جوفمان
2

هل وقفتم يوماً ما أمام المرآة، وتساءلتم: إلى أي درجة أقدم نفسي بصدق للآخرين؟

هل لفت نظرك في الحياة قدرة الأشخاص المحيطين على تمثيل أدوار لا تشبههم؟

لماذا يفقد بعض الأشخاص القدرة على تقديم أنفسهم بصدق؟

جوفمان

تبدو التساؤلات السابقة منطقية لدى التفكير بها، خاصة وأننا في أغلب الأحيان نعيش أدوراً متعددة في يومنا، وقد تختلف هذه الأدوار تبعاً للظرف والوسط الذي نعيش فيه، والشخص الذي نتعامل معه، فما هي مبررات عيشنا للدور في حياتنا اليومية؟ وهل تعتبر هذه الأدوار هروباً من الواقع المعاش، أم أن لاتخاذنا أدواراً متعددة ضرورة لا تتعلق بصدقنا أو كذبنا؟

يناقش جوفمان في كتابه (النظرية المعاصرة في علم الاجتماع) أن الأدوار التي يتخذها الأفراد في حياتهم اليومية تحمل في طياتها نماذج لأدوار مسرحية مما يؤكد العلاقة التي تجمع علم الاجتماع بالمسرح، فعلم الاجتماع يدرس في جزء منه حياتنا اليومية بكافة تفاصيلنا من حيث البنية والتركيب وطريقة العيش والتأثيرات الخاصة بكل مجتمع، والمسرح يستطيع أن يعيد محاكاة الأدوار الاجتماعية بطرائق متعددة ووفق أسس مختلفة تؤسس في كل منها لأسلوب في الطرح والمعالجة يختلف عما سواه.

ولكن ما هو معنى الدور؟ وكيف تتبدى الواجهة والخلفية في حياتنا اليومية؟

جوفمان وإدارة الانطباع… لعبة الدور الأساسية

يتناول جوفمان الموقف المسرحي للفاعلين على خشبة المسرح، ويطبق هذا العمل من التمثيل المسرحي على الحياة اليومية للمرأة والرجل العاديين اللذين يتصرفان ضمن أدوارهما في العالم الحقيقي.

ولكي يحلل مفهوم الدور ينظر إلى مفهوم الدور الذي يتخذه كل منا في الحياة من خلال ما يسميه إدارة الانطباع، أي الطرق التي يستخدمها كل منا في تأسيس وضبط الانطباعات التي يشكلها الآخرون عنا، ولكي تتحقق إدارة الانطباع كما يجب، يستخدم جوفمان مفهومين من مفاهيم الفن المسرحي وهما الواجهة والمناطق الخلفية.

وتشير الواجهة front stage إلى كل ما هو ظاهر على خشبة المسرح بدءاً من الأدوات وانتهاءً بأداء الممثلين، ويقابلها في حياتنا اليومية كل الأدوات المعبرة كاللباس والجنس واللون والوظيفة وطريقة الكلام وتعبيرات الوجه وأنماط الحركة والإيماءات الجسدية.

في هذا السياق يناقش جوفمان القيود الكبيرة التي تجعل من الواجهة لدى المرأة أكثر تقييداً منها لدى الرجل، ففي مجتمعاتنا مثلاً نجد أن ظهور المرأة بلباس متحرر قد يجعل منها سهلة المنال من منظور الكثيرين، وفي هذا دليل واضح على الدور الذي تلعبه طريقة إظهارنا للواجهة في حياتنا على تقييم المجتمع الذي نعيش ضمنه لنا، وتبدو هذه القيود أكثر صرامة على المرأة منها على الرجل.

اليوم وفي حياتنا التي نعيش، نرى أنفسنا مضطرين لتمثيل الدور الذي يجعلنا مقبولين أمام المجتمع، ويسهل علينا إمكانية تخطي الكثير من الصعاب التي تواجهنا، فتارة نجد فتاة تسعى لشراء أغراضها من إحدى المؤسسات التي يزدحم فيها  الناس، فتقبل على البائع بوجه بشوش وتطلب منه صراحة أن يلبي احتياجاتها قبل الآخرين، وقد يصل الأمر أحياناً إلى درجة التودد المبطن.

جوفمان
كيف تترك انطباع جيد

في المقابل نجد رجلاً ما يمارس سلطة غير مفهومة كأن يستخدم الصراخ أو العبارات التهديدية كي يقدم نفسه بقالب قوة مزيف ويحصل على احتياجاته قبل الآخرين.

هنا تماماً، يظهر تساؤل محوري: متى كانت آخر مرة كنا فيها أنفسنا حقاً؟

نحن في ذلك تماماً نمثل الدور الذي يعطي الانطباع المطلوب، وأحياناً قد نفلح وتارة قد نخفق، ومع ذلك ترانا نحمل حقيبة من الجلد مليئة بكتب قد لا نستخدمها اطلاقاً، أثناء ذهابنا لزيارة استاذنا في الجامعة كي نعطيه الانطباع بأننا نقرأ بشغف شديد، فالفاعل أو مؤدي الدور هنا لا يرتجل، وإنما يدرس خطواته بدقة كي يحقق المطلوب.

اقرأ أيضًا: بشأن تحدي الانطباع الأول وإغراق الميديا بالزيف: هل أينشتاين هنا أبله كما يبدو؟

إتقان الدور … سمة البائعين المحترفين

يتقن البائعون أدوراً هامة جداً لزيادة المبيعات، حتى أن هذه الأدوار باتت تدرس في الجامعات لتؤهل الراغبين في العمل بمجالات البيع والشراء ليكونوا أكثر مهارة في البيع، إذ أنه من مهارات البيع أن يكون البائع قادراً على إقناع الزبون بأن عدم حصوله على هذه السيارة يعني بالمطلق أنه خسر فرصة لن تتكرر مرة أخرى.

يشار هنا إلى أن كل ما يدار في الواجهة يخفي خلفه تفاصيل هامة جداً، هذه التفاصيل هي الحقيقة، ففي دراسة حول التفاعل الاجتماعي يتحدث جوفمان عن ما يفعله الكثيرون عندما يخفون ملابسهم البالية ويضعون ملابسهم الجديدة في الواجهة، ليصل إلى تساؤل غاية في الأهمية:

ألسنا كلنا نتظاهر كفنانين بعد كل ذلك؟

جوفمان

قد تكون إجابة غالبية الناس… نعم نحن كذلك، فنحن نمثل أننا أقوياء في جنازة شخص قريب منا أمام باقي أفراد العائلة، كي نكون صخرة منيعة أمام الحاضرين، كما قد يمثل البعض أنهم حزينون رغم عدم شعورهم بشيء.

وفي مقابلات العمل تظهر براعتنا التمثيلية، فمن يقوم بالمقابلة يقدم نفسه على أنه خبير لا تؤثر فيه العواطف، وعليه أن يصل مع الراغب بالوظيفة إلى أفضل اتفاق يكون بصالح الشركة من وجهة نظره، حتى لو كان يعني ذلك امتصاص الشخص المقابل بشكل كامل، حتى وإن كان غير مقتنع ضمنياً، لأن من مسؤولياته ارتداء الدور المطلوب منه كمسؤول للموارد البشرية.

وحتى في علاقتنا الأسرية، تجد الأب أحياناً يتخذ موقفاً من الصرامة في علاقته مع أطفاله، حتى وإن كان غير مقتنع بالكامل، ولكنه يجد أنه من الضروري أن يؤدي هذا الدور كي يهابه الأطفال ويمتنعون عن فعل ما لا يجب.

من جانب آخر يقوم الكثير من الناس بإخفاء حقائقهم لأن المجتمع لا يتقبل ما هم عليه حقاً، فنجد مثلاً المثليين يجهدون في إخفاء مثليتهم في الكثير من المجتمعات كي لا يكونوا عرضة للرفض المجتمعي، ويؤدون أحياناً أدواراً مبالغٌ فيها كي يخفوا حقيقتهم، ويشير جوفمان إلى ذلك في كتابه (الوصم) عندما يتحدث عن الشعور بالخزي والعار لدى هؤلاء، فقد كشفت إحدى الدراسات التي أجريت لدراسة خبرات أربع وعشرين شاباً من المتحولين جنسياً والشاذين جندرياً في إحدى المدارس الثانوية في  الولايات المتحدة الأمريكية، أن الذين أظهروا حقيقتهم وميولهم بشكل صادق تعرضوا للإساءة والتنكيل والضرب من بعض الشبان في المدارس، مما دفع الباقين لإخفاء حقيقتهم خوفاً من تعرضهم للإساءة ومن وصمهم بصفات مشينة.

في النتيجة … إن خلق الحالة التمثيلية لدى كل منا، ليست وليدة المصادفة، فهي تبدأ من المنزل، من اللحظة التي يتم فيها تقسم الأدوار من قبل السلطة الأسرية، مما يجعلنا تحت سيطرة قيود تدفعنا بشكل ضروري لتمثيل أدوار لا تشبهنا، أو لإتقان أدوارٍ نسعى من خلالها كي نكون محط إعجاب الآخرين، كل ذلك يخلق منا ذواتاً مغتربة لا تعرف حقيقتها، وتصل لمرحلة تفقد فيها ماهيتها وكينونتها الأساسية، ولكنها الحياة يا أصدقائي، نحن فيها ممثلين سواء أعجبنا الدور أم لا.

بعد كل ما سبق، هل يبقى وارداً أن نقول أن ثمة من يقدم نفسه بصورة حقيقة، وهل ستستمر حياتنا الاجتماعية بكافة تفاصيلها على نحوٍ جيد فيما إذا كنا ذواتاً صادقة؟ يبقى ذلك قيد الإجابة.

اقرأ أيضًا: قواعد الحياة العشرون: القوانين القاسية التي لن يخبرك بها أحد

2

شاركنا رأيك حول "جوفمان: حياتنا اليومية تمثيلٌ أم حقيقة؟"