سلالة جديدة من فيروس كورونا تُكتشف في بريطانيا
0

في نوفمبر 2020، أعلنت بعض شركات الأدوية العالمية عن توّصلها إلى لقاحات فعّالة ضد فيروس كورونا المستجد. بدأ الأمل يدب في نفوس البشر من جديد، لكن كثيرًا ما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. وهذا ما حدث عندما أعلنت إنجلترا عن ظهور سلالة جديدة من كورونا تنتشر بسرعة كبيرة في جميع أنحاء لندن، وتُشير التقديرات إلى أنها مسؤولة عن 60% من الحالات المنتشرة في بريطانيا، كما تنتشر بسرعة أكبر بـ 70% عن الفيروسات الأخرى.

بدأ الناس في طرح تساؤلات عدة، منها: هل الفيروس أكثر خطورة الآن؟ هل سيَحدث تداخل بين تشخيص السلالات القديمة والحديثة؟ ما مدى فاعلية اللقاحات المطروحة في السوق ضد هذه السلالة الجديدة؟ حسنًا، هناك الكثير والكثير من الأسئلة تدور في أذهان الناس. لنتعرف على الأمر من البداية سويًا بكل بساطة.

اقرأ أيضًا:  الطب في 2020: ما هي أبرز الإنجازات والاكتشافات الطبية لهذا العام؟

موجز فيروس كورونا المستجد خلال عامٍ

سلالة جديدة من كورونا
فيروس كورونا المستجد

في نوفمبر 2019، ظهرت أول حالة من فيروس كورونا في ووهان بالصين. بمرور الوقت، ازداد عدد الحالات المُصابة بنفس هذا المرض الرئوي. وفي 31 ديسمبر 2019، استقبل مكتب منظمة الصحة العالمية في الصين تقارير أولية خاصة بفيروس غير معروف من قبل. اتضح أنّ هذا الفيروس وراء عدد كبير من حالات الالتهاب الرئوي في ووهان (وهي مدينة تقع في شرق الصين، يبلغ عدد سكانها ما يزيد عن 11 مليون نسمة). ويُعتقد أنه انتقل إلى البشر عن طريق المأكولات من سوق ووهان.

تفشى المرض بسرعة كبيرة، واستجابت الصين بوضع ووهان والمدن المجاورة لها تحت الحجر الصحي، لكن للأسف انتشر المرض بسرعة كبيرة حول العالم. حتى أعلنت منظمة الصحة العالمية في 11 مارس 2020 أنّ فيروس كورونا المستجد أو كوفيد-19 أصبح وباءً عالميًا وعلى دول العالم اتخاذ الاحتياطات اللازمة لكبح زمام هذه الجائحة الشرسة. من وقتها، وُجهت الدراسات ناظريها تجاه البحث عن لقاح فعّال لفيروس كورونا.

في نوفمبر 2020، أعلنت شركة فايزر عن إنتاج أول لقاح فعّال بنسبة حوالي 90% لفيروس كورونا. في الأسبوع التالي لإعلان فايزر، أعلنت مودرنا عن التوّصل إلى لقاح فعّال بنسبة 94.5%. ظن الناس أنها نهاية حقبة كورونا. لكن فُوجئ الجميع بالإعلان عن سلالة جديدة من كورونا وعاد الخوف ينتشر في الأرجاء. فما أمر هذه السلالة؟ ولماذا كل هذا الذعر؟

الإعلان عن سلالة جديدة من كورونا في إنجلترا 

سلالة جديدة من كورونا
وزير الصحة البريطاني “مات هانكوك”.

في يوم 14 ديسمبر 2020، أعلن وزير الصحة البريطاني “مات هانكوك” أمام البرلمان عن ظهور سلالة جديدة من فيروس كورونا المستجد في جنوب شرق إنجلترا ومما أثار الذعر أيضًا هو أنّ هذه السلالة تنتشر بسرعة أكبر من أي سلالة أخرى. وبالطبع أبلغت بريطانيا منظمة الصحة العالمية بالتطورات الجديدة، وقال هانكوك: “من غير المحتمل ألا يستجيب للقاح”. وأضاف أنه ينبغي توخي الحذر تحسبًا لأي ظرف. لكن السؤال الأهم هنا، كيف تكوّنت هذه السلالة؟ ربما من خلال طفرة مثلًا.

اقرأ أيضًا: صغيرة جدًّا لكنها قاتلة: أبرز فصول الحرب بين الفيروسات والبشر

ما تأثير الطفرات على تطور الفيروس؟

سلالة جديدة من كورونا
تأثير الطفرات على الفيروس

الطفرات متنوعة قد تكون مفيدة أو ضارة، وهي تساعد الكائن على التطور. لكن قبل الخوض في تأثير الطفرات على الفيروس، لنوضح مفهوم الطفرة بمثالٍ بسيط. هل تُحب كرة القدم؟ أجل، تلك الرياضة التي تحظى بشعبية واسعة في جميع أنحاء العالم، من قوانين اللعب أن يكون هناك فريقان، يرتدي كل واحد منهما زي موحد خاص به، لنفترض أنّ لدينا فريقين، في كل فريق مجموعة من اللاعبين الأقوياء واثنين أو ثلاثة بمستوى متوسط في اللعب. قرر ثلاثة لاعبين محترفين الانتقال إلى الفريق الآخر، مقابل أن يأتي بدلًا منهم ثلاثة من ذلك الفريق، لكن لسوء حظ لقد جاء ثلاثة لاعبين بمستوى متوسط، وبالتالي زادت قوى أحد الفريقين، بينما تراجعت قوى الآخر.

اللاعبون هم قواعد الحمض النووي، فعند استبدال القواعد بأخرى، تتغير شفرة الحمض النووي، ويظهر هذا التأثير بعدما تحدث عملية النسخ تتبعها الترجمة، فيتكون البروتين ويؤدي وظيفة مختلفة أو يؤدي نفس الوظيفة بشكلٍ مختلفٍ. وقد تكون الطفرة مفيدة أو ضارة. الأمر يقع في نطاق الحظ غالبًا.

البقاء للأقوى 

إذًا، الطفرات عبارة عن تغيير في تسلسل الشفرات الجينية للكائن الحي، وعادةً ما تتحور الفيروسات- بفعل الطفرات- بسرعة أكبر من خلايا البشر، حيث تمتلك الخلايا البشرية آليات تحرير الجينوم وإصلاح التسلسلات في حالة اكتشاف خطأ ما. تختلف شدة الطفرات، فقد تتسبب في تغيير البروتين النهائي الناتج وبالتالي تغيير وظائفه، وقد لا تتسبب في حدوث أي تغيير من الأساس. وتتضمن الطفرات استبدال قاعدة من الحمض النووي بأخرى، مثلًا، استبدال قاعدة A بقاعدة G، ومن الممكن أيضًا إضافة قواعد جديدة للحمض النووي، أو حذف قواعد كانت موجودة بالفعل.

في حالة حدوث طفرة للفيروس، فإنها تتسبب في تغيير وظيفة البروتين الناتج، ويحدث تغيير كبير للفيروس، وذلك لأن الفيروسات تتفاعل مع البيئة المحيطة، وبالتالي يحدث شيء ما من الاثنين: إما سيحصل الفيروس على ميزة له تساعده على النمو والازدهار بسهولة أكبر في بيئته أو سيصبح ضعيفًا مما يجعل بقاؤه حيًا مسألة صعبة. لكن على أية حال، تستمر الطفرات المفيدة بينما تتلاشى الضارة. وهذا هو الانتقاء الطبيعي. الذي يدعم بقاء الأقوى أو الأصلح، فكلما كان الفيروس قويًا، ازدادت فرصه، والعكس صحيح.

اقرأ أيضًا: الجينات والإنسان.. رحلة ثوريّة لا تخلو من المخاطر

ماذا عن الطفرات الجديدة؟

سلالة جديدة من كورونا
الطفرات

تحمل هذه السلالة اسم B .1 .1 .7 وقد حدث لها 17 طفرة دفعة واحدة، وهذا لفت انتباه الجميع، حيث يبلغ أكبر عدد من الطفرات التي قد يتعرض لها الفيروس 12 طفرة دفعة واحدة فقط. ويعتقد الكثيرون أنّ هناك مشكلة كبيرة، لأن 8 طفرات من الـ17 طفرة، حدثت في الجين المسؤول عن تشفير بروتين “Spike” – وهو البروتين المسؤول عن ربط الفيروس بالمستقبلات الموجودة على أسطح خلايا المُصاب- اثنان من الثمانية طفرات مثيرتان للاهتمام، إحداهما طفرة “N501Y”، وهي مسؤولة عن ارتباط البروتين بمستقبل إنزيم محول للأنجيوتنسين 2 (ACE2)، وهناك نقطة دخول الفيروس للجسد. والطفرة الأخرى هي “69-70del”، وهي تتسبب في فقدان اثنين من الأحماض الأمينية في بروتين “Spike” ووُجد أنها تغلبت على الاستجابة المناعية عند أولئك الذين يعانون من نقص المناعة.

سلالة جديدة من كورونا 🤔 ويقولون: لا داعي للقلق!

سلالو جديدو من كورونا
ظهور سلالة جديدة من فيروس كورونا في بريطانيا

بعدما أعلن وزير الصحة البريطاني عن وجود فيروس بطفرة جديدة، انتشرت بعض الشائعات بين الناس، حتى إنّ الكثير من سكان لندن قرروا الرحيل عن المدينة، وما زاد الذعر هو الإجراءات المشددة التي تبنتها المملكة المتحدة في الآونة الأخيرة في محاولة منها للسيطرة على الوضع، فقد اتضح أنّ الفيروس مُعدٍ بنسبة تزيد بـ 70% عن السلالات السابقة، فقد انتشر بسرعة كبيرة للغاية في لندن وشرق إنجلترا. ومع ذلك، يقولون لا داعي للقلق، إذ أنّ انتشار الفيروس السريع هذا لا يعني بالضرورة أنه أكثر خطورة! فربما تكون الطفرة عادية لا تؤثر بدرجة كبيرة على درجة خطورة الفيروس.

لم تكن هذه المرة الأولى التي يتعرض الفيروس فيها لطفرة. مثال على ذلك، السلالة التي نشأت في الصين في أواخر عام 2019، تعرضت لعدة طفرات وانتشرت. في صيف 2020، تعرَّض الفيروس لطفرة انتشرت من إسبانيا إلى نصف أوروبا تقريبًا. ما أوّد قوله، هو أنّ الفيروس يتعرض لطفرات طوال الوقت، وفي كثير من الأحيان، لا تتسبب هذه الطفرات في حدوث أي تغيير أو قد يؤثر بنسبة بسيطة. قال دكتور مايكل رايان، المدير التنفيذي لبرنامج الطوارئ التابع لمنظمة الصحة العالمية: “هذا النوع من التطورات والطفرات شائع جدًا”.

اقرأ أيضًا: السباق نحو لقاح فيروس كورونا: هل المكاسب أهم من البشر؟

كيف يستجيب الجسم البشري لطفرات الفيروسات؟

سلالة جديدة من كورونا
استجابة الجسم للطفرات الجينية

حسنًا، جميعنا نعلم أنّ الجسم البشري يمتلك جهازًا مناعيًا قويًا يعمل باستراتيجياتٍ متنوعة، أهمها تكوين الأجسام المضادة لأي جسم غريب يغزو الجسد. وعندما يأتي هذا الجسم الغريب للجسد البشري مرة أخرى، يتعرف عليه الجهاز المناعي ويرسل له الأجسام المضادة التي تقضي عليه. وبذلك نستطيع التخلص من الفيروس نهائيًا. إذًا، أين المشكلة إذا كان أمر القضاء على الفيروس سهلًا كما يبدو؟ ببساطة يتعرّض الفيروس لطفرات عدة باستمرار- كما ذكرت – وبذلك تصبح الأجسام المضادة التي يُطلقها الجهاز المناعي بمجرد دخول الفيروس للجسدِ أقل فاعلية.

وهذا ما يحدث في حالة فيروس الإنفلونزا الذي يصيب أغلبنا في فصل الشتاء من كل عام، يتطور الفيروس بمرور الوقت، لذا يتمكن من أجسادنا حتى يكوّن الجهاز المناعي الأجسام المضادة المناسبة لهذا الفيروس الأكثر تطورًا من ذلك الذي أصابنا في العام الماضي. لذلك، لا داعي للقلق، فليس دائمًا ما تُسبب الطفرات خطورة، بل إنها قد تُضعف الفيروس.

كيف تحدث الطفرات؟

بمجرد أن يتعرف الجسم البشري على الفيروس ويُكوّن الأجسام المضادة الخاصة به، يصبح الفيروس في حالة خطر، وعليه مواجهة الجهاز المناعي باستراتيجية أقوى، وهي تغيير تركيب سطحه الخارجي (الذي يتعرف عليه الجهاز المناعي)، ولكي يحدث هذا التغير، ينبغي تغيير البروتينات الخارجية له وتكوين سلالة جديدة.

يحقن الفيروس المادة الوراثية خاصته داخل خلايا الشخص المُصاب من أجل التضاعف، وبالتالي تتكون ملايين النسخ من الفيروس، أثناء هذه العملية، قد يحدث خطأ أو تغيير ما في ترتيب قواعد الحمض النووي، وبالتالي تحدث الطفرات التي تساعد الفيروس على التطور.

لماذا انتشرت السلالة الجديدة من فيروس كورونا بسرعة؟ 

سلالة جديدة من فيروس كورونا
لماذا انتشرت السلالة الجديدة بسرعة

تحدث طفرة للفيروس بمعدل مرة كل شهر. هذه الطفرات تُفسر سبب تباين شدة الفيروس من مكان لآخر أو من شخص لآخر. وعند النظر في الفيروس المُسجل في المملكة المتحدة، نجد أنه يحتوي على طفرات عديدة في بروتين “Spike” بسبب حذف بعض الجينات، مما تسبب في فقدانه لاثنين من الأحماض الأمينية، وهذا ساعد في تسهيل انتشار الفيروس.

هل تؤثر هذه الطفرة على فاعلية اللقاحات؟

اللقاحات والسلالة الجديدة من فيروس كورونا
كيف سيكون تأثير اللقاحات على انتشار السلالة الجديدة

إنّ هذه اللقاحات مُصممة بحيث تستطيع تشفير المعلومات الخاصة ببروتين “Spike” مما يُحفز الجهاز المناعي حتى في حالة حدوث طفرة. لحسن الحظ، يحتاج الفيروس لعدة طفرات حتى يستطيع تغيير بروتيناته والتغلب على الجهاز المناعي. لكن مع ذلك، قد تحتاج اللقاحات إلى بعض التعديلات البسيطة لمواكبة تطور الفيروس، فنحن نعلم أنّ فيروس الإنفلونزا الذي يصيب أغلبنا كل عام يتطور باستمرار ويحتاج إلى لقاحات جديدة مع تغيّر المواسم لتظل فعّالة، وكذلك لقاحات فيروس كورونا.

اقرأ أيضًا: لقاح أوكسفورد الجديد ولقاح فايزر وموديرنا.. هل وصلنا أخيرًا إلى لقاح فعال؟

0

شاركنا رأيك حول "بريطانيا تُعلن عن اكتشاف سلالة جديدة من كورونا ولا داعي للقلق! فما الذي نعرفه حتى الآن؟"