مجتمعات أمومية
0

سوف نتكلم في هذا المقال عن بعض المجتمعات الغريبة التي قد لا تصدقون أنها تعيش معنا على نفس الكوكب، مجتمعات أمومية تحكمها النساء. لكن في البداية، دعونا نتكلم قليلًا عن واقع حياتنا، ألسنا نحيا اليوم في كنف مجتمعٍ “ذكوريٍّ”؟

على ما يبدو فإنّ مصطلح “المجتمع الذكوري” يثير الحساسية عند الجميع، عند النساء والرجال على السواء. فهو يبدو للوهلة الأولى كتهمة تدين الرجل، وتسعى النساء من خلالها إلى لوم الرجل على كل شيء، في حين يسعى الرجل لنقض التهمة من أساسها، بل قد يدّعي مظلوميته في ظل مجتمع ذكوري يرمي كل الأعباء عليه. لسنا هنا اليوم لحلّ هذه القضية، وإنما للحديث عن شيء آخر، لكن لابدّ من توضيح الأمور وفق مسمياتها الحقيقية.

فنعم، نحن نعيش في كنف مجتمع يُدعى بـ”المجتمع الأبويّ” أو “البطريركي”، أو ما ندعوه عامتنا بالـ”ذكوري”؛ وهو نظام اجتماعي يتمتّع فيه الذكور بالسلطة الأساسية في مختلف جوانب الحياة، ابتداءً بالقيادة السياسية، إلى إدارة الأعمال، إلى توّلي شؤون المؤسسات الدينية، والنظم الاقتصادية، وملكية العقارات، وصولًا إلى المنزل العائلي والذي يُعتبَر فيه الرجل أيضًا ربّ الأسرة. وعلى الرغم من حدوث العديد من التحوّلات الإيجابية القانونية والاجتماعية في وضع المرأة، إلّا أنّ النظام الأبويّ لا يزال قائمًا بشكل كبير.

وعلى النقيض من النظام الأبويّ، هناك النظام الأموميّ، وبالرغم من ندرته، إلا أنّ العديد من المجتمعات لا تزال تعيش اليوم تحت راية المرأة.

اقرأ أيضًا: هل الرجال أذكى من النساء كما يُشاع؟ هل هن عقبة؟ العلم يجيب..

أمازونياتٌ وغيرهنّ، مجتمعات أمومية تحكمها النساء

يصحّ أن نطلق على مجتمعٍ ما صفة “الأمومي” في ثلاث حالات، يشير المصطلح في الحالة الأولى إلى حكومة النساء؛ وهي مجموعة أو أمة تحكمها نساء مسيطرة تفرض هيمنتها، وتُعتبَر الأمّ هنا هي ربّة الأسرة، الآمرة والناهية فيها.

وفي الحالة الثانية، تُطلَق هذه التسمية على النظام الاجتماعي الأمومي الذي ينتقل فيه الميراث والنسب عبر سلالة الإناث. أما في الحالة الثالثة، فيشير المصطلح إلى العائلة الأمومية، وهي البنية الاجتماعية التي تتمحور حول الأم والتي ليست بالضرورة أن تفرض هيمنتها.

قد تبدو فكرة وجود مجتمعات أمومية غريبةً بعض الشيء، أليس كذلك! في الواقع، تشير الأدلة الأثرية وتماثيل الآلهة الأنثى إلى أنّ المجتمع البشري كان في أصل أموميًا! إذ يعتقد العديد من علماء الأنثروبولوجيا أنّ المرأة وعلى مدى عشرات الألوف من السنين، كانت تحظى بالتبجيل والتكريم لقدرتها على الإنجاب. لكن وفي مكان ما قبل الميلاد بـ3000 عام، تغيّر كل شيء، وحظي الرجال بالأولوية في المجتمع، وولد النظام البطريركي.

وإن كنا جميعًا قد سمعنا بأسطورة “الأمازونيات”، بنات إله الحرب “آريس”، النساء المحاربات اللواتي اشتهرنّ بقوتهنّ وشجاعتهنّ وكرههنّ للرجال! إلا أنّها وبغض النظر عن تطرفها، فهي ليست مستحيلة الوجود. إليكم بعض الأمثلة عن الأنظمة الأمومية التي تعيش وفق قوانينها وعاداتها الخاصة، دون أن تكره الرجال طبعًا.

قبيلة موسو “Mosuo” في الصين

في مكان ما بين السماء والأرض هناك على سفوح جبال الهيمالايا قريبًا من بحيرة “لوجو” في جنوب غرب الصين، تنبسط “الأرض التي تحكمها النساء” أو “مملكة النساء”، أو ما يُدعى بقبيلة “الموسو”، وهي قبيلةٌ صنفتها الحكومة الصينية بشكل رسمي على أنها أقلية عرقية تحمل اسم “الناخي Nakhi”.

مجتمعات أمومية
قبيلة الموسو في الصين

قبيلة الموسو هي مجموعة بشرية فريدة من نوعها ثقافيًا، وبعيدةٌ كل البعد عنا ليس فقط في موقعها بل في عاداتها الاجتماعية أيضًا، أطلقت على نفسها اسم “نا Na”، و يزيد عددها عن 40.000 إنسان، ويمكن القول أن سياسة الطفل الواحد الصينية لم تكن لتطبّق هناك على الإطلاق، بل إنها ومنذ آلاف السنين تعيش وفق نظام أمومي كالتالي:

لكل عائلة كبيرة أمٌّ حاكمة تسيّر شؤونها، ولها سلطة مطلقة على كلّ فرد من أفرادها، وتُدعى محليًا ب”ah mi”، ويتم عبر سلالة الأم توريث النَسَب والممتلكات. تهتم النساء بجميع الأعمال وإنتاج السلع المنزلية وتربية الأطفال، في حين يهتم الرجال بتربية الحيوانات وصيد السمك. كما ويُنسَب الأطفال لأمهاتهم وليس لآبائهم، بل قد لا يعلم الأطفال آباءهم الحقيقيين على الإطلاق، والجدير بالذكر أنّ هذه الحالات لا يتم وصمها بالعار أبدًا في هذه القبيلة.

مجتمعات أمومية
قبيلة الموسو

والآن، إن كنتم تعتبرون هذا غريبًا، فانتظروا الجزء المتعلق بالزواج! في الواقع، لا يوجد في اللغة المحلية كلمةٌ تحمل معنى “الزوج” أو “الأب”، ولا يوجد زواجٌ بمعناه التقليدي، أما ما يحدث هو أنّ الرجال يبقون مع أمهاتهم، ثم وعند هبوط الليل، تختار النساء شريكًا عن طريق المشي إلى منزله. قد تختار النساء عشاقًا من قبائل مختلفة، ورغم ذلك، فهنّ لا يُدَنّ بأي نوع من الأحكام أو الاتهامات، باستثناء واحد حديث فقط، وهو أنّ العديد من زوّار المنطقة والتي ازدهرت سياحيًا مؤخرًا، يسيؤون فهم هذه العادات الثقافية الخاصة بسكان المنطقة، ويفترضون أنّ نساء “الموسو” يعرضنّ الجنس مجانًا، حتى أصبحت منطقة بحيرة “لوجو” تشتهر بحيّ الدعارة.

اقرأ أيضًا:  من الصراع على المياه إلى فرض العقائد وشرف النساء.. أهم أسباب نشوب أقوى الحروب

مينانجكاباو “Minangkabau” في إندونيسيا

هي إحدى أكبر المجتمعات الأمومية المعروفة على الإطلاق، بعدد يزيد عن 4 مليون نسمة، تعيش في مرتفعات سومطرة في إندونيسيا. هناك، يعتقد السكان المحليون أنّ حكم النساء قد بدأ في القرن الثالث عشر ميلاديّ، بعد أن توفيّ الملك المؤسس لمملكة “كوتو باتو” تاركًا خلفه ثلاث زوجاتٍ وثلاثة أبناء، فتحملت زوجته الأولى المسؤولية وتولت مقاليد الحكم، ومهدت بالتالي لمجتمعٍ تقوده النساء.

يميز هذا المجتمع ما يميز كل المجتمعات الأمومية، وهو أنّ توريث الأرض والممتلكات واسم العائلة يتم عبر سلالة الأنثى، أيّ من الأم إلى الابنة، في حين يتولى الرجال أمور الدين والسياسة. ومع ذلك، وعلى رغم من تولي الرجال دور القيادة، إلا أنّ النساء هنّ في الواقع من يخترنّ القائد، وبإمكانهنّ عزله في حال قررنّ ذلك.

قبيلة المينانجكاباو
شعب المينانجكاباو في إندونيسيا

هذه الثقافة الأمومية لم تكن وليدة الموروث فقط، بل نتيجة التشتت والاغتراب؛ إذ غالبًا ما يسافر الرجال فترات طويلة بحثًا عن العمل، تاركين خلفهم النساء لرعاية الأراضي والممتلكات والأبناء، واللواتي دائمًا ما يكررنّ قولهنّ: “على عكس النساء، لا حاجة للرجال بالمنازل، فهم يستطيعون العيش في أيّ مكان”.

قبيلة بريبري Bribri في كوستا ريكا

يُعتبَر شعب هذه القبيلة أحد السكان الأصليين في مقاطعة ليمون في كوستاريكا وشمال بنما، يتراوح عددهم ما بين 12،000 إلى 35،000 نسمة، ورغم أصالة انتسابهم إلى المنطقة، إلا أنّ تتالي المستعمرين والسياحة الغربية قد أثرت فيهم بشكل كبير وعلى نحوٍ سلبي، وأسفرت عن حرمان العديد منهم من العمل والحقوق.

وكما هو الحال في أي مجتمعات أمومية فإنّ الأرض والتقاليد والنسب القبلي تنتقل عبر الأم، من الأم إلى الابنة إلى الحفيدة، كما أن العشيرة التي ينتمي إليها كل “بريبري” تُحدَّد عن طريق أمه.

مجتمعات أمومية
نساء “البريبري” في كوستاريكا

لا تتوقف الأمور على الماديات ومن يرثها، بل إنّ للنساء هنا بعض التفوّق الروحيّ حسبما يعتقد سكان القبيلة، إذ يُسمَح للنساء فقط بإعداد مشروب الكاكاو التقليدي، والذي يستخدم في الطقوس المقدّسة، فأساطير قبيلة “بريبري” تقول أنّ شجرة الكاكاو سبق وأن كانت امرأة، حولتها الآلهة إلى شجرة!

اقرأ أيضًا: ملحمة الإلياذة: لمحة تاريخية عن النساء والحرب

قبيلة “الهوبي Hopi” في الولايات المتحدة الأمريكية

“الشعب المسالم” أو “الناس الأقدمون”، تسميات عديدة أُطلقت على هؤلاء المجموعات من سكان أمريكا الأصليين، وهي قبيلةٌ تنحدر من شعوب “هنود بويبلو” القديمة، تعيش ضمن منطقتها الخاصة التي تحيط بها محمية “نافاجو” في شمال شرق أريزونا.

نساء من قبيلة "الهوبي"
نساء من قبائل “الهوبي” في الولايات المتحدة الأمريكية، أريزونا.

يعيش الهوبيون وفق ثقافة أمومية تقليدية ترتكز على الزواج الأُحاديّ وانتساب الأطفال إلى عشائر أمهاتهم، كما يتبعون قواعد الإقامة الأمومية، إذ ينتقل الزوج الجديد للعيش في منزل حماته. وبالإضافة إلى ملكية الأراضي والتي يعتبرها الهوبيون أراضٍ مقدسة، فإنّ النساء مسؤولات أيضًا عن صادرات القبيلة من الحرف اليدوية والسلال والفخاريات، وتربية الصغار والاعتناء بكبار السنّ، في حين يقوم الرجال بأعمال الزراعة وتربية الماشية والحيوانات، ونسج البطانيات والملابس وصنع الأخفاف، وبناء المنازل.

الخاسيس “Khasi” في الهند

الخاسيس أو الخاسيون “Khasi” هو مجتمع قبلي يقيم في ولاية ميغالايا شمال شرق الهند، يبلغ عددهم حوالي المليون نسمة، ويعيشون في كنف مجتمع أمومي. وحسب تقاليدهم، نساء “الخاسيس” هنّ ربات الأُسر، ويتبوؤنّ العديد من الأدوار القيادية في المجال العام والمكاتب الحكومية والأسواق، ويقمن أيضًا بدعم عوائلهنّ ماليًا.

مجتمعات أمومية
شعب “الخاسي” في الهند

كما يتم تمرير اسم العائلة وممتلكات الأجداد من خلال خط النسب الأنثوي، بحيث تصبح الابنة الصغرى هي الوصية على كل الميراث وممتلكات الأجداد كما يصفونها. قد يحتوي هذا الميراث على أراضي أو حلي ذهبية أو مرجانية أو ملابس ثمينة وغيرها، بالإضافة إلى أنها ترث المسؤوليات التقليدية تجاه كبار العشيرة. لكن، امتلاك هذا الإرث لا يعني أنها تستطيع بيعه أو التصرف فيه، بل يعني ببساطة أنها تصبح الوصية على تراث العشيرة.

نساء من شعب "الخاسي"
إحدى طقوس شعب “الخاسي” في الهند

والآن، انظروا إلى السيناريو التالي: إذا تزوج رجل من الابنة الصغرى لإحدى العائلات، فعلى الأغلب أنه سينتقل للعيش في منزل زوجته مع أفراد أسرتها، وهذا السبب في أنّ العائلات “لا تستثمر” الكثير في أبنائها الذكور، فهم سيرحلون في النهاية آخذين ثرواتهم إلى منازل زوجاتهم. وهناك، في منزل الزوجة، لا يملك الرجل رأيًا يُذكَر، لأن أقارب الزوجة لهم الأحقية بالطبع، كما ليس للزوج أيّة حقوق على أبنائه، فهم يحصلون على اسم والدتهم وينتسبون إلى عشيرتها. وفي حال وجد نفسه في مأزقٍ ما، يمكنه فقط أن يلجأ إلى أخته الصغرى، والتي من المفترض أن تعتني به، بصفتها الوصي الشرعي على العائلة. وربما تتساءلون أين يذهب في حال انفصل عن زوجته! نعم، إلى أخته الصغرى ليعيش في منزل والديه.

لكن وقبل أن تتمنى العديد من الشقيقات الصُغريات لو وُلِدن هناك، لابدّ أن نفهم أنّ هذه الظروف مجحفةٌ بحق الرجال والنساء على السواء! إذ أنّ العديد من رجال القبيلة يشعرون بالحرية التامة من أية التزامات، وقد يتنكرون لمسؤولياتهم بكل بساطة، بل وقد يتخلون عن زوجاتهم وأطفالهم بسهولة من أجل فتاة أُخرى، ولمَ لا، فهو غير ملزم بشيء، فالعشيرة ستربي الأطفال على كل الأحوال، هذا ما دفع النساء للبحث عن الزواج من رجال غرباء من خارج القبيلة بحثًا عن الاستقرار.

كانت هذه بعض الأمثلة عن مجتمعات أمومية تحكمها النساء، وفي الختام، يمكن القول أن لكل مجتمعٍ مهما اختلف وتفرّد أعباءه ومشاكله التي يلقيها على أكتاف نسائه ورجاله، لذا فأيًا كانت العادات التي تحكم المجتمعات، لابدّ أن نسعى لأن يحصل كل إنسان على كامل حقوقه، وأن يؤدي واجباته على أتم وجه، حتى تستمر الحياة بأقل الخسائر.

اقرأ أيضًا: النساء الأكثر نفوذاً ووحشية على مر التاريخ!

0

شاركنا رأيك حول "على عكس واقعنا.. مجتمعات أمومية تحكمها النساء"