أشهر كتاب الأدب العالمي
0

هناك أبواب عندما تُقرر طرقها يجب أن تعلم في داخلك أنك لن تغدو نفس الشخص بعد فتحك لها، بل ويمكن أن تتغير كليًا بعد العبور منها لتكتشف ما بداخلها، وهذا ما صرح به المترجم أحمد شافعي في مقدمة كتاب “بيت حافل بالمجانين” الذي يحتوي على حوارات  مترجمة لمجموعة من أشهر كتاب الأدب العالمي في مجلة باريس رفيو – The Paris Review الفصلية الأدبية.

حوارات مع أشهر كتاب الأدب العالمي

مجلة باريس ريفيو - حوارات مع أشهر كتاب الأدب العالمي
مجلة باريس ريفيو ومجموعة حوارات مع أشهر كتاب الأدب العالمي

فقد تأسست مجلة باريس رفيو عام 1953 على يد كل من هارولد هيومز وبيتر ماتيسين وجورج بلتمون، وكان هدف المجلة الأساسي التركيز على النقد الأدبي بشكل إبداعي قريب من خلفية الكاتب، لتجعل أشهر كتّاب الأدب العالمي أنفسهم يتحدثون عن أعمالهم -بل وينتقدونها أيضًا- ويسردون عاداتهم في الكتابة بكل راحة.

لولا أن لورين شتاين عندما تولى رئاسة تحرير مجلة باريس رفيو قرر إتاحة الحوارات بالكامل على الإنترنت، لم يكن لكتاب “بيت حافل بالمجانين” -الذي نحكي عنه الآن- وجود، ولما كان المترجم المصري أحمد شافعي اتجه لترجمة كل تلك الحوارات ليخرج لنا بتلك الثورة الأدبية في ثلاثمائة وسبعين صفحة في كتاب بديع من إصدار الهيئة العامة للكتاب (يذكر أن للكتاب جزء ثاني صادر عن دار مدارك للنشر).

يمكننا أن نطلق على أحمد شافعي اسم المترجم الرقمي، حيث إنه اعترف في مقدمة الكتاب، أنّه خلال رحلته في قراءة حوارات باريس رفيو، ورغم تأثره الشديد بها والذي كان يدفعه لتوجيه خطط يومه بشكل ما في اتجاه كل كاتب قرأ عنه، إذ ينطلق باحثًا عن قصيدة لشاعر للتو قرأ حواره، أو عن مؤلفات كاتب آخر، وبالرغم من ذلك لم يتجه لترجمتها، لأنها لم تكن متوفرة سوى بشكل ورقي، ولم يستطع ذلك المترجم المتميز خيانة عاداته في الترجمة، فلم يكن يترجم نصوصًا إلا إذا كانت رقمية؛ يُسهل وضعها على ملف في الكمبيوتر، ويسهل العمل عليها بالاستعانة بالمعاجم الإلكترونية.

عندما ينتقل المحاور لوضع الضيف

إذا كنت من المولعين بالقراءة أو تتطلع لتأليف كتاب يومًا ما، يجب عليك التأمل في تلك الحوارات المترجمة لعظماء الكتابة المختبئة بين ثنايا الكتاب، بحيث لا يكفي فقط التركيز على إجابة الكاتب، بل من المهم أيضًا الانتباه لأسئلة المحاور.

لأنك وفي لحظة ما من قراءتك للكتاب سوف تدرك أن المحاور الممسك بالمسجل اليوم، في أغلب الأوقات سوف ينتقل للجانب الآخر ويصبح الكاتب الموجه له المسجل بعد فترة من الزمن، وذلك ما حدث مع الشاعر الكبير دونالد هول الذي كان في البداية محاور في المجلة، ثم بعد سنين أصبح أحد الضيوف المدعوين لإقامة حوار معه بداخلها، وهنا يكمن سر كبير يجب الالتفات إليه: عندما تطرق باب كاتب جيد، تأكد أنه في اللحظة التي يفتح بابه لك فيها، هو يفتح لك بابًا لحياة أخرى لن تخرج منها كما كنت أبدًا.

ولذلك كتاب “بيت حافل بالمجانين” كتاب هام لكل من يطمح أن يصبح أحد مؤلفي الأدب ليعرف الكثير عن أسرار صنعته، ولكل من يطمع في أن يعرف عن فن الكتابة وعن كاتبه المفضل أكثر.

لماذا علينا قراءة بيت حافل بالمجانين؟

بيت حافل بالمجانين - أشهر كتاب الأدب العالمي
غلاف كتاب بيت حافل بالمجانين لحوارات مع أشهر كتاب الأدب العالمي

ذلك الكتاب لا يحتوي على مجرد حوارات مترجمة لبعض الأدباء أو أشهر كتاب الأدب العالمي فقط، بل يحمل سنينًا من الخبرة والإخفاق والنجاح في ثنايا كل سؤال وإجابة، حوارات يمكنها أن تبني الكاتب بداخلك من جديد لكل من: همنجواي، ميلر، بورخيس، فوينتس، كونديرا، محفوظ، أوستر، سوزان سونتاج، إكو.

يقول الكاتب والروائي التركي أورهان باموق الحاصل على جائزة نوبل عام 2006 في جزء من حوار له داخل الكتاب، إنه خلال قراءته لحوارات الكُتاب المنشورة في مجلة باريس رفيو للمرة الأولى، أصابه التيه والاندهاش وأحس أنه عثر على نص مقدس.

وكان في تلك الأوقات يكتب روايته الأولى، ويحاول تعلم كيف للشخص أن يصبح روائيًا؟ كيف يحكي حكاية تشكلت في خياله على لسان شخص آخر؟

ووجد إجابته في سؤال وجهه أحد المحاورين للكاتب الأمريكي وليام فوكنر الحاصل على جائزة نوبل: “كيف يصبح المرء روائيًا جادًا؟”.

وكان رد فوكنر شديد الفلسفة والمنطقية في الوقت ذاته بأن الفنان يخلق فنه ولا يحمل مسؤوليات تجاه شيء في عملية الإلهام سوى فنه، ودومًا لا يسأل عن سبب اختيار الإلهام له هو شخصيًا، هو فقط يبدأ ليستمتع ويترك الحرية لخياله.

ومن هنا وجد أورهان عزاءه في هذه الكلمات، وأخذ ينغمس في تلك الحوارات بتركيز واستمتاع، واكتسب العديد من عاداته في الكتابة من خبرة كل كاتب قرأ عنه في تلك الحوارات.

وفي النهاية يقول أورهان بوماق عن رحلته مع حوارات مجلة باريس رفيو الأدبية، إنه عرف الكثير عن حرفة الرواية، بداية من تكونها فكرة في عقل الكاتب حتى وصولها لمرحلة النضج الكامل ليتم تشكيلها بحب على الأوراق، حتى تمتزج حبكة الرواية بخيال الكاتب بكل سلاسة.

لذا قراءة كتاب “بيت حافل بالمجانين” تعد من المهام الواجبة لكل من يريد التقرب من فن الكتابة وأصحابها أكثر، تخيل ككاتب كم الاستفادة التي يمكنك أن تخرج بها من تلك الحوارات؟ عن أسرار الأدب، وكيف له أن يبهجك تارة ويحبطك تارة أخرى! وكيف لك ككاتب أن تستفيد من الحالتين؟

وكيف لك كقارئ محب للأدب أن تتقرب من كاتبك المفضل إلى الحد الذي يعترف لك به عن أسرار حرفته في صناعة الكتب والروايات وعاداته المشهورة!

حكايات كتاب الأدب العالمي

ارنست همنغواي
الكاتب أرنست همنغواي صاحب رواية لمن تقرع الأجراس يعد من أشهر كتاب الأدب العالمي

تتميز الحوارات المترجمة داخل الكتاب مع أشهر كتاب الأدب العالمي بالثراء الفني والخبرة الواسعة، بالإضافة للغه الكتاب السهلة والتي لا تشعرك فقط بأنك تقرأ حوارات تتميز بالعمق الشديد بل وكأنك تستمع لتلك الملحمة الكتابية وتراها أمام عيناك، وأنك جالس في غرفة ذلك الكاتب بمنزله تتسامر معه وتشربان كوبان من القهوة، ويحكي لك عن حياته الشخصية ومدى تعلقه بالكتابة وطقوسه الخاصة في الحفاظ عليها، فذلك الكتاب ينطبق عليه مقولة هنري ميللر التي قالها بين ثنايا أوراقه والمحاور يسأله عن أنواع الكتب التي تجذبه ليتجه إليها.

الكتاب لم يحتوي فقط على حوار للكاتب هنري ميللر وحده، بل نخبة أخرى عظيمة أيضًا: بداية من الكاتب الأمريكي أرنست همنجواي الذي يتضح في حواره بسبب ردوده المختصرة أنه يعتبر الكتابة مسألة شخصية لا ينبغي لأحد أن يطلع عليها حتى يكتمل العمل، ويعترف بعاداته في إعادة كتابة نصوصه مرارًا، وأنه خلال كتابته لعمله “وداعًا للسلاح” عاد الصفحة الأخيرة تسعة وثلاثين مرة حتى يشعر بالرضا عنها.

وعند قراءتك لحوار سوزان سونتاج ستتعرف على الكاتبة التي بدأت حياتها الأدبية من سن التاسعة وعشقت القراءة من سن الثالثة لتعترف بعد ذلك أنها وقودها الوحيد الذي يدفعها للكتابة، وكيف لها أن تدرك الفرق بين كتابة المقال وكتابة القصة وتجمعهم في شخصية واحدة.

سوف تدرك الكثير من القيم الشخصية والعادات وكيفية تحويل الألم الذي تدركه في مرحلة الكتابة إلى متعة بعد الانتهاء منها، خلال قراءتك لباقي الحوارات لـ الكاتب الارجنتيني خورخي لويس بورخيس، والكاتب الإيطالي أمبرتو إكو الذي يناقشك فلسفيًا خلال حواره بأن الكوميديا ما هي إلا اختراع بشري نابع من خوف الإنسان من الموت، والروائي الفرنسي ميلان كونديرا الحاصل على جائزة الإندبندنت في أدب الخيال الأجنبي، والكاتب المكسيكي كارلوس فوينتس الذي رُشح أكثر من مرة للفوز بجائزة نوبل، والكاتب والمخرج الأمريكي بول أوستر.

نجيب محفوظ وحوار غير عادي

وكان النصيب العربي واضحًا في مجلة باريس رفيو، والمتمثل في الكاتب العالمي نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل، وقد دار الحوار معه بحديثه عن مدى قيمة الثلاثية في نفسه ومدى امتنانه لها، وما هي أول الروايات التي تُرجمت له، وعن الطريقة الصحيحة لقراءة رواية أولاد حارتنا ولم كانت موضع جدل من البداية! ولماذا كانت نوبل من نصيبه، والحوار مع محفوظ لا تكتسب منه فقط معلومات عن رواياته أو كيف يكتُب لكنك تحصل على فلسفة خالصة وعميقة عن الحياة بأكملها.

الكاتب الأذكى هو أكثر الأشخاص المحبة للاستماع، وأكثر الأشخاص المحبة للصمت. ذلك ما لاحظته خلال تأملي لحوار همنجواي ومحفوظ المذكور في الكتاب، كان همنجواي موجزًا بشدة في ردوده على الأسئلة، بل في أغلب الأوقات كان ينزعج من كثرتها. لا تتجاوز ردوده بضعة كلمات، لكنك تجد فيها أفضل الأساليب في التعامل مع فن الكتابة وترويضها.

نجيب محفوظ - كتاب الأدب العالمي - كتاب بيت حافل بالمجانين
الكاتب المصري نجيب محفوظ الحاصل على جائزة نوبل يعد من أشهر كتاب الأدب العالمي

أما محفوظ وكواحد من أشهر كتاب الأدب العالمي فيترك لك وصية مفداها: “لتكون كاتبًا جيدًا، يجب أن تكون مستمعًا جيدًا”، وهو يحكي عن أساليبه في استحضار أفكار روايته وشخصياته خلال جلوسه مع أصدقائه في المقهى والاستماع لحكاياتهم، فيتركها تتملك منه وتترك به انطباعًا عميقًا، فبدلًا من أن يحكي عن تلك الحكايات في النادي، يذهب ليفرغها بقلمه على الأوراق. ومن هنا يمكننا أن ندرك، إذا كان الصمت في حرم الجمال جمال، فالصمت في حرم الكتابة واجب.

في النهاية، حياة أشهر كتاب الأدب العالمي تحتوي الكثير من الفلسفة والكثير من المنطقية فهي متناقضة، وشديدة الصعوبة. تجعلها الكتابة مزيجًا بين السعادة والشقاء، لأنها مهمة تمتلئ بالكثير من التعقيد أشبه بالانتحار. لكن بعدما تنتهي منها يصبح الكلام عنها ممتعًا مليئًا بالشجن والحنين، ويصبح الاستماع عنها مليئًا بالإثارة والاندهاش. لذا إن كنت المستمع أو المتحدث في النهاية لن تخرج بعد ذلك الكتاب كما كنت أبدًا.

لك أيضًا: 

روايات قصيرة للمبتدئين يمكن قراءتها في ساعة واحدة فقط

0

شاركنا رأيك حول "أشهر كتّاب الأدب العالمي يلتقون في بيت حافل بالمجانين"