0

سمعت أحدهم من قبل يقول إنّ الفن لغة الوجدان، وهي لغة صعبة الفهم بالمناسبة، لا يُدركها إلا أصحاب الرؤية الثاقبة العميقة. كثيرًا ما يجد أصحاب المواهب الفنية بعض الصعوبات أثناء طريقهم، بعضهم يستمر في المُضي قدمًا، وهناك من يرفعون الراية البيضاء، إعلانًا للاستسلامِ والتراجع للوراء. وموضوعنا في مقالنا هذا عن شخص ينتمي إلى المجموعة الأولى التي كافحت للاستمرار في طريق الفن وتحقيق رسالة في الحياة، وهو الفنان التشكيلي “علي غسان الزبيدي” في حوار حصري مع مجلة أراجيك.

هُن والمستحيل: قصص نجاح ملهمة لرائدات أعمال مصريات

من هو علي غسان ؟

الفنان التشكيلي العراقي علي غسان
صورة للفنان علي غسان.

الفنان التشكيلي “علي غسان” مواطن عراقي، يبلغ من العمر 36 عامًا، وُلد في بابل بدولة العراق. اكتشف موهبته في سن مبكرة، وبدأ في تطويرها في عمر 14 أو 15 عام، إذ كان يهتم بالدورات التدريبية وتمكن في سن السابعة عشر من أن يعرض أعماله في معارض مهمة. وعند وصوله إلى المرحلة الجامعية، قرر الدراسة في كلية الفنون الجميلة، رغم أنّ معدله كان يُدخله كليات أخرى أعلى في المجموع، لكنه فضَّل الانقياد وراء شغفه. تخرج غسان من كلية الفنون الجميلة بتفوق وعُين ضمن أعضاء هيئة التدريس كمُعيدٍ. أكمل الدراسات العليا، وحصل على درجة الماجستير.

“مثل الطير الذي انطلق”

هكذا عبر غسان عن نفسه عندما تحدث إلى أراجيك عن بداية رحلته كطالب للفن، فهو لم يجد ما يكفي ليُشبع رغبته في تعلم المزيد حول الفن الواقعي في بلده، لذا قرر التخلي عن كُرسي التعيين الجامعة وانطلق في بلاد المعمورة طالبًا للعلم والمعرفة والدراسة في أشهر الأكاديميات العالمية للفنون، حيث سافر إلى إيطاليا وروسيا وبعض الدول العربية مثل: سوريا ولبنان ومصر والإمارات العربية المتحدة واستقر به الحال في الولايات المتحدة الأمريكية. انشغل كثيرًا أثناء تنقلاته الكثيرة في التعلم ومعرفة المزيد. أثبت كفاءته وحصل على العديد من الجوائز منها المحلية من دولته العراق، ومنها الدولية من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا.

نعم..الموهبة تأتي أولًا

الفنان التشكيلي العراقي علي غسان
لوحة للفنان علي غسان بعنوان “Woman with diamond mask”.

يعتقد الكثير من الناس أنّ الدراسة الأكاديمية ضرورية لإتقان الفن التشكيلي. وعندما سألته أراجيك عن رأيه في هذا الأمر، كان رأي غسان أنّ الموهبة تأتي أولًا، ولا يحتاج الفنان إلى دراسة أكاديمية لمجرد أن يُصبح فنانًا. يكفي أن يكون بداخله دافع قوي وشغف حقيقي لتعلم المهارات المتعلقة بالفن جيدًا وتطويرها باستمرار.

تأثره بعصر النهضة

أوضح الفنان علي غسان تأثره بعصر النهضة كثيرًا، وهي الفترة التي بدأ فيها الفنانون الاتجاه نحو الفن الواقعي، وهذا الفن يجسد الواقع والطبيعة بعمق وشفافية، وهذه هي المدرسة التي يعمل غسان على إحيائها من جديد بعدما طغى الفن الحديث، والذي يصفه بأنه لا يقدم الواقع كما هو، وعلق غسان قائلًا: “الفنانون مترجمون للواقع”. لذا، هو لا يرى ترجمة الواقع هذه إلا من خلال الفن الواقعي. ويسعى غسان لتصحيح مفهوم الناس عن الفن ودعوتهم لإحياء تراث الفنون الواقعية من جديد.

يرى غسان أنّ الفنان الحقيقي هو الذي يستطيع إتقان الفن الواقعي الذي يُظهر الجمال في الطبيعة من حوله، مثلما فعل فنانو عصر النهضة، أمثال ليوناردو دافنشي، والذي يصفه بالعبقرية، فقد كان فنانًا إيطاليًا عميقًا، لا يهتم بالسطحية فقط بل ازداد عمقه لأن يرسم ما تحت جلد الإنسان، فأنتج دافنشي لوحة توضح تفاصيل التركيب التشريحي لجسم الإنسان، وكان هذا حدثًا مُذهلًا وقتئذٍ.

الفنان التشكيلي العراقي علي غسان
لوحة للفنان علي غسان بعنوان “Restorer Porcelain Pots”.

وعبر غسان عن اعجابه الشديد بدافنشي وعصر النهضة كثيرًا، فهو أول عصر يهتم بالفن الواقعي بهذا الشكل، وأدرك الناس أهمية هذا الفن، وقال غسان: “كان المعلمون يدعون الطلاب للاطلاع على الفن، نظرًا لأهميته في الفنون الأخرى، فقد كانت دراسة الفن تساعدهم في التصور والتخيل والإدراك. كما يدفعهم للتساؤل، ماذا وراء هذا الشكل؟ كيف تكوَّن؟ ما العناصر المُكوّنة له؟“. ويأمل كثيرًا في استعادة مجد عصر النهضة ورفع وعي الناس أكثر بالفن الواقعي.

الفن الواقعي..ترجمان للجمال الإلهي

يعتقد غسان أنّ الفن الواقعي عميق وليس سطحي، فهو يعتمد على العمق البصري، والفنان مثله مثل العالِم، كلاهما يتعلم من مراقبة الطبيعة، أحدهما يذهب للمختبر ليدرس والآخر يجلس أمام لوحته ويرسم صورة تعكس جمال الخلق، أو كما عبر غسان قائلًا: “الفن الواقعي ترجمان للجمال الإلهي”. وأضاف أنّ الفنان الحقيقي مرهف الحس، وله بصيرة ويستطيع إدراك كل شيء ويظهر ذلك في لوحاته.

الفنان التشكيلي العراقي علي غسان
صورة لإحدى أعمال الفنان علي غسان.

يرى غسان أنّ كل اللوحات التي يعمل عليها من أجل إظهار القيم الجمالية للحياة، حتى الأشياء الصغيرة التي قد لا تُمثل شيئًا للبعض، يستطيع الفنان الواقعي التقاطها وتقديمها في لوحاته بشكلٍ مختلف مُذهل. ويقول: “وظيفتنا أن نُخرج جمال الواقع”. ولأنه يؤمن كثيرًا بأهمية العُمق البصري والإحساس الذي يُضفيه من داخله على لوحاته، فهو يذهب للمكان المُراد رسمه حتى يشعر بعبق المكان، ويبدأ في العمل على لوحته، التي يُقدمها فيما بعد مُضيفًا إليها شعوره وموهبته.

أضاف غسان أنه دائمًا ما يطرح على تلاميذه مثالًا لترسيخ أهمية الفن الواقعي في نفوسهم. وهو “لو أنّ هناك شخصًا يعيش في مكانٍ مبعثر، بمرور الوقت سينعكس هذا على واقعه لا إراديًا، فيصبح شخصًا فوضويًا، أما عن الفن الواقعي، فهو أيضًا يؤثر على الشخص بطريقة لا إرادية، ولأنه فن منظم، يصبح هذا الشخص منظمًا”.

عندما يُتوّج الفن بالعلم والثقافة

أثناء حواري مع الفنان علي غسان، لاحظت أنه يتمتع بقدرٍ عالٍ من الثقافة، بالطبع لا يمكنني غض الطرف عن كونه مواطنًا عراقيًا، وجميعنا نعلم أنّ العراق دائمًا ما أنجبت أبناء مثقفين، لكن عند سؤاله عن مصدر هذه الثقافة الواسعة، ولماذا اهتم بتحصيلها؟ كان رده: “تساعد المعلومات والثقافة في توسيع آفاق المرء، وقد اهتممت بالقراءة في فلسفة الفن والتاريخ، حتى أستطيع الدفاع عن الفن في المستقبل” وظهرت ثقافته ومعرفته الواسعة فعلًا من خلال حديثه.

بذلك، يمكنني القول، إنَّ غسّان استطاع التسلح بالعلم من خلال دراسته الأكاديمية، والثقافة من خلال القراءة والاطلاع طوال سنوات الدراسة وأثناء رحلاته الطويلة وما زال يتطلع، والفن وهي موهبة ظهرت بوادرها عليه في سنٍ مبكرة، وأدركها جيدًا وعمل على تطويرها. إضافة إلى ذلك، مهاراته المتعددة المتعلقة بالفن والابداع. وخلال رحلته تأثر كثيرًا بدافنشي وميكيلانجيلو وروفائيل. وسعى إلى إحياء نهجهم الواقعي من جديد من خلال أكاديميته.

أزمة العرب مع الفن الواقعي

يرى غسان أنه- للأسف الشديد- لا يوجد تقدير كافٍ في الوطن العربي للفن الواقعي أو الفن عمومًا كما يحدث في الغرب. وعلق قائلًا: “الغرب يُعاملون الفنان مثل العالِم. إنهم يرون كليهما عبقريًا”، وأضاف أنه حاول تأسيس الأكاديمية التي حلم بها في الوطن العربي، لكنه وجد احباطًا شديدًا، فقرر الذهاب إلى الولايات المتحدة واستقر في ولاية كولورادو.

تأسيس الأكاديمية

كان حلم غسّان دائمًا هو إحياء الفن الواقعي من جديد، لذلك عزم على تأسيس أكاديمية متخصصة، ولأن عصر النهضة كان أفضل العصور التي شهدت تقدمًا هائلًا في هذا النهج، إضافةً لتأثر فناننا بهذا العصر، أعطى للأكاديمية اسم “REAL Academy of Art“، وأوضح أنّ كلمة “REAL” هي (RE-AL)، اختصارًا لـ”Renaissance a life” بمعنى عصر النهضة حي. كما أنها معتمدة من منظمة إحياء الفنون “Art Renewal Center” وفي هذا الصدد علق غسان قائلًا: “أردت إحياء تراث الفنون وتعليمها على نهج الفنانين العِظام”.

أسس الفنان علي غسان أكاديميته في ولاية كولورادو وهي الأكاديمية الأولى من نوعها هناك في تدريس تقنيات الفن التقليدية للفنانين النابغين الذين عاشوا في عصر النهضة الأوروبية، وتُقدم الأكاديمية دورات تدريبية مختلفة تساعد على إتقان عدة مهارات، منها: النحت والتصوير الزيتي والرسم..إلخ. كما تؤهل المبتدئين لفهم أصول الفن الواقعي ومعرفة أسرار الفنانين العظام، إضافة إلى أنها خطوة مناسبة لمن يريد الاحتراف في هذا المجال. وتُدعم جميع المستويات من المبتدئ إلى المحترف.

اقرأ أيضًا:  أفضل جامعات الفنون الجميلة في أستراليا

0

شاركنا رأيك حول "مترجم الواقع.. قصة نجاح الفنان التشكيلي العراقي علي غسان"