مؤلفات جلال أمين
0

یقدم كتاب وصف مصر في نھایة القرن العشرین من تألیف جلال أمین (مفكر اقتصادي مصري، من أشهر كتبه كتاب “ماذا حدث للمصريين؟” وكتاب “قصة الاقتصاد المصري” وكتاب “ماذا علمتني الحياة؟) تصویرًا بارعًا لما آل إلیه المجتمع المصري فى نھایة القرن العشرین، فى نواحي متعددة منھا: الاقتصاد والسیاسة والثقافة والإعلام، وفي العلاقات الاجتماعیة، خاصة تلك العلاقة بین طبقات المجتمع المتفاوتة، وبین الناس والحكومة، وبین المسلمین والأقباط.

یتمیز الكاتب بأسلوبه الذى یجمع بین البساطة والوضوح من ناحیة، وعمق الفكرة من ناحیة أخرى. ومن ثم فالكتاب جدیر بالفعل بأن یحمل اسم: “وصف مصر فى نھایة القرن العشرین”. حاول جلال أمین أن یصف ھذه الفترة في مصر من جمیع الأبعاد تقریبًا، وعلیه یمكننا أن نُكون صورة نقدیة لرؤیة جلال أمین لھذه الفترة من خلال عدة نقاط:

كتاب وصف مصر في نھایة القرن العشرین

وصف مصر في نھایة القرن العشرین - جلال أمين
جلال أمين مؤلف كتاب وصف مصر في نھایة القرن العشرین

أسلوب الكتابة الذي استرسل فیه جلال أمین في كتابه وصف مصر في نھایة القرن العشرین كان مختلفًا، لنقل صورة مصر من النواحي الحیاتیة المختلفة، فقد اعتمد على شكل المقالات التي تتحدث عن موضوع معین وتنتقل للآخر بشكل سلس، دون الشعور أنك تحتاج أكثر من ذلك، لتتكون لدیك صورة بعینھا عن الموضوع الذي یتحدث عنه.

یعتمد أیضًا على سرد قصص قصیرة حدثت معه بالفعل، كي ینقل صورة أقرب للواقع المصري آنذاك، غیر أن الأسلوب القصصي یكون أكثر جذبًا للقارئ، وأعتقد أنھا الطریقة الُمثلى في محاولة منه لجعل القارئ یعیش في تلك الحقبة الزمنیة ویتعرف على مشاكلھا من خلال معرفة قصص حقیقیة من واقع الشارع المصري، لا من خلال أرقام وإحصائیات فقط.

الانفتاح الاقتصادي

یبدأ د. جلال أمین كتاب وصف مصر في نھایة القرن العشرین بمقال طویل نسبیًا، یحاول فیه أن یقارن بین الاقتصاد المصري والاقتصاد اللبناني قبل الحرب الأھلیة. إذ أنه یرى أن العنصر المشترك الذي یدفع بعجلة الاقتصاد في البلدین ھما “الشطارة” أو یمكننا قول مصطلح مألوف أكثر وھو “الفھلوة” عند المصریین في التجارة.

ولكن لطالما نعبر عن ھذا المصطلح بشيء من الفخر على عكس الحقیقة، فالشطارة لا تعتمد على العلم أو دراسات الجدوى لكنھا تعتمد على قدرة الشخص في جني الأموال الكثیرة فحسب؛ لتكن الرأسمالیة التي زرعتھا الدول الأوروبیة في الدول العربیة ھي التي تقود كل شيء، ونشر فكرة أنه كلما كان معك مال أكثر كلما علا شأنك وتدرجك الوظیفي، وبالطبع ینتشر معاھا الرشاوي والتفكیر في المصلحة الفردیة على المصلحة العامة، وھنا تصبح الدولة استھلاكیة ولیست منتجة، ورغم أن مصر بھا مقومات كثیرة لتكون دولة منتجة في مجالات متنوعة أھمھا الزراعة مثلًا، إلا أنھا أصبحت دولة استھلاكیة تشتري حتى فوانیس رمضان من الصین.

الحقیقة أن الحال لم یختلف كثیرًا في وصف جلال أمین للاقتصاد المصري في نھایة القرن العشرین، وأعتقد أننا ما زلنا نعاني من آثار الانفتاح الاقتصادي الذي بدأ في عھد الرئیس السادات، والذي جاء فجأة لیقلب أیدلوجیة كاملة صنعھا عبد الناصر “الفكر الاشتراكي”.

ھذا التغییر السریع وغیر المدروس والذي یعتمد على النموذج الأجنبي في كل شيء، لم یكن متوافقًا مع مصر ولا مع الشعب الذي لم یعي جیدًا بماھیة الانفتاح وما حجم آثاره السلبیة، لذلك أصبح الشعب المصري في حالة تغریب ثقافي، ولم یفھم معنى الاقتصاد بعد، فالطبیعي أن تكون النتیجة أن یمشي الكثیر مع التیار ویغترف سریعًا من الغنیمة التي یراھا أمام عینه كل یوم. ومن ھنا یحاول الكاتب أن یصف التغیرات الجذریة التي حدثت للشارع المصري، وخاصة الھویة المصریة بسبب الانفتاح الاقتصادي.

تضارب بین الطبقات الاجتماعیة

وصف مصر في نھایة القرن العشرین
غلاف كتاب وصف مصر في نھایة القرن العشرین للمفكر المصري جلال أمين

من الآثار السلبیة من الانفتاح الاقتصادي على المجتمع المصري، وتقریبًا ھذه الآثار تستمر معنا إلى الآن ونحن في القرن الواحد والعشرین، وھي أن المجتمع بأسره في سباق طویل، كل طبقة ترید أن تعلو على من یسبقھا، حتى نرى أن الطبقة المتوسطة والتي تمثل قطاع كبیر من المجتمع المصري تتلاشى مع الوقت بسبب ھذا الصراع.

وكان ھذا واضحًا في قصتین ذكرھما جلال أمین في كتابه وصف مصر في نھایة القرن العشرین، الأولى تحكي عن عامل محارة أخذ یجمع في أموال طائلة في وقت قیاسي -وبالطبع ثروته السریعة ھذه من مصادر غیر شرعیة- وھذا الرجل یقرر أن یتملك عمارات في مصر الجدیدة، وبسبب عملیة السباق والركض وراء الأموال فقط، بنى ھذا الرجل أدوار غیر قانونیة غیر أنه لم یستعین بمھندس حینما قرر أن یھدم عمود أساسي في البناء لمجرد التوسعة، ووقعت العمارة!!

القصة الأخرى ھي مَولِد “مارینا”، بدایة فكر الطبقة العلیا أو “النخبة” كما یحبون أن یُلقبو، قرروا أن یبتعدوا عن عالم الفقراء قلیلاً ویبنون مكان ھادئ بجانب البحر لیستمتعوا بذلك المنظر الخلاب بعیدًا عن ضوضاء الطبقة الكادحة، غیر أن الطبقات العلیا كانت تتنافس أیضًا على من یبني “فیلا” أكبر بجوار البحر، وكلما زاد نفوذ الشخص كلما استطاع أن تكون “الفیلا” الخاص به بجانب البحر، حتى تحولت مارینا إلى منتجع أسمنتي، البحر مخنوق بكثیر من البیوت حوله ولم تسلم الطبیعة حتى من مساوئ الانفتاح وعالم“الفھلوة”.

اقرأ أيضًا:

نظرة على المجتمع المصري في أدب نجيب محفوظ: التفاوت الطبقي نموذجًا!

من وجھة نظري، ورغم أن الكاتب تعرض لانتقادات بسبب تحامله على الطبقات الكادحة التي تسعى لأن تواكب السباق العالمي لجني المال، إلا أنه كان محقًا في نقاط كثیرة، لعل أھمھا أنه لیس ضد من یعمل ویكدح حتى یصل إلى المكانة التي تتناسب مع إمكانیاته العلمیة والثقافیة، إنما ھو ضد كل من یحاول أن یتحایل على القانون ویمشي بمبدأ “التجارة شطارة” للحصول على المكانة الاجتماعیة وأن یكون في مكان لا یقدره، كعامل المحارة الذي اعتمد على ثقافته المحدودة في صنعته ولم یستعن بمھندس أو حتى یتبع القانون في عدم مخالفته، واتباع الأدوار المسموح بھا فقط في البناء.

غیر أنه ضرب أكثر من مثل على الطبقات العلیا التي تستغل نفوذھا وأموالھا في التحكم في الكثیر من الأمور، وقد تصل أحیانًا للتحكم في البشر أنفسھم كما عبر عن ذلك باستفاضة في مقالة بعنوان “دَعَر فھو داعر”.

الھویة المصریة

مؤلفات جلال أمين
جزء من مؤلفات المفكر المصري جلال أمين

ھناك “نظریة اشتراكیة” تقول أن عصر الرأسمالیة أو الانفتاح الاقتصادي لا یقتصر بالضرورة على تخریب الثقافة الوطنیة للشعوب التي تقوم بغزوھا وإحلال ثقافة غربیة محلھا، بل ھي تنفي الثقافة أصلًا. وھذا لا یعني ثقافة الآداب والفنون والإنتاج الفكري فقط، بل یقصد أیضًا نمط الحیاة الخاصة لشعب من الشعوب وقیمه وتقالیده.

ویرى جلال أمین في كتابه وصف مصر في نھایة القرن العشرین أن ھذه النظریة قد لا تكون دقیقة بما فیه الكفایة ولكن ھي على الأقل كل ما یحدث حولنا یؤكد لنا أنھا حقیقیة، وأن التغریب الثقافي یزداد یوًما بعد یوم، وحاول ضرب أمثلة حول التغیر الاجتماعي الذي تعرض لھا لمصریون على مدار٢٠ عاًما منذ بدایة الانفتاح. ومن الأمثلة التي طرحھا الكاتب: شھر رمضان المبارك الذي تحول من شھر للعبادة والروحانیات إلى شھر سباق بين الشركات الإعلانیة والمسلسلات الدرامیة على جذب انتباه الجمهور، مما أسفر عنه سلوكیات جدیدة على المجتمع المصري في التعامل مع الشھر الكریم.

كما أنه یرى أن “عقدة الخواجة” قد تحكمت بشدة في قرارت المجتمع المصري وتغییر نظرتھم للمواد التجاریة أو حتى ما یتابعونه على التلفاز، وأصبحت كرة القدم ما ھي إلا وسیلة من ھذا المجتمع لیواكب مسیرة التطور مع الغرب، ولیس حبًا في تلك اللعبة قدر ما ھو تقلید لما یحدث.

وصف مصر في نهاية القرن العشرين
كيف نظر جلال أمین إلى مشاكل المجتمع المصري؟

ختامًا، كانت تلك أھم النقاط التي تحدث عنھا جلال أمین في كتابه وصف مصر في نھایة القرن العشرین والتي تسببت في تغییر كبیر بالمجتمع المصري على مدار أكثر من٣٠ عامًا. وأعتقد أن الكثیر من المشاكل التي ذكرھا جلال أمین وفسرھا، ما زالت تطاردنا حتى الآن، ومنھا البیروقراطیة، وأزمة الھویة، وضعف الثقافة الدینیة مما یولد عنھا تطرفًا في الأفكار أو انحلالًا تامًا، وأزمة التعلیم خاصة “الثانویة العامة” التي ما زالت تسبب رعبًا للطلبة حتى الآن، والحیاة السیاسیة المنغلقة والتي لا تتمتع بالتنوع الفكري وتنوع الأحزاب المشاركة مما یولد عنه أیضًا انغلاقًا فكريًا تامًا واتباع سیاسة الدولة بدون وعي بأساسیات الثقافة السیاسیة. كل ھذا یمكننا أن ننسبه إلى الاقتصاد، مما یعني أن ھذا العامل الاقتصادي یتوقف عليه الكثیر والكثیر من العوامل الأخرى والتي تعتمد على التغیر الاجتماعي السلبي أو الإیجابي لأي مجتمع.

لك أيضًا:

من الرف الأسفل من المكتبة

0

شاركنا رأيك حول "وصف مصر في نھایة القرن العشرین: كيف نظر جلال أمین إلى مشاكل المجتمع المصري؟"