الإسلام - شكيب أرسلان
1
قد يبدو هذا السّؤال “لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟” للوهلة الأولى مألوفَ الطرح والإجابة، وقد تعتقد أنّه يحمل في طيّاته شيئًا من التبرير لركائز الكبوة العميقة التي وقع فيها المسلمون في جميع أنحاء العالم جسدًا وفكرًا فلم يفلتوا منها أبدًا. لكنّ الأمر ليس كذلك: فقد صاغ لنا أمير البيان شكيب أرسلان في رسالته هذه جملةً من العوامل التي أدّت إلى انحطاط المسلمين بعد سابق تطور وبروز مشهودٍ عليهما، كما نقل لنا بالمقابل الأسباب الفعلية التي أدّت بالأمم الأخرى إلى التقدم في المجالات كلها، والتي لا يمكن إلا أن تعبر عنها كلمة واحدةٌ جامعة: التضحية.

لن يتمّ للمسلمين ولا لأمة من الأمم الأخرى نجاح ولا رقي إلا بالتضحية.

لماذا تأخر المسلمون وتقدّم غيرهم؟

لكن، قبل البدء في الحديث عن كتاب “لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟” وعن هذه الأسباب وتحليلها، دعونا نتعرف على أمير البيان عن كثب.

أديب وشاعر ومفكر لبنانيّ، ولد في بيروت سنة 1869 وتوفي سنة 1946، وقد لقب بأمير البيان والقلم وعرف عنه انشغاله بالكتابة عن الوطن العربي، والوحدة العربية وأسباب السقوط، ومناهضة الاستعمار الأجنبي فتعرض على إثر ذلك للعديد من المضايقات والاضطهادات.

أمير البيان شكيب أرسلان
أمير البيان شكيب أرسلان صاحب كتاب: لماذا تأخر المسلمون وتقدّم غيرهم؟

عاصر كل من محمد عبده، ومحمود سامي البارودي، ومحمد رشيد رضا، إضافة إلى محمد البشير الإبراهيمي. وقد كان أحد الأوائل الذين دعوا إلى تشكيل جامعة عربية لكلّ الدّول على أمل وحدة الكلمة والرأي.

كتب أرسلان في العديد من الصحف والمجلاّتِ في مختلف أنحاء العالم، وصدرت له مؤلفات كثيرة من بينها: حاضر العالم الإسلامي، والحلل السندسية في الآثار الأندلسية.

وقد جاءت الرسالة التي بين أيدينا: “لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟” كردٍّ على طلب من محمد رشيد رضا تبحث في أسباب الضعف والانحطاط عند المسلمين، وتنقل أسباب التقدم والرفاه عند غيرهم، ونشرت في مجلة المنار سنة 1930.

قبل الانحطاط، كان هناك رقيّ

يرى الكاتب بأن السبب الرئيسي لرقيّ المسلمين قبل انحطاطهم هو ذاته العامل وراء ازدهار أيّ أمة: التضحية! والتي لم تعد موجودة بين أوساطنا اليوم حتى في أبسط صورها.

ويعزو ذلك أيضًا وبشكل أساسيّ إلى الدين الإسلاميّ الذي جاء بتعاليم جديدة وأخلاق ومنطق عمل وحركة واضح المعالم، فاتُّبع بإخلاصٍ مع تضحيةٍ وتفانٍ فأدى بالأمة إلى الرقي.

ثم راح ينتقد ما آل إليه المسلمون اليوم من غيابٍ للفكرة والعمل خاصّةً، فهم كما يرى: مسلمون بالقول فقط، لا هم طبقوا ما يأمرهم به دينهم ولا هم تفرغوا لدنياهم.

وهذه النّقطة تندرج ضمن غياب العمل والحركة، التي إن نقصت سبّبت بدورها انحطاطَ الأمة، وهي ذاتها التي قال عنها المفكر مالك بن نبي:

إنّ ما ينقص المسلم اليوم ليس منطق الفكرة ولكن منطق العمل والحركة، فهو لا يفكر ليعمل، بل ليقول كلامًا مجرّدًا.

ولخّص أرسلان في رسالته “لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟” أسباب انحطاط المسلمين في نقاط محدّدةً هي كالتالي:

  1. البخل بالمال في سبيل التشييد والإعمار.
  2. الجهل والعلم النَّاقص.
  3. فسادُ الأخلاق والحُكّام.
  4. الخوف.
  5. اليأس.
  6. الجُمود والجُحود.

ثمّ راح يحلل كل نقطة على حدة، ويجري بشأنها مقارنة بين حال المسلمين، وحال من سبقوهم.

غلاف كتاب لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟ لمؤلفه شكيب أرسلان
غلاف كتاب لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟ لمؤلفه شكيب أرسلان – طبعة عصير الكتب للنشر والتوزيع.

الإنفاق بالمال في سبيل الإعمار

نعودُ معًا مرة أخرى إلى أول وأبرز عاملٍ في نجاح أيّ أمة والمتمثل في التضحية. فالبخل وعدم الإنفاق في سبيل تعمير البلدان وتشييدها، والدفاع عن الأوطان هو ما ينافي السبب الرئيسي للرقيّ، وبالتالي يستوجب بالضرورة سبب الانحطاط.

فأول فرق بين المسلمين وغيرهم يكمن في الإنفاق وتسخير الأموال في سبيل النهضة، أو حتى نشر المبدأ والفكرة. وقد ضرب الكاتب كمثال على ذلك: حملات التنصير.

ورغم كون هذا المثال متعلقًا بالدّين، غير أنه يوضح كيف يستميت هؤلاء في الدفاع عن معتقداتهم ويبذلون ما بوسعهم لنشرها – رغم مدنيتهم وحضارتهم-:

  • الحملات التنصيرية لبلجيكا منذ سنة 1908 في بلاد الكونغو.
  • الحملات التبشيرية الفرنسية في الجزائر منذ احتلالها سنة 1830، إلى قدوم الأسقف لافيجري وتوليه حملة التبشير.
  • الحملات التنصيرية الهولندية في أندونسيا منذ 1873.

هذه الأمثلة مع طابعها الدينيّ ليست الوحيدة، لأنه لا يخفى على أيّ أحد منا مدى التطور والعمران المزدهر في بلدانهم، غير أنه دليل على أنّ الدفاع عن المبدأ ونشر القيم خاصةً يعتمد على الدعم الماديّ بشكل رئيسيّ، وهذا ما لم يفلح فيه المسلمون -رغم حث دينهم على الانفاق-!

احصائيات توضح مقدار استثمار الدول المتقدمة في التعليم.
إحصائيات توضح مقدار استثمار الدول المتقدمة في التعليم. (المصدر: statista)

وتخصص الدول المتطورة للتعليم والبحث العلمي مثلًا ملايين الدولارات سنويًا، بينما تخصّص معظم الدول العربية الإسلامية للبحث العلميّ أقل من 2.5% من المداخيل السنوية!

اقرأ أيضًا:

مميزاتٌ في الوطن العربي لن تجدها في أي مكانٍ في العالم

الجهل والعلمُ الناقص

يعزو شكيب أرسلان السبب الثاني والأهمّ لانحطاط أو تأخر المسلمين إلى الجهل والخرافات المنتشرة في كافة أنحاء العالم الإسلاميّ، إضافةً إلى العلم الناقص الذي هو أدهى وأمرّ من الجهل، لأنّ صاحبه يسلم زمام الأمور والسيادة والتدبير على أنّه عالمٌ، مدركٌ لخبايا المشاكل وحلولها فيحدث غير ذلك: “وابتلاؤكم بجاهل خيرٌ من ابتلائكم بشبه عالم”.

في رائعته المقدمة، جعل مؤسّس علم الاجتماع عبد الرحمن بن خلدون الجهل والتعالم سببًا من الأسباب الفعلية لانهيار الدول، إذ يقول:

عندما تنهار الدّول يكثر المنجمون، والأفاقون والمتفقّهون، والانتهازيون، وتعمّ الإشاعة وتطول المناظرات وتقصر البصيرةُ، ويتشوش الفكر.

كلّ هذه المظاهر التي نراها منتشرةً إلى اليوم بين أوساط المسلمين أدّت إلى انهيارهم. وهي ذاتها النقاط التي كانت منتشرةً سابقًا في العصور الوسطى بين الأوربيين، لمدة قرون وتسببت في تأخرهم وانهيارهم، مع تطور المسلمين فيما سمي بالعصر الذهبي، لكنّهم حينما تجاوزوها وتخلصوا منها صاروا مضرب المثل في التطور.

فساد الأخلاق والحُكّام

يقول المفكر والرّئيس البوسني الراحل علي عزّت بيغوفيتش:

إنّ كلّ قوة في العالم تبدأ بثبات أخلاقيّ، وكل هزيمةٍ تبدأ بانحلالٍ أخلاقيّ.

فالمبادئ والقيم العليا والأخلاقيات العامة هي السبب وراء كلّ تطور: اتقان العمل، تقديس الوقت، احترام الآخرين، زرع القيم في المدارس، سنّ قوانين رادعة لمنتهكي هذه القيم، النظام، الدقة، الانضباط، التضخية، حب الوطن… وغيرها من الأمثلة التي نراها عند الشعوب المتقدمة هي التي جعلتهم في مقدمة الأمم.

فالكاتب يرى بأنّ المسلمين -ببعدهم عن تعاليم دينهم الذي ينصّ على كل هذه الأخلاق العالية- إنما تتمثل مشكلتهم في أزمة الأخلاق قبل كل شيء.

إنّما الأمم الأخلاقُ ما بقيت

فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا — حافظ إبراهيم.

غير أنّه ربط كذلك بين سوء أخلاق الشعوب وسطوة حكامها، وانتشار الظلم فيهم، ولعلّ هذا ما قصده ابن خلدون عندما قال:

الشعوب المقهورة تسوء أخلاقها.

فالأمر متعلق أيضًا بالحكام القائمين على رأس الدولة، والذين تؤدي تصرفاتهم، كالظلم والترف، والسطوة والسّرقة إلى سوء أخلاق الشعوب وعدم احترامها للقيم العليا، بل وإلى خراب العمران كما تنبّأ ابن خلدون.

انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعيّ وفي المجلات الأجنبية كالـ BBC صور رصدت للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل — Angela Merkel وهي ترتدي نفس اللباس في عدة مناسبات على مدار سنين طويلة تصل من 5 إلى 6 سنوات!

المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ترتدي نفس الملابس على مر سنوات.
المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ترتدي نفس الملابس على مر سنوات.

كما تناقلت مواقع الأخبار صورًا ومقالات عن رئيس وزراء هولندا مارك روته — Mark Rutte الذي ينتقل إلى مقر عمله كل يوم عبر درّاجته، بكل بساطة وتواضع ومن غير حشد أو حرس.

نعود إلى بلداننا وحكامنا: كم من الحرس والسيارات الإضافية التي تكون مرافقة لرئيس بلدية -فقط- عند زيارته لمؤسسة ما؟

تأخر المسلمون - رئيس وزراء هولندا مارك موته أثناء ذهابه إلى العمل في دراجته الهوائية.
رئيس وزراء هولندا مارك موته أثناء ذهابه إلى العمل في دراجته الهوائية.

الخوف والجبن واليأس

يأتي الخوف من التغيير، والمبادرة، ومسك زمام الأمور والتصدي لتهديدات الدول الأخرى كسبب رئيسي من أسباب الانحطاط. ويأتي اليأس كمثبط فعّال يحط من قيمة هذه الشعوب، ومن كل محاولة للإصلاح والتطور والنهوض والحجة دائمًا ذاتها كما أوردها الكاتب:

وأنّه لا سبيل لمغالبتهم بوجهٍ من الوجوه، وأنّ كل مقاومةٍ عبث، وأنّ كل مناهضة خرق في الرّأي.

فالناظر للدول المتقدمة التي وصلت إلى ما وصلت إليه واستطاعت النهوض بعد كل الخراب الذي أصابها: كالمعجزة اليابانية التي تحدّت ظروف المناخ والموقع، وخراب الحرب العالمية الثانية، وألمانيا التي لحقت الركب رغم هزيمتها في الحرب، وحتّى دول شرق آسيا كماليزيا وأندونيسيا وسنغافورة، يجد أنّ كل ذلك كان نتيجة لشجاعة الإقدام وقوة الإرادة.

إنّ ملاك الأمر هو الإرادة، فمتى وُجدت الإرادةُ وجد الشيء المراد. — شكيب أرسلان.

وقد اقترح الكاتب فيما يخص ذلك بعض الحلول وكانت تقوم كلها على مبدأ المبادرة والشجاعة: مثل البدء في الصناعة الذاتية ولو باستيراد الفكرة من الخارج مثلما فعلت اليابان، إذ انتهجت مبدأ الاستعارة لا التبني من الدول المتقدمة واستعانت بتلك الأفكار الأساسية لبناء الطريق نحو الابتكار الذاتي.

قبل أن يحصل محمد مهاتير على منصب رئيس الوزراء في ماليزيا وتحديدًا سنة 1970، ألف كتابًا بعنوان معضلة الملايو يتوجه فيه إلى أبناء شعبه من الملايو ويلومهم على التقاعس، والخوف من الصينيين، وعدم تمثيل القيم الحقيقية للإسلام، ويتهمهم بالضعف ويحملهم مسؤولية التخلف الذي هيمن على البلاد.

ورغم أن الكتاب أحدث ضجة كبيرة حينها وتسبب في حبسه، غير أنّ معالجته لهذه المشكلة واقتراحه لحل لها في الكتاب هي التي جعلت من ماليزيا الآن في مصفّ الدول المتقدمة.

الجمود والجحود

الإسلام - شكيب أرسلان
لماذا تأخر المسلمون وتقدّم غيرهم؟ تحليل لركائز الكبوة العميقة من منظور شكيب أرسلان.

“أضاع الإسلام جامد وجاحد” هكذا استهلّ أرسلان حديثه في رسالته المعنونة بسؤال: “لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟” عن هذه النقطة.

فأمّا الجمود فيقصد به الكاتب شكيب أرسلان ضمن رسالته “لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟” طائفةً من المسلمين الذين لا يريدون التطور في أيّ مجال ويعتقدون بأنّ ذلك خروج عن تعاليم الدين وانسلاخ عن المبادئ، فيرفضون العلوم بحجّة أنها للكفار، في حين أنهم نسوا أن هاته العلوم في حد ذاتها كانت تدرس بصفة نظامية إبان حكم الدول كالعباسية والأموية، وفيهم يقول الكاتب:

هذا الخلق هو الذي حبب الكسل إلى كثير من المسلمين، فظهرت فيهم فئةٌ يلقبون بالدراويش، ليس لهم شغل ولا عمل وليسوا في الواقع إلَّا أعضاء مشلولة في جسم المجتمع الإسلاميّ.

وأما الجحود فيقصد بهم طائفة تريد من المسلمين الانسلاخ من مبادئهم كلها وتقليد الغرب في كل شيء، فهو يرى بأن هذا التقليد الأعمى هو في حد ذاته ضعف وغلبة للطرف الآخر، كما قال ابن خلدون -مرّةً أخرى-:

المغلوبُ مولعٌ دومًا بتقليد الغالب.

وضرب أمثلة على تمسك هذه الأمم بمبادئها ودينها رغم تطورها، إذ يعتقد الكاتب أنّ الأديان ليست سببًا للتأخر بدليل:

  • تطور اليابانيين الكبير مع حفاظهم على معتقاداتهم كالديانتين الشنتوية والبوذية وثقافة زين — Zen.
  • الحرص على التربية العلمية مع التربية الدينية التي تهذب الأخلاق، وفي هذا قال مستشار ألمانيا سنة 1930 هاينريش برونينغ:

إنّ ثقافتنا مبنية على الدّين المسيحيّ.

  • رغم محاولات الإنجليز إدماج إيرلندا على مدار 700 سنة غير أنّها بقيت متمسكة بعاداتها وتقاليدها.

أزمة مسلمين لا أزمة إسلام

فالمشكلةُ -حسب الكاتب- في رسالته المعنونة بسؤال: “لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟” تتعلق بالمنهج الفاشل الذي يترسخ في نفوس المسلمين وقناعاتهم المتجذرة بأنه لا انتصار إلا للغرب، وهو يحاول بكل الأمثلة التي ساقها والآيات القرآنية والأحاديث التي تحث على الأخلاق وطلب العلم والعمل والإتقان وغيرها من القيم أن يصدّ الشبهات على أنّ المشكلة تتعلق بالدين.

كما أجاب في نهاية رسالته على سؤال: هل هناك مدنية في الإسلام؟ من خلال ذكره لجميع أمثلة العمران والتشييد للمنازل والمساجد والمدارس والجامعات والفنادق وغيرها سواء في الأندلس أو في المشرق والمغرب الإسلامي.

تأخر المسلمون - العمارة الإسلامية في الأندلس.
لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟ العمارة الإسلامية في الأندلس.

فالأمر هنا لا يتعلق -حسب الكاتب شكيب أرسلان- في رسالته المعنونة بسؤال: “لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟” بالدين بقدر ما يتعلق بسوء فهم معتنقيه له وعدم تطبيقهم لتعاليمه. وقد ورد في الأثر:

لا تعرف الحقّ بالرجال، اعرف الحقّ تعرف أهله.

لك أيضًا:

نظرة عن قرب: لماذا مازلنا “كعرب” مُتأخرين؟! – تقرير

1

شاركنا رأيك حول "لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدّم غيرهم؟ تحليل لركائز الكبوة كما رآها شكيب أرسلان"