موانع الحمل والتمكين الاقتصادي للمرأة
0

ربما في وقتٍ سابق من الآن، وقبل وصول العالم إلى هذه الدرجة من التطور اليوم، لم يكن في جعبة المرأة إلا أن تفكّر في نفسها وهي تكبر، ترتدي فستانها الأبيض، تعيش حياتها الزوجية وتنجبُ أطفالًا، تربيهم وتعلّمهم وتكون مربية فاضلة، تنشئ جيلًا قويًا كما يُقال.

ولكن كما نرى هذه الأيام، وفي إطار تحقيق التنمية المستدامة، فإن أغلب الدول أصبحت تلتزم بتحقيق المساواة بين الجنسين، وحقيقةً، من خلال اعتماد أهداف التنمية المستدامة، أكد العالَم بأجمعه، ليس فقط على ضرورة تحقيق المساواة بين الجنسين، وإنما على تمكين الفتيات والنساء على وجه الخصوص، وذلك بحلول عام 2030.

يدعو الهدف “الخامس” من أهداف التنمية المستدامة إلى ضرورة “ضمان الوصول الشامل إلى الصحة الجنسية والإنجابية، والحقوق الإنجابية”، ومن جهة أخرى، يدعو إلى “ضمان المشاركة الكاملة والفعالة للمرأة، وتكافؤ الفرص لها بشأن القيادة في الحياة السياسية والاقتصادية والعامة”. احتلّ كِلا الموضوعين مكانة عالية في جدول الأعمال الدولي، إذ اهتمت شراكة تنظيم الأسرة لعام 2020، والتي تضم مجموعة Women20 (اختصارًا W20) وهي المجموعة التابعة لمجموعة العشرين من أجل الشمول الجنساني والتمكين الاقتصادي للمرأة، اهتمت بدعم هذه الأهداف، كما اهتمت بذلك لجنة الأمم المتحدة رفيعة المستوى، والمعنية بالتمكين الاقتصادي للمرأة أيضًا.

مهلًا، قد نلاحظ بدايةً أن هناك علاقة وثيقة بين الهدفين، “الحقوق الإنجابية” و”التمكين الاقتصادي” للمرأة، الواضح أنه يجب أن تعزز الحقوق الإنجابية القوة الاقتصادية للمرأة، ولكن ما هو حجم هذا الارتباط المحتمل، وما هي العلاقة السببية بينهما؟ وهل لاكتشاف موانع الحمل دور في هذه الحقوق الإنجابية وأثر ولو بشكلٍ ضئيل على التمكين الاقتصادي للمرأة؟ ربما.. على الرغم من قلة الأدلة المتوفرة على وجود ارتباطات بين الأبعاد المختلفة لتمكين المرأة واستخدام موانع الحمل.

نقطة البداية.. الحقوق الإنجابية

الحقوق الإنجابية

هناك جانب محدد من الحقوق الإنجابية للمرأة، وهو توافر موانع الحمل الحديثة الآمنة والرخيصة (بمتناول الجميع) والمقبولة اجتماعيًا وصحيًا، وهذا ما يمكّن المرأة من التحكّم بتوقيت الحمل، وبالتالي زيادة سيطرتها على حياتها، أي تتمكن الشابات من اتخاذ قرارات أكثر استنارة واستراتيجية بشأن مشاركتهن في سوق العمل وقطاعات العمل المختلفة في المستقبل.

نقطة البداية في الحقوق الإنجابية تنطوي على استكمال الأنثى لدراستها الجامعية، والبقاء فيها فترة أطول لاستكمال الدراسات العليا إذا أرادت، ثم الدخول في المجالات العملية والبحث عن الفرص الاجتماعية والاقتصادية والاستفادة منها، كبدء مشروع عمل تجاري خاص، أو حتى المشاركة في مشاريع الغير.. في حال كانت متزوجة، فإن الحقوق الإنجابية تضمن لها أن تكون الفرصة لفعل هكذا أشياء متاحة أمامها.

اقرأ أيضًا: قبل أن ننسى !! المرأة العربية في حاجة لأيام عالمية

النقطة الأهم.. تنظيم الأسرة

تنظر بعض الفتيات أو أسرهن إلى حالة التخلي عن العمل أو الزواج والبقاء في المدرسة أو الجامعة واستكمال التعليم على أنه الحل لتمكين المرأة أو لتعزيز وضعها المجتمعي واستثمار التعليم على أنه مشاركة اقتصادية أكثر إنتاجية.. في حال أكملت المرأة دراستها، ودخلت في مشروعها الخاص، ثم تزوجت، أنجبت أطفالًا كما تريد، هكذا يقع عليها عبءٌ أكبر، من جهة مشاركتها الاجتماعية والاقتصادية في بلدها كفرد عامل، وعائلتها من جهة أخرى، وهنا يأتي دور عامل تنظيم الأسرة.

الحياة المجتمعية الروتينية، الدراسة ثم الدخول في مجال العمل قليلًا، ثم الزواج والإنجاب.. ليست حلًا، نحن بذلك نضاعف المشاكل. في مقال نُشر عام 1987، نوّه بعض الاقتصاديين إلى فكرة أن “انخفاض الخصوبة ليس مبدأ كافٍ أو حتى ضروري لتحسين وضع المرأة..”، بدلًا من ذلك، فإن معرفة النساء أنه يمكنهن- إذا رغبن- التحكم في توقيت إنجابهن للأطفال، يحسن الخيارات الاقتصادية للمرأة ويعزز وضعها بشكل أكبر.

من الضروري أيضًا أن يفهم المجتمع ذلك.. لا يجب أن ننظر إلى الأنثى كما نريد، إما أم، أو عاملة، أو عاملة ثم أم، أو ربّة منزل فقط، أو غير ذلك.. كثيرًا ما نرى مجتمعات تتحكم بحياة المرأة حرفيًا، تقرر مصيرها. ألم تتزوج فلانة؟ لِمَ لمْ تُكمل تلك دراستها؟.. ستكمل في بيت زوجها! لا لن تستطيع، فعندما تنجب أطفالًا لن يبقى لديها وقت لتهتم بنفسها..

ما شأنكم؟؟! من أنتم لتقرروا كيف ستعيش حياتها وهل تريد أن تنجب الآن أصلًا؟ لا تحكموا رجاءً واهتموا بحياتكم، دعوا الناس تنظم حياتها بنفسها، كل فرد موكّل بتنظيم نفسه وأسرته.

اقرأ أيضًا: تجربة تونس في حقوق المرأة ومنع الزواج الثاني… هل يمكن أن تضاهيها الدول العربية الأخرى؟

إثباتات وأمثلة على دور اكتشاف موانع الحمل في التمكين الاقتصادي للمرأة

في الولايات المتحدة، وكما نعرف فهي دولة ذات دخل مرتفع، أظهرت الأبحاث أن زيادة الوصول واستخدام موانع الحمل كان له آثار سريعة وهامة في تحقيق المساواة الاقتصادية والاجتماعية للمرأة. في أواخر الستينات وأوائل السبعينات من القرن الماضي، حصلت العديد من النساء على حق الوصول القانوني- والذي كان مقبولًا اجتماعيًا أيضًا- إلى حبوب منع الحمل. من خلال ذلك، تطلّعت النساء إلى مستقبل أقل تقييدًا، أمكنهم ذلك من منع الحمل، واستكمال التعليم، والعثور على الشريك المناسب، والتخطيط لحياة مهنية وتسلّق السلّم الوظيفي مع زيادة الاستثمار في التعليم، أو بشكل عام، التخطيط للحياة التي يريدونها في الوقت الذي يريدونه.

بالانتقال إلى المناطق الأقل ثراء، في البلدان المتوسطة والمنخفضة الدخل، حقيقةً، إن الأدلة على تمكين المرأة كانت محدودة نوعًا ما في تلك المناطق. أُجريت القليل من الدراسات المنهجية الصارمة، والتي أوضحت فيما إذا كان التسلسل الذي وصفناه في الولايات المتحدة ينعكس أيضًا في الأماكن الأقل ثراءً، وعما إذا كان يمكننا استخلاص رابط سببي من الوعي العام بالقدرة على تحديد وقت الحمل والولادة، ولكن المشكلة هنا كانت القدرة على تحديد الوعي العام (هو عنصر متغيّر هنا) بدقة.

في دراسة شملت جميع أنحاء العالم، توفيت 292982 امرأة في عام 2013 بسبب المضاعفات المرتبطة بالحمل، وكانت نسبة حوالي 50% من الوفيات في 6 بلدان نامية، بما في ذلك باكستان، ومن المتوقع أن تكون الوفيات أعلى بنسبة 1.8 مرة عند النساء اللواتي لا يستخدمن موانع الحمل أبدًا. هنا، قُضي على المرأة نهائيًا، لم تقدر على المحافظة على صحتها حتى نقول يجب “تمكينها” اقتصاديًا.

تتأثر صحة المرأة وأطفالها في العديد من المجتمعات سلبًا بسبب تدني الوضع الاجتماعي للمرأة داخل أسرتها، وغالبًا ما يرجع ذلك إلى الأدوار المحددة لها ثقافيًا واجتماعيًا- كما نوّهنا سابقًا. وتضحّي العديد من النساء في منطقة جنوب آسيا برغبتهنّ بتنظيم إنجابهنّ إذ أنه يتم توجيههنّ بطريقة تجعل مصالحهنّ العائلية تتجاوز رغباتهنّ الشخصية.

اقرأ أيضًا: هل كان سي السيد عدوًّا للمرأة؟ حديث عن شخصية نجيب محفوظ الأبرز

موانع الحمل جعلت المرأة تسيطر على الوضع

حبوب منع الحمل

كان لابتكارات تحديد النسل تأثير ملحوظ على المجتمعات الحديثة في العقود الخمسة الماضية، فقد عززت فرص النساء للسيطرة على الإنجاب ومزاولة المهن، وزيادة رأس المال البشري للإناث، إذ سمحت وسائل منع الحمل “الموثوقة” للمرأة بالاستثمار في رأس المال، مع مخاطر صحية ومجتمعية قليلة (ونقصد بالمجتمعية هنا القدرة على السيطرة على حياتها والإنجاب بدون الوقوع في مشاكل الفقر وغيره، فقد يكون الحمل والإنجاب مكلفًا لها)، بالتالي الحصول على درجات علمية ومهنية عالية، فصل الجنس عن الإنجاب وزيادة رفاهية المرأة وبالتالي إعطاؤها الحق بالسيطرة على جسدها.

موانع الحمل ثورة للنساء والرجال على حدٍّ سواء!

ساهمت الثورة الثقافية التي ابتكرتها تكنولوجيا تحديد النسل، وبخاصة استخدام حبوب منع الحمل، في زيادة الوعي لدى الرجال أيضًا، فأصبح هناك قبول اجتماعي للأمهات العاملات، والأمهات الأكبر سنًا أيضًا، كما أعطت الزوجين مزيدًا من حرية الاختيار والتخطيط، وتوقيت أقل تقييدًا. زاد الوعي بشأن البلدان التي تكون فيها الأدوار بين الجنسين غير متكافئة للغاية، فكانت تعاني من وفيات الأمهات المرتفعة، وانخفاض معدل تعليم الإناث، وارتفاع معدلات الخصوبة.

يعتبر اتخاذ القرار المشترك بين الزوجين لاستخدام موانع الحمل عاملًا اقوى وأفضل من اتخاذ النساء لهذا القرار فقط، طبعًا يعتمد ذلك على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والديموغرافية لكلا الزوجين، بالإضافة إلى القناعة والاتفاق المرضي للطرفين.

الأزواج

كما قلنا، تلعب وسائل منع الحمل دورً هامًا في تنظيم الأسرة وتحديد النسل، وتحسين الصحة والفُرص الاقتصادية للمرأة، ولكن صراحةً، إن الافتقار إلى الاختيار المناسب وإمكانية الوصول إلى وسائل منع مناسبة، يجعل احتياجات مئات الأزواج من الراغبين في تجنب حدوث الحمل، لا تُلبّى في كل من البلدان المتقدمة والنامية.

يمكننا القول أن هناك أملٌ بفضل دعم مؤسسة بيل ومليندا غيتس الخيرية (Bill And Melinda Gates)، حيث أن جمعية دراسة التكاثر (Society For The Study Of Reproduction) بالاشتراك مع الجمعية الدولية لأمراض الغدد الصماء (The International Society Of Endocrinology (ISE))، كلٌّ منهما أكد على ضرورة إقامة ندوات افتراضية تركز على اكتشاف وسائل جديدة لمنع الحمل، والعمل على أن تكون غير هرمونية (أقل خطورة).

اقرأ أيضًا: تمكين المرأة تاريخيًّا: من حق التعليم إلى المناصب الإدارية

0

شاركنا رأيك حول "لم يقتصر دورها على التنظيم الأسري فقط: كيف مكنت موانع الحمل التمكين الاقتصادي للمرأة"