العفو الرئاسي الأمريكي
0

في أعقاب اقتحام الكابيتول الأمريكي مؤخرًا من قبل مؤيدين مُسلحين للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وعقب تسريب فيديو يُظهر احتفال أسرة ترامب أثناء عملية الاقتحام، ذكرت صحيفة النيويورك تايمز في 7 يناير أن الرئيس السابق ترامب بدأ يبحث في إمكانية “إصدار عفو رئاسي عن نفسه” في الأيام الأخيرة من رئاسته. لم يتوضح لنا هل السبب الفعلي هو العنف الذي حدث بسببه في الكابيتول، حيث قد ورد سابقًا أنه حاول أن يصدر عفوًا رئاسيًا عن محاميه الشخصي رودولف جولياني.

إن سلطة العفو الرئاسي الممنوحة لرئيس الولايات المتحدة قديمة بقدر قدم منصب الرئيس في الولايات المتحدة، وكذلك قِدم الجدل المثار حول إذا ما كان يجدر بالرئيس أن يستغل هذا الامتياز. وعلى الرغم من التاريخ الثري بالعفو عن شخصيات مثيرة للجدل كانت قد أُدينت بارتكاب جرائم فيدرالية بشعة، لا يزال هناك -حتى اليوم- نوع واحد فقط من العفو الرئاسي لم نشهده، وهو العفو الذاتي.. والذي -على ما يبدو- سنشهده قريبًا لأول مرة.

اقرأ أيضًا: ليست المرة الأولى.. تعرف على التاريخ المضطرب لاقتحام الكابيتول الأمريكي

صياغة دستور العفو الرئاسي

في المؤتمر الدستوري الأمريكي لعام 1787م اقترح ألكساندر هاملتون (1757م – 1804م)، وهو أحد الكتاب الرئيسيين للأوراق الفيدرالية، منح سلطة العفو الرئاسي عن أولئك الذين ارتبكوا جرائم تخفيفًا لعقوباتهم، موضحًا أن هذا قد يعيد الهدوء لدول الكومنولث، قائلًا:

قد يكون عرض العفو الرئاسي في الوقت المناسب على المتمردين أو المخالفين، هو الفرصة الوحيدة لاستعادة الهدوء لبرلمان المملكة المتحدة. هاميلتون

ألكساندر هاملتون قانون العفو الرئاسي الأمريكي
ألكساندر هاملتون، أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية وواضعي قانون العفو الرئاسي الأمريكي

لم يكن مصطلح “العفو الرئاسي” جديدًا عندئذ، ولكنه كان جديدًا بحلته “الديموقراطية”، فكان الملوك -وكان كل هذا بعد انفصال الولايات المتحدة بفترة ليست بطويلة عن المملكة البريطانية- قادرين على منح العفو لرعاياهم، وامتدت هذه الممارسة في المستعمرات البريطانية في أمريكا.

في النهاية، اتفق هاملتون مع جميع واضعي الدستور، وصوتوا جميعهم ضد أحد الاقتراحات التي رأت أنه يجب حرمان الرئيس من القدرة على منح العفو الرئاسي في حالة الخيانة وأصبحت المادة الثانية من الدستور تمنح الرئيس “سلطة إجراء تنفيذ العفو الرئاسي عن الجرائم المرتكبة ضد الولايات المتحدة الأمريكية”، مع استثناء وحيد في الدستور، وهو أنه لا يجوز للرؤساء استخدام صلاحيات العفو لمنع أنفسهم أو الآخرين من التعرض للعزل من قبل الكونغرس.

للرئيس الأمريكي أربع أنواع من سلطات العفو التي تنطبق فقط على الجرائم الفيدرالية، والعفو قادرٌ تمامًا على القضاء على الجريمة كأنها لم تكن، أو يلغي عقوبة جنائية أو يخففها، أو حتى إعفاء شخص من التزام قانوني مثل ضريبة عالية، أو تأجيل عقوبة الشخص القانونية إلى أجلٍ غير مسمى.

كانت قضية سلطة العفو غير المحدود مثيرة للجدل لدرجة أنها جعلت جورج ميسون، المُمثل في الاجتماع الدستوري لعام 1787 عن ولاية بنسلفانيا يمتنع تمامًا عن التوقيع على الدستور الأمريكي محذرًا من أن الرئيس الذي يتمتع بسلطة العفو عن الخيانة “قد يستخدمها بشكل خطير” من خلال العفو عن الجرائم التي كان متآمرًا فيها، والتي -كما يرى ماسون- ستساهم في تدمير الولايات.

أقرأ أيضًا: ما لا تعرفه عن ألكسندر هاملتون .. من هو؟ سيرته الذاتية، إنجازاته وأقواله 

العفو المبكر

يتضح لنا اليوم أن أول عفو رئاسي قُدم لمجموعة من الرجال الذين ارتكبوا “الخيانة العظمى” في تمرد الويسكي، وتمرد الويسكي كان ثورة قادها مجموعة من الرجال ابتداءً من عام 1791 احتجاجًا على الضرائب المرتفعة التي فُرضت على المزارعين، والتي بدأت بضريبة الويسكي الذي كان المشروب الأكثر شعبية في الولايات المتحدة، قام المحتجون باستخدام العنف لمنع السلطات من جمع ضرائبها، في النهاية احتاجت السلطات تجميع ميليشيات قوامها يبلغ 13,000 فرد لقمع الثورة، وأصدر واشنطن عفوًا عن آخر المتمردين في يومه الأخير من ولايته الثانية قائلًا إنه يريد إقامة العدل “بامتداد معقول للرحمة”.

تمرد الويسكي و العفو الرئاسي الأمريكي
تمرد الويسكي

استمر تقليد العفو من بعد واشنطن عن جميع الثوار والشخصيات المستقطبة على مر السنين، وبعد انتخابه في عام 1800م، أصدر توماس جيفرسون عفوًا عن جميع المدانين بموجب قانون التحريض على الفتنة لعام 1798، وهو قانون صدر خلال فترة ولاية واشنطن يجعل التشهير بالحكومة غير قانوني، وفيما بعد امتد العفو ليجعل جيمس ماديسون وجيمس مونرو وخلفاء جيفرسون يصدرون عفوًا رئاسيًا عن الكثير من القراصنة.

في إحدى المرات أصدر أندرو جاكسون عام 1833 عفوًا رئاسيًا عن جورج ويلسون، الذي حُكم عليه بالإعدام لسرقته بريدًا أمريكيًا وتعريض ناقل البريد للخطر، ما كان غريبًا للغاية حينئذ، ولكن الأغرب هو أن ويلسون قد رفض العفو، وبحثت المحكمة العليا في القضية لتنظر إذا ما كان يمكن رفض العفو، وفي النهاية تم إعدام ويلسون شنقًا.

عفو جماعي.. مبالغ به قليلًا

في عام 1862م، أصدر أبراهام لنكولن عفوًا آخر مثيرًا للجدل -وإن كان غير رسمي- عندما رفض الإذن بإعدام 265 رجلًا من داكوتا في مينيسوتا بعد أن حاول هؤلاء الرجال طرد المستوطنين البيض من أراضي أجدادهم الأصليين عن طريق حرق المستوطنات وقتل المدنيين. قُتل ما بين 600 و 700 مستوطن في مجزرة تعد الأسوأ في التاريخ الأمريكي، ما يصل إلى 40,000 فرد فروا من حدود مينيسوتا وقُتل أكثر من 500 أمريكي (من المواطنين الأصليين) انتقامًا.

في أعقاب الحرب الأهلية في عام 1865، خاض خليفة لينكولن، أندرو جونسون، في منطقة أكثر إثارة للجدل من خلال تقديم عفو شامل لجميع من تواجد في الولايات الكونفدرالية الأمريكية (وهي الولايات التي أعلنت فصلها عن الولايات المتحدة الأمريكية بسبب العبودية أثناء الحرب الأهلية الأمريكية) باستثناءٍ يضم أولئك الذين ساعدوا شخصيًا في انفصال الجنوب عن الاتحاد. بعد فترة وجيزة، بدأ جونسون في ممارسة سلطة العفو، حيث أعطى عفوًا شخصيًا منه لمن لم يحصل على العفو الشامل بسبب الاستثناء.

في النهاية، منح جونسون العفو لما يصل إلى 90% من المتقدمين -أكثر من 13000 نسمة- بما في ذلك العديد من المسؤولين الكونفدراليين الذين تسببوا في كبرى الجرائم أثناء الحرب الأهلية. بحلول عام 1867 كتب المؤرخ جوناثان ترومان دوريس، أن جونسون قد “أصدر عفوًا عن 86 عضوًا من مجلس النواب في الكونغرس الكونفدرالي، وعدد أقل من مجلس الشيوخ، وعشرات من حكام الكونفدراليات”. وأصبح فيما بعد هؤلاء المعفي عنهم هم مهندسو القوانين العنصرية المصمتة الجديدة في الدستور الأمريكي التي خلقت عنصرية دستورية مُقننة.

العفو الوقائي

هذا النوع من العفو الرئاسي يعد أكثر أشكاله المثيرة للجدل، والتي غطت فضيحتان كبرتان في التاريخ الأمريكي عندما أُصدر في سبتمبر 1974 بعد شهر من استقالة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون في أعقاب فضيحة ووترغيت، عفوًا رئاسيًا غير مشروط عن “جميع الجرائم التي ارتكبها نيكسون” من قبل خليفته جيرالد فورد.

اقرأ أيضًا: من ووترغيت إلى إيران كونترا وغيرها.. أشهر الفضائح السياسية الأمريكية

العفو الرئاسي الأمريكي
الرئيس السابق ريتشارد نيكسون يفرك جبهته متوترًا خلال مقابلة مع الصحفي البريطاني ديفيد فروست بعد عامين من استقالته بسبب فضيحة ووترغيت بعفو غير مشروط عن جميع جرائمة

هل يستطيع الرئيس العفو عن نفسه؟

عندما يتعلق الأمر بالعفو الرئاسي، فإنه لا يوجد سوى القليل من الاحتمالات التي لم تحدث حتى اليوم بالفعل، من ضمنها العفو الذاتي. حتى الآن هذه القضية محل نزاع ساخن بين علماء القانون لأنها لم تختبر حتى الآن، ولا يوجد شيء واضح في القانون يمنع الرئيس من العفو عن نفسه، أو يمنع الرئيس من التنحي مؤقتًا حتى يتمكن نائبه من العفو عنه.

إدارة ترامب والعفو الرئاسي

حتى ديسمبر 2020، أصدر ترامب عفوًا رئاسيًا عن 20 شخصًا وخفف الأحكام الصادرة على 24 آخرين من بينهم العديد من أصدقائه ومؤيديه. وعلى الرغم من تعرض ترامب لانتقادات بسبب ذلك، فإن الأمر لم يكن جديدًا على الرأي العام الأمريكي، ففي سابقة عام 2001 أصدر الرئيس بيل كلينتون عفوًا رئاسيًا عن أخيه غير الشقيق، روجر كلينتون، لإدانته عام 1985 بتهمة تتعلق بتوزيع الكوكايين.

على الرغم من ذلك، قد أصدر ترامب عددًا أقل من أي من أسلافه المعاصرين، فمثلًا باراك أبواما، قد منح 212 عفوًا رئاسيًا بعد أن شجع الناس على التقدم لطلبه، كما أنه خفف 1715 حكمًا خلال السنوات الثماني التي قضاها في المنصب، معظمها جرائم مخدرات منخفضة المستوى.

أقرأ أيضًا:دونالد ترامب ظاهرة وسائل التواصل الاجتماعي التي لم يسبق لها مثيل أبداً

0

شاركنا رأيك حول "العفو الرئاسي الأمريكي.. تاريخ من الجدل: من تمرد الويسكي إلى ووترغيت"