الواقع، وخصوصًا من مصر، بحكم كوني مصريًّا في الأساس.

اقرأ أيضًا:

من أرض زيكولا إلى مخطوطة ابن إسحاق: لماذا يعشق الشباب الأدب الرخيص؟

مفهوم الرقابة الأخلاقية وتأثيره على الأدب

إنها ببساطة الرقابة التي تفرضها الأخلاق على الفنون بمختلف أنواعها، أي أنها تعمل على (تشويه) الفن بالطريقة التي تجدها مناسبة، أو التي يجدها صنّاع القرار مناسبة بمعنى أصح. لكن المشكلة ليست في وضع سلطة على الفن بقدر ما المشكلة في كَون تلك السلطة في الأساس غير ذات معيار حكم ثابت.

فالأخلاق نفسها مفهوم يختلف من حضارة إلى حضارة ومن بلد إلى بلد، حيث يدين الناس بمعتقدات وأيديولوجيات لاهوتية ووضعية مختلفة حول العالم، والبلدان التي تجعل الأيديولوجيات الفردية هي معيار الحكم على ملايين المختلفين أسفل رايتها، تكون نتيجتها هي التحيز لطرف على حساب الآخر، وفي النهاية نصل إلى مفهوم أحادي (ظالم جدًا) للأخلاق.

الرقابة الأخلاقية على الأدب: سقوط حر في هوة الأدب النظيف
الرقابة الأخلاقية على الأدب: سقوط حر في هوة الأدب النظيف.

اقرأ أيضًا:

الأدب المترجم سحرٌ آسر: دعنا نساعدك على اختيار كتاب مترجم لا تندم عليه!

ميثاق الترجمة في قبضة الأدب النظيف

لن أتحدث عن تأثير الأمر على الحريات المدنية للمرء، لن أتطرق للسياسة، أنا رجل فن، وسألتزم بالنموذج الفني في مقال اليوم. عند تطبيق ذلك المفهوم المتغير على فن الأدب بالتحديد، نجد أن رواية معينة قد تشوهها دولة ما بصورة، ودولة ما بصورة أخرى. فإذا تحدثت الرواية عن كَون أقلية عِرقية معينة تعيش حياة جيدة وآدمية، قد تأتي دولة وتحذف تلك المقاطع تمامًا أو تشوهها بهدف جعلها متأقلمة مع سياستها التي تحط من شأن تلك الأقليات على وجه الخصوص.

أو دولة أخرى تزيد في مدح تلك الأقلية نظرًا لكَون قوانينها المدنية تساندهم بشكلٍ ظالم مقارنة بمساندة الأقليات الأخرى في نفس الحيز الجغرافي. سواء كان التحريف لظلم البشر أو لنصرتهم، فالتحريف يظل تحريفًا مهما اختلفت الغاية.

للترجمة قواعد وشروط، الملكية الفكرية تسقط عن الكتب بعد عدد معين من السنين أجل، لكن هذا لا يعني تشويه المعنى لخدمة أغراض لاهوتية أو سياسية معينة، هذا لا يعني إعمال الرقابة الأخلاقية من الأساس.

إذا أرادت دار النشر التخلي عن ميثاق الترجمة، فيجب أن تُعطي بيانًا قاطعًا للجمهور بأنها لن تترجم أعمالًا كاملة لكونها تطرح أفكارًا مخالفة لأهدافها، وهذا أحترمه جدًا، بالرغم من اختلافي معه كذلك. عندما قام المركز القومي المصري للترجمة بذلك، اعترضت على الأمر، لكن احترمت السياسة الواضحة مع القرّاء.

الرقابة الأخلاقية على الأدب المترجم: هل ننجرف في هوة الأدب النظيف فعلًا؟
سقوط حر في هوة الأدب النظيف.

لكن مؤخرًا ظهرت دور نشر على الساحة الأدبية في مصر، وقامت بتحريف جمل وفقرات كاملة من روايات أدبية رصينة وشهيرة، لمجرد أنها لا تناسب الذائقة الأخلاقية لصاحب الدار أو المُترجِم أو الأدب النظيف في مفهومهم.

وهنا.. لدينا وقفة!

مثال حي على الرقابة الأخلاقية في الأدب

ما لا أحترمه هو تشويه النصوص المسرودة فعليًّا بعد سقوط حقوق النشر عنها بموجب العامل الزمني القهري. روايات أجاثا كريستي على سبيل المثال باتت مستباحة من الكل بعد سقوط حقوقها، لكن هناك دور نشر لم تمارس الرقابة الأخلاقية وترجمت النصوص كما هي (بغض النظر عن رصانة أو ركاكة السرد نفسه)، وهناك دور أخرى مارستها بمنتهى الفظاظة، متحججة بأن هذا هو الأفضل.

اقرأ أيضًا:

مذكرات جون باركر هاموند: مشروع ترجمة فردي لخبايا وأسرار الحديقة الجوارسية

الأمر وكأنك طفل في الروضة وقام والدك بمنعك من أكل الحلوى بحجة أنه يريد لأسنانك أن تبقى نظيفة، بغض النظر عن كونك أكبر من 18 عامًا بالفعل، وبالغ بما فيه الكفاية لأكل الحلوى بمحض إرادتك، بل وتقوم بتفريش أسنانك كل ليلة قبل النوم.

تحريف روايات أجاثا كريستي وشيرلوك هولمز عمدًا. الأدب المترجم
تحريف روايات أجاثا كريستي وشيرلوك هولمز عمدًا.

الرقابة الأخلاقية على الأدب المترجم لدار النشر (Ajyal – أجيال)، قامت بتحريف نصوص روايات أجاثا كريستي وروايات شيرلوك هولمز عمدًا لعدم إظهار تلك الشخصيات على أنها تتعاطى المخدرات أو تشرب الكحول. الأمر كوميدي للغاية فعلًا، وكأن صاحب دار النشر يرى أنك غير عاقل بالقدر الكافي، وعرضة للتأثير بشدة لدرجة أنك إذا قرأت عن شخصية تشرب الكحول، فستذهب لشرب الكحول مثلها.

الرقابة الأخلاقية على الأدب: هل ننجرف في هوة الأدب النظيف فعلًا؟
ملحوظة: تم حذف المنشور من قِبل الدار نفسها، لكن تمكنا من أخذ لقطة شاشة قبل قيامهم بذلك.

وبعيدًا عن كون شرب الكحول من العدم حرية شخصية من الأساس والحكم على الآخرين سلبًا بموجبها هو نفس الحكم على البشر باختلاف لون البشرة، فالخلفية المعرفية للمرء بكل تأكيد ستجعله يطرح سؤالًا واحدًا قبل تجريب أي شيء في الحياة، وهو: ما مضار هذا الشيء؟

أي أن هناك آلية تفكير منطقي موجودة عند كل قارئ، والحجة التي قدمتها دار النشر هي أن كتبها قد تقع في أيدي أطفال مثلًا. الآن مسؤولية الدار تسقط تمامًا بمجرد وضع شعار +18 على أغلفة الكتب، أو وضع جملة: هناك مشاهد دموية لا تصلح للأطفال.

لكن لا، الدار مارست الرقابة الأخلاقية على القرّاء البالغين بالفعل، بموجب وجود احتمالية ضئيلة لقراءة طفلٍ ما لروايةٍ ما في مكتبٍة ما، بل وإكمال الرواية وفهم اللغة الأدبية الصعبة، ثم الوصول للسطور التي فيها المخدرات والكحول، والذهاب لشراء المخدرات والكحول بالمصروف الذي يأخذه من والديه وبالكاد يشتري به الحلوى من المدرسة.

 هل ننجرف في هوة الأدب النظيف فعلًا؟
هل ننجرف في هوة الأدب النظيف فعلًا؟

هل أنتم تمزحون؟ إنها وسيلة رخيصة لتبرير التشويه الفني، ونحن قرّاء أدب، لا قرّاء صحافة صفراء. تلك الخدع تنطلي على حديثي العهد بالمجال، خصوصًا غير المهتمين بالمضمون الأدبي، ليس نحن، ليس نحن أبدًا.

الكوميديا السوداء هي أن الأدب نفسه ناقش مفهوم (الأخ الكبير) سابقًا في رواية 1984 للكاتب جورج أورويل. ألم تتخيل ناشر النشر ولو للحظة أن القارئ الذي تعامل مع مفهوم السلطة الشمولية في عمل سياسي ضخم مثل 1984، لن يدرك مدى ضحالة الحجة المطروحة هنا ومدى سطحية تناول التبرير نفسه؟

وإذا هبطنا بالمستوى الرمزي قليلًا، ألم تتدارك الدار أن بعض القرّاء على الأقل مرّ عليهم مصطلح (البطريركية) في حياتهم ولو لمرة على الأقل؟ المصطلح الذي يشرح مفهوم الرقابة الأبوية الذكورية على الأفعال؟ الرقابة التي تسن القوانين وتفرضها لمجرد المتعة والشعور بالراحة وكأن العالم سيصير أفضل عبر ذلك الفرض مثلًا؟

وكما قال المتنبي:

كم ذا بمصر من المضحكات، ولكنه ضحك كالبكاء.

الحل لحماية الأدب من الرقابة الأخلاقية

الحل هو متابعة فعلية من جانب وزارة الثقافة المصرية، والقيام بحركة ثورية على الموروثات الجامدة التي تقول أن الأدب يمكن تقويضه بهذا الشكل الفجّ، الرقابة الأخلاقية دائمًا وأبدًا تشوه أي فن تطاله. الكثير من المؤلفات للكثير من الأدباء والمفكرين ذوي الآراء المعاكسة للتيار مسموح بنشرها حتى وقتنا هذا في مصر، وهناك كتب كثيرة كانت ممنوعة من النشر، والآن تُباع على الأرصفة وفي الحوانيت بطبعات شرعية وغير شرعية.

حان الوقت لنحمي الأدب من التشويه، حان الوقت لإجبار دور النشر على معاملة القرّاء على أنهم بشر يستطيعون التمييز بين الغثّ والسمين بموجب معرفتهم السابقة وأيدولوجيتهم الحياتية، إنها المعارف والأيدولوجيات التي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتم فرض رقابة أخلاقية عليها.. الأدب فوق كل هذا الهراء، الأدب فوق كل هذا السفه.

لك أيضًا:

أفضل ما صدر في 2020 من روايات الجريمة والغموض لعشاق التشويق والإثارة

0

شاركنا رأيك حول "الرقابة الأخلاقية وهوة الأدب النظيف: تحريف روايات أجاثا كريستي وشيرلوك هولمز عمدًا"