الاضطراب العاطفي الموسمي
0

في أواخر سبعينات القرن الماضي، كان هناك مهندسًا يدعى هيرب كيرن يبلغ من العمر 63 عامًا. كثيرًا ما شعر كيرن بتقلبات مزاجية تراوده في أوقات محددة من السنة، بالرغم من أنه رجل مليء بالطاقة والحماس، إلا أنه قد لاحظ تقلباته المزاجية هذه وبدأ في تدوينها منذ عام 1967. كان كيرن مقتنعًا بأنّ للضوء يد خفية في الأمر. وبدأت الدراسات تتجه نحو هذه الفكرة، لمعرفة ما السر وراء تلك الاضطرابات، وما علاقتها بتغير المواسم.

تتوالى على الأرض أربعة فصول في السنة، وهي: الربيع والصيف ثم الخريف بعد ذلك يأتي الشتاء. ولكل فصل مميزاته التي ينفرد بها وتحدث بعض التغيرات فيه مثل: تغيرات درجات الحرارة وطول اليوم وألوان أوراق الشجر والنباتات ونمو الفاكهة والخضروات التي يستسيغها الإنسان وغيرها. إنّ تغير الفصول يؤثر بشكلٍ كبير على حالاتنا المزاجية. هناك من ينتظرون الشتاء للاستمتاع برؤية الثلوج تتساقط. وتؤثر تغيرات الفصول على آخرين، فمثلًا يمكن أن يُصاب البعض بالاكتئاب نتيجة التغيير من فصل الصيف إلى الخريف، أو من الخريف إلى الشتاء، وهكذا.

اقرأ أيضًا: هل حالتك المزاجية بخير؟ إليك كتب تساعدك على تجاوز الاكتئاب الموسمي

الاضطراب العاطفي الموسمي

الاضطراب العاطفي الموسمي
الاضطراب العاطفي الموسمي (SAD) أو الاكتئاب الموسمي، هو نوع من أنواع نوبات الاكتئاب التي يمكن أن يتعرض لها الإنسان مع تغيير المواسم. عادةً ما يرتبط الاكتئاب بين العامة بالشتاء، ذلك لأنه يشيع أكثر أثناء هذا الفصل. لكن في نفس الوقت، قد يحدث في الصيف أيضًا، بالرغم من أنّ اكتئاب الصيف ليس منتشرًا كثيرًا، لكن يمكن حدوثه، وهو يحدث لبعض الأشخاص نتيجة حساسيتهم لأيام الصيف الطويلة. يُشير الباحثون إلى أنّ اضطرابات المزاج التي تحدث في الصيف أو الشتاء أو غيرهما بشكلٍ عامٍ، هي نتيجة مشكلتهم في التكيف مع البيئة الجديدة أو الظروف التي جدت.

بعض أعراض الاضطراب العاطفي الموسمي

  • الشعور بحالة حزن واكتئاب معظم اليوم.
  • فقدان الشغف والتخلي عن ممارسة الأنشطة أو الهوايات التي أحبها الشخص من قبل.
  • الإحساس بحالة من الاستهلاك وانخفاض الطاقة.
  • مواجهة مشاكل وصعوبة من النوم كل يوم.
  • فقدان الوزن، ومواجهة تغيرات في الشهية.
  • الشعور بحالة من الخمول والكسل دائمًا.
  • يتأثر تركيز الشخص ويصبح أكثر صعوبة.
  • يشعر المرء بحالة من اليأس كثيرًا.
  • الشعور بالذنب أو عدم القيمة.
  • هجوم الأفكار الانتحارية بشكلٍ متكررٍ على تفكير المُصاب.

ربما للضوء تأثير ما!!

في عام 1998، اهتم الباحثون بدراسة كيفية الاستفادة من الضوء واستخدامه لعلاج الاضطراب العاطفي الموسمي، فقد وجدوا أنَ الاضطراب العاطفي الموسمي في الشتاء يرتبط بانخفاض التعرض للضوء. كما أنّ الأشخاص الذين يعيشون بعيدًا عن خط الاستواء أكثر عرضةً لهذا الاضطراب عن أولئك الذين يعيشون بالقرب منه. فمثلًا، يُعاني 1% فقط من الأفراد الذين يعيشون في فلوريدا (قريبة من خط الاستواء) من الاضطراب العاطفي الموسمي، بينما يُعاني منه 9% من أولئك الذين يعيشون في آلاسكا (بعيدة عن خط الاستواء).وُجد أنَّ الإناث أكثر عرضةً للإصابة بالاكتئاب مقارنة بالذكور، كما يتعرض الأشخاص الذين لديهم تاريخ من الاكتئاب أو الاضطراب ثنائي القطب لخطر متزايد للإصابة بالاضطراب العاطفي الموسمي مقارنة بالآخرين.

تُشير إحدى الدراسات المنشورة في “Depression Resistant Treatment” إلى أنَّ انخفاض معدل ضوء الشمس يلعب دورًا بارزًا في:

  • انخفاض معدل نشاط هرمون السيروتونين (وهو ناقل عصبي، يتحكم في الحالة المزاجية للإنسان).
  • زيادة إنتاج الميلاتونين (ويُطلق عليه هرمون النوم، وعند زيادة إنتاجه، تزيد عدد ساعات نوم الإنسان)، كما يؤثر على الساعة البيولوجية.
  • انخفاض مستوى فيتامين د في جسم الإنسان، وهذا يرتبط بأعراض الاضطراب العاطفي الموسمي.
  • ولتحديد ما إذا كان الشخص مصابًا بهذا الاضطراب أم لا، يجب أن تظهر الأعراض بشكل متزامن مع مواسم محددة، والتي قد تستمر لمدة عامين على الأقل.

اقرأ أيضًا:  الذكاء العاطفي وتأثيره على إنجاح المرء بشكلٍ غير مسبوق!

مضاعفات هذا الاضطراب

يجب التعامل مع أعراض هذا الاضطراب بجدية تمامًا مثله مثل أنواع الاكتئاب الأخرى، فقد يزداد الأمر سوءًا ما لم يهتم المصاب بالبحث عن العلاج، إذ يساعد العلاج في منع هذه المضاعفات. ومن مضاعفات هذا الاضطراب ما يلي:

  • الانطواء والانعزال الاجتماعي.
  • مواجهة مشاكل في محل العمل أو المدرسة.
  • اضطرابات في الصحة العقلية مثل الإصابة بالقلق أو التفكير في الانتحار أو اضطرابات الأفكار.
  • تعاطي بعض المواد الكيميائية التي تتحول إلى إدمان فيما بعد.
  • اضطرابات الأكل

علاج الاضطراب العاطفي الموسمي بالضوء

الاكتئاب العاطفي الموسمي

تستخدم صناديق العلاج بالضوء، وهي ترشح ضوء الأشعة فوق البنفسجية لعلاج اضطراب الاكتئاب الموسمي. وتستخدم الصناديق الضوئية التي تحتوي على الأشعة فوق البنفسجية أيضًا في علاج بعض اضطرابات الجلد. هناك مجموعة من التعليمات المهمة التي يجب أخذها بعين الاعتبار عند استخدام العلاج بالضوء من أجل الاضطرابات العاطفية الموسمية:

  • استخدام صناديق إضاءة بسعة ضوء تبلغ 10000 لوكس، وهذا السعة تعادل 20 ضعف قوة الإضاءة الداخلية النموذجية.
  • أن يكون صندوق الضوء قادرًا على حجب 99% من الأشعة فوق البنفسجية.
  • يوضع صندوق الضوء فوق رأس المريض حتى يعطي انطباعًا يحاكي الإضاءة الخارجية الطبيعية.
  • يستخدم هذا الصندوق يوميا في الصباح لمدة 20 إلى 60 دقيقة من أوائل الخريف وحتى الشتاء.
  • يجب استشارة الطبيب قبل استخدام صندوق الضوء، فهناك بعض الأشخاص يتناولون أدوية تسبب حساسية للضوء.
  • حاول تقييم مدى ملائمة العلاج بالضوء عن طريق ملاحظة حالتك المزاجية وتدوين ما تشعر به.
  • لا يجب الاعتماد على العلاج بالضوء فقط، بل من المهم اتباع الأساليب العلاجية الأخرى مثل العلاج السلوكي واستخدام مضادات الاكتئاب، بإذنٍ من الطبيب.

العلاج المعرفي السلوكي أم العلاج بالضوء؟

تعتمد فكرة العلاج المعرفي السلوكي على تحسين مشاعر المرء تجاه الفصول. وفي هذا الصدد، أجرت “كيلي روهان”، أستاذة علم النفس في الولايات المتحدة الأمريكية، دراسة لمعرفة مدى تأثير العلاج السلوكي، ومقارنة فاعليته مع العلاج بالضوء. أظهرت نتائج الدراسة أن كلاهما فعّال في السنة الأولى فقط، لكن لُوحظ أنّ العلاج المعرفي السلوكي هو الأكثر فاعلية على المدى البعيد.

يساعد العلاج السلوكي المعرفي على معالجة مواقف الناس من الشتاء، فهو يخلص الشخص من التفكير السلبي الذي يأتي عند ذكر الشتاء. في حالة الإصابة بالاضطراب العاطفي الموسمي، يمكن أن تكون إعادة صياغة الأفكار أكثر فاعلية. مثلًا، عند استبدال فكرة “أنا أكره الشتاء” بعبارة أخرى “أنا أفضل الصيف على الشتاء”. أو “لا أستطيع القيام بشيء في الشتاء” بفكرة “يصعب علي فعل بعض الأشياء في الشتاء، لكن أستطيع إذا خططت جيدًا وبذلت جهدًا”.

اقرأ أيضًا: التشابه والاختلاف بين القلق و الاكتئاب

الاضطراب العاطفي الموسمي

تقول الدكتورة كيلي: “أنا لا أجادل في مسألة أنّ هناك دافعًا فسيولوجيًا قويًا يُسبب الاضطراب العاطفي الموسمي، وهو مرتبط بالضوء، لكني أجادل في فكرة أنّ المرء يستطيع إظهار جزء من السيطرة على كيفية استجابته وتعامله مع ذلك الأمر” وأضافت “يمكنك تغيير سلوكك وتفكيرك لتشعر بالتحسن خلال هذا الوقت من العام”.

بالمناسبة، هناك العديد من السلوكيات والعادات الحسنة التي تستطيع تغيير فكرة الشخص السيئة عن الشتاء. مثلًا، يتميز الشتاء بالأمطار والجليد، لمَ لا تستمتع باللعب في الثلج أو تتأمل الأمطار من خلف نافذة وأنت تحتسي مشروبًا دافئًا. هل جربت المكوث بالقرب من المدفئة وقراءة كتاب مفيد؟ باختصار، إذا استطاع المُصاب تحديد الأنشطة الشتوية الممتعة التي تُزين وقته وتعزز مزاجه، سيستطيع تخطي هذا الأمر بنجاح.

0

شاركنا رأيك حول "مرحبًا بالشتاء.. ماذا تعرف عن الاضطراب العاطفي الموسمي؟"