0

في يوم الخميس 11 يناير من العام 2007، وضعت ج. ك. رولينغ – J. K. Rowling اللمسات الأخيرة في كتابها هاري بوتر ومقدسات الموت – harry potter and the deathly hallows لتسدل الستار على سباعية الفانتازيا الأكثر مبيعًا في التاريخ هاري بوتر – Harry Potter، وسُرعان ما كان الملف الثمين في يد الشخص التالي مباشرة بعد المؤلف، وكيلها الأدبي كريستوفر ليتل – Christopher Little.

كان استلام مخطوط الرواية السابعة في أجواء من السرية شبيهة بتجارة الممنوعات، وبالتأكيد لم يكن الوكيل الوفي يعرف أنه سيرحل من عالمنا في نفس هذا اليوم 11 يناير عام 2021، كأن حياته ترافقت مع انتهاء ملحمة أهم أبطال وكالته، لكنها لم تكن المفارقة الوحيدة في قصة الثلاثة: رولينغ وبوتر وليتل.

كريستوفر ليتل حصل على هاري بوتر بسبب اسمه!

الوكيل الأدبي كريستوفر ليتل
الوكيل الأدبي الراحل كريستوفر ليتل

باعت سلسلة هاري بوتر حوالي نصف مليار نسخة بأكثر من 80 لغة حول العالم، لكن هذه الأرقام رهيبة الثراء تعكس في البداية فقرًا مضنيًا، والمؤلفة ج. ك. رولينغ كانت عاطلة مُطلقة أفقر من أن تطبع نسخًا معدودة للجزء الأول هاري بوتر وحجر الفيلسوف – Harry Potter and the philosopher’s stone المنتهي عام 1995، وقد كان عليها إرسال هذه النسخ للوكلاء الأدبيين ودور النشر، هكذا اضطرت لإعادة كتابة الرواية بنفسها من جديد وقد حدث.

أرسلت رولينغ المخطوط إلى أول وكيل طالعت اسمه في دليل الكتاب والمؤلفين السنوي، مع ارتكاب خطأ صبياني مرعب وهو إرسال فصول كتابها في ملف بلاستيكي أسود أنيق، للحفاظ على الأوراق حال رفضها، ومن ثم ترجع إليها بحالتها فيمكنها إرسالها من جديد دون كتابة أخرى وحبر جديد وتكاليف جديدة، المشكلة أن الكاتبة المبتدئة كانت تجهل حقيقة احتقار الوكلاء ودور النشر لهذا التصرف باعتباره استعراضيًا مشينًا، وكأن الكاتب يحاول لفت الانتباه إليه بملف بلاستيكي ملون!

ج. ك. رولينغ في التسعينيات مع طليقها
ج. ك. رولينغ في التسعينيات مع زوجها الأول

بسرعة عاد إليها الرد بالرفض مع عدم إرسال أوراقها! الشيء الذي أثار غضبها لكنه لم يحد من عزيمتها، فاختارت الوكيل الثاني كريستوفر ليتل بسبب اسمه، ظنًا أن “ليتل” التي تعني “صغير” قد تعبر عن تخصصه في مجال الأطفال الذي تكتب فيه، بينما على العكس كانت وكالة “ليتل” لا تقتنع أبدًا بتحقيق الربح من كتب الأطفال، هكذا ذهب الكتاب بالملف البلاستيكي المعيب إلى وكالة غير متحمسة، فكان مصيره في كومة الأعمال المرفوضة!
اقرأ أيضًا:

الجندية المجهولة في صعود هاري بوتر

يبدو أن بطلة أخرى في قصة هاري بوتر آن لها أن تظهر، وهي مُساعدة كريستوفر ليتل بيروني إيفانس، والتي لفت انتباهها ذاك الملف الجذاب في كومة المهملات، لقد تحول خطأ رولينغ إلى أداة جذب غيرّت حياتها وتاريخ الأدب معًا، بالفعل فكرت “إيفانس” في مطالعة المخطوط على سبيل التسلية ليبدأ السحر الحقيقي، فلم تتمكن من ترك الفصول الثلاثة طوال الغداء خاصة مع رسومات رولينج اللطيفة، وطلبت مباشرة من كريستوفر ليتل أن تراسل الكاتبة لتقرأ الرواية كاملة، فأعطاها الوكيل موافقته.

أحد فصول الرواية بقلم رولينغ - كريستوفر ليتل وكيل هاري بوتر
أحد فصول الرواية بقلم رولينغ

وصل خطاب الرد لرولينغ التي فتحته بانتظار كلمات رفض جديدة، إلا أن الأمر بإرسال باقي المخطوط كان أفضل إجابة تلقتها في حياتها كما تصفها، بل إنها شرعت في قراءته 8 مرات، وبعد وصول “حجر الفيلسوف” كاملة إلى بيروني إيفانس أنهت قراءته وألحّت على مديرها أن يفعل مثلها، فكان مترددًا لأنه كما أسلفنا لا يهتم بهذا اللون الأدبي، وفي النهاية أذعن لتأخذه جذبة السحر هو الآخر ويقرّ بنفسه أمام الإعلام “حين شرعت في قراءة الكتاب هزتني رجفة، لقد فهمته على الفور”.

رسم لأول فصل من هاري بوتر بيد رولينغ - الوكيل الأدبي كريستوفر ليتل
رسم لأول فصل من هاري بوتر بيد رولينغ

هنا كانت اللحظة، قرر كريستوفر ليتل أن يوقع عقدًا مع الأدبية الواعدة، بنسبة 15% من المبيعات في بريطانيا و20% من التراجم والأفلام، بمدة قدرها 5 سنوات تتجدد كل عام تلقائيًا، وتمّت الشركة لتبدأ سلسلة من التعديلات، أهمها إضافة المزيد من القواعد إلى لعبة الكوديتش، وتطوير شخصية نيفيل لونجبوتوم، ثم بدأ الجزء الأصعب وهو البحث عن الناشر.

الوكيل الأدبي المثابر كريستوفر ليتل

تشتهر سلسلة هاري بوتر برفضها من اثني عشر دار نشر قبل القبول، غير أن الأرقام قد تكون أكبر وتتكتم عليها الكاتبة ووكالتها، كما أن الأسباب في ذاك الوقت كانت منطقية بالنسبة لمعايير النشر، فالكتاب يحتوي أكثر من 90 ألف كلمة، في حين أن أكبر كتاب أطفال كان لا يزيد عن 40 ألف كلمة، كما أن شخصية ددلي درسلي البدين الكريه كانت تمثل تلميحًا سياسيًا في نظر بعض دور النشر، رغم وجودها في كلاسيكيات كتب الأطفال أصلًا مثل تشارلي ومصنع الشوكولاته.

باري كونينغام مستشار دار نشر بلومزبري أول من أصدر هاري بوتر للمؤلفة رولينغ
باري كونينغام مستشار دار نشر بلومزبري أول من أصدر هاري بوتر

شيء آخر كان ضد تقييم رولينغ وهو أن الأحداث الأساسية تبدأ في الفصل السابع مع وصوله لمدرسة السحر، أما قبل هذا كله فقد كان تمهيدًا مملًا للمحررين في دور النشر، حتى أن أحدهم ظل عاكفًا على الكتاب 6 أشهر حتى بات الفرج موشكًا إلا أن المحرر اعتذر من جديد! كل هذا تغير عندما أصبح الحُكم في يد طفلة حقيقية من جمهور السلسلة وليس أحد المحررين البالغين.

أول طبعة من هاري بوتر وحجر الفيلسوف - كريستوفر ليتل - رولينغ
أول طبعة من هاري بوتر وحجر الفيلسوف

كانت هذه المحررة الصغيرة هي الطفلة أليس نجلة باري كونينغام مستشار دار النشر رقم 13، الصرح الصغير وقتها “بلوزمبري” وقد تحدث معه “كرستوفر ليتل” وأقنعه بالقراءة، لكن رد فعله كان فاترًا كما يقول “قرأتها ولم تسقط الشهب من السماء لكنها أعجبتني” أما رأي ابنته فكان حاسمًا “أبي، هذا العمل أفضل من أي شيء آخر حقًا” وكان إلحاح الطفلة سببًا في قبول والدها، فكانت مكالمة كريستوفر ليتل لرولينغ التي جعلتها تقفز في ردهة منزلها المتواضع من الفرح.

أول دفعة من المليارات

استطاع كريستوفر ليتل أن يرفع أجر رولينغ إلى 2500 جنيه إسترليني بدلًا من ألف، بعد 10 دقائق فقط من المحاورة مع دار النشر، كما حصل على معظم حقوق النشر بالخارج مما سيجلب له ولعميلته المليارات مستقبلًا، وكان أول شيء فعلته رولينغ هو شراء هدية لابنتها الوحيدة التي كانت تعولها وحدها، بعد انفصالها عن زوجها الأول، الأمر الذي تشترك فيه مع كريستوفر ليتل الذي كان منفصلًا ويربي أطفاله بنفسه.

كريستوفر ليتل وشعار وكالته الأدبية
كريستوفر ليتل وشعار وكالته الأدبية

دارت العجلة بعد ذلك بأسرع مما يتوقع الجميع، لقد بدأت السلسلة بتحقيق الشعبية وجني جوائز الكتابة، شيئًا فشيئًا جلبت الأرباح لمؤلفتها حتى استقالت من مهنتها كمعلمة وتفرغت للكتابة، أما وكالة كريستوفر ليتل فقد تابعت نشاطها وحصلت على عقد آخر في الولايات المتحدة، ليصعد هاري بوتر إلى قائمة أعلى المبيعات وينتقل إلى السينما بخطوات واثقة وسحر فريد جعله أعلى سلاسل الأفلام أرباحًا.

شراكة طويلة دامت بين الأديبة ووكيلها كريستوفر ليتل
رولينغ مع الجزء السابع والأخير من هاري بوتر

شراكة طويلة دامت بين الأديبة ووكيلها كريستوفر ليتل ولم تنفض إلا عام 2011، لكن العاملين بالمجال الأدبي يصفون هذه الرحلة بالأكثر نجاحًا أدبيًا في التاريخ، كما أن محطات كريستوفر ليتل الأخرى الأدبية كانت براقة، وأهمها الكاتب الإيرلندي دارين شان الذي باع هو الآخر 30 مليون نسخة حول العالم، ويبدو أن المفارقة الأخيرة في حياة هذا الوكيل المحترف تكمن في عمره الذي بلغ 79 عامًا، بينما أنشأ وكالته عام 1979!

0

شاركنا رأيك حول "كريستوفر ليتل.. وكيل هاري بوتر الذي قدّمه للعالم ورحل في يوم انتهاء قصته!"