التعلم من خلال العمل
0

ربما إحدى السيئات التي تتبعها بعض الدول في عملية التعلّم هي التعليم النظري لكل شيء (في جميع المراحل تقريبًا) ثم الدخول في مجال العمل، صبّ المعلومات النظرية في عقل الطالب ثم الانتقال فيما بعد إلى مرحلة التنفيذ، وهذا خطأ طبعًا، يجب إرفاق عملية التعلم بالتنفيذ العملي مباشرةً حتى يستفيد الطالب وتترسّخ المعلومات في ذهنه، أي يجب المشاركة في عملية التعلم، وذلك من خلال التجربة بشكل دائم بأقل قدر من التوجيه من قِبل المعلّم.

حقيقةً، وبعيدًا عن نهج الجامعات في عملية التعليم، ابدأ من نفسك فهناك طُرُق متعددة للتعلم واكتساب المعرفة، وهناك العديد من التقنيات التي تعزز المهارات الخاصة، ولعلّ إحدى أهم تقنيات التعلم هي التعلم من خلال العمل (Learning by Doing) أو ما يُسمى التعلّم بالممارسة أو التعلّم التجريبي.

ما هو التعلم من خلال العمل؟

learning by doing
learning by doing

فكرة بسيطة جدًا، تقوم على أننا قادرون على تعلم المزيد من شيء ما، عندما نقوم بتنفيذه عمليًا، أو اكتساب الخبرة مباشرةً من خلال تنفيذ المهمات فورًا. مفتاح التعلم من خلال العمل هو التفكير، التفكير في التجربة، التأمل فيها ومراجعتها، وإعادة النظر والمحاولة، عملية مستمرة من التفكير والتجريب، لأنه لفهم وتخزين المعلومات التي تتلقاها على نحو فعّال، فمن الأفضل الاتجاه نحو الناحية العملية، محاكاة ما تعلمته على الفور.

“بالنسبة للأشياء التي يجب أن نتعلّم عنها قبل أن نتمكن من القيام بها عمليًا، فيمكننا أن نتعلمها من خلال القيام بها” – أرسطو

على سبيل المثال، إذا كنت تتطلّع إلى تعلم العزف على آلة موسيقية ما، ولتكن العود، ولكنك خائف من المجموعات الكبيرة التي تظهر على المسرح، كيف تمتزج ألحانهم سويًا؟ كيف سأتعلم العزف على العود وأكون قادرًا على مشاركتهم ذلك؟ هذا مستحيل! لا ليس مستحيلًا أبدًا، ببساطة هذه هي فكرة التعلم من خلال العمل حيث يمنحك الفهم لكيفية العزف على هذه الآلة، ويمكّنك من الصعود إلى خشبة المسرح فورًا لأداء مقطوعة مرتجلة مع موسيقيين آخرين. إنما في معظم تقنيات التعلم الأخرى، ستفهم آلية العزف، ثم تعزف بنفسك منفردًا في الاستديو.

لهذا سُميت هذه التقنية أيضًا التعلّم التجريبي، فالمشاركة النّشطة في عملية التعلّم توفّر تعلّمًا أعمق، ولا بأس في ارتكاب الأخطاء، أنت سترتكبها على أي حال، ولكن بالدخول في خضمّ العمل، ستتعلم بشكل أفضل وأسرع. إذًا، يُعتبر التعلم بالممارسة مبدأ مُستخدمًا لإكمال المهام وذلك لمساعدة الطلاب على اكتساب المعرفة بدلًا من التعامل معها كشرط مُسبق.

اقرأ أيضًا: كيف تأخذ ملاحظاتك الجامعية إلى مستوى آخر: أفضل 6 طرق لتدوين الملاحظات

ماذا نكتسب من التعلم من خلال العمل؟

فوائد التعلّم من خلال العمل
فوائد التعلم من خلال العمل

هناك 4 فوائد أساسية لهذه التقنية من التعلم، وهذا سبب اعتماد المعلمين عليها في السنوات الأخيرة، حيث أن التعلم من خلال العمل ليس بفكرة جديدة كليًا، ولكن على مرّ السنين، تغيرت طريقة التفكير وضاعت لبعض الوقت لمجرد دمج أجهزة الحاسب في عملية التعليم.

طريقة جذّابة جدًا للتعلم.. وتقلل من نسيانك للمعلومات!

يتطلب منك التعلم من خلال العمل اتخاذ مبادرة وإجراءات من تلقاء نفسك، أي الدخول في عمق التفكير كي تحصل على إجابات، وبهذه الطريقة لا يمكنك أن تكون ضعيفًا أمام أستاذك أو حتى أمام أصدقائك، ستحاول ألّا يبدو أداؤك ضعيفًا. تقليديًا، نحن نتعلم من المحاضرات أو الكتب، ونقرأ ما يمليه علينا أساتذتنا بسهولة، ثم انتهى دورنا…

ولكن عندما تضطر إلى المشاركة في موقف يتعين عليك فيه تنفيذ ما تحتاج إلى تعلمه، هنا نتذكر ما درسناه منذ وهلة نظريًا، ونبدأ بالتطبيق العملي. لا يمكن أن تنسى المعلومات بهذه الطريقة، عندما تعمل بيديك، لا يمكن أن تنسى أبدًا، وهذا مضمون التعلم من خلال العمل.

طريقة شخصية بحتة للتعلم

يعتمد هذا النوع من التعلم على دوافعك الشخصية، هل تريد أن تعلم لماذا كذا؟ هل تريد أن تصقل مهاراتك فيما تعلّمته أنت وأصدقاؤك شفهيًا؟ إذًا هذا يعتمد عليك أولًا، لأن دوافعك الشخصية للتنفيذ تشجع الاستكشاف. عندما تخبز كعكة لأول مرة، ستشاهد مقطع فيديو على اليوتيوب مثلًا وتبدأ التنفيذ، في حال ارتكبت خطأ، يمكنك مداراته في المرة القادمة، وهكذا يكون التعلم من خلال العمل.

التعلم من خلال العمل يحسّن علاقتك بالمجتمع

يجعلك هذا التعلم أكثر اندماجًا مع الناس، فأنت جزء من المجتمع، وسيسمح لك التعلم التجريبي بالتفاعل مع أقرانك في الفصل، بدلًا من الجلوس أمام كتاب في المكتبة وقراءته والتعلم نظريًا بلا أي تنفيذ عملي. بالاندماج مع الأقران، والانتباه إلى طريقة تفاعل كل شخص، وحتى الدعابة التي تحصل معكم أثناء التعلم، لها تأثير على ذاكرتك وحفظك للمعلومات.

بناء مهارات النجاح

يشجعك التعلم من خلال العمل على الخروج من منطقة راحتك واكتشاف الأشياء الجديدة وتجربة عملها لأول مرة، سترتكب الأخطاء مرة واثنتين، ولكن لا حَرَج في ذلك، وهذا ما يجعلك تضع المبادرات نحو الأشياء الجديدة في ذهنك غير آبهٍ بالأخطاء.

اقرأ أيضًا: سبعة أساليب خفية في التعليم إن أتقنتها ستتمكن من تعلّم أيّ شيء

كيف نبدأ؟

إذًا، بعد كل ذلك كيف نبدأ هذه الاستراتيجية في التعلم؟

هناك عدة أساليب للبدء:

إجراء مسابقات بدون تقييمات (في الفصول الدراسية)

التعلم من خلال العمل
إجراء المسابقات بدون تقييمات

أو ما تُسمى مسابقات منخفضة المخاطر، أي إجراء العديد من الاختبارات ولكن بدون تقييم الطلاب. نحن نعلم أنه أحيانًا ما يجعل الطالب مترددًا في فصله هو إذا كان الأستاذ يعتمد نظام الدرجات في التقييم، سيخاف من أن يجيب بشكلٍ خاطئ، ومن هنا، يجب اعتماد الاختبارات القصيرة التي لا تستند إلى تقييم الأفراد إنما تجعلهم يتفاعلون مع المحتوى ويكتسبون الخبرات والمهارات بلا خوف، وكلّ منهم ينقل معارفه وأفكاره للآخر وهذا ما يوسع نطاق العلم والمشاركة.

الاعتماد على عقولنا وذاكرتنا فيما نتعلمه

التعلم من خلال العمل
الاعتماد على عقولنا وذاكرتنا فيما نتعلمه

التعلم نشاط توليدي، يعتمد على ما لديك من المعرفة حتى تستكمل به البحث والتعلم. يسمى هذا النهج (Type of Mental Doing)، وقد وضعه عالم النفس ريتشارد ماير (Richard Mayer)، حيث أظهرت تجاربه والأبحاث التي أجراها في مختبره في سانتا باربرا (Santa Barbara)، أننا نكتسب الخبرة في شيء ما من خلال التجربة والعمل به، ولكن هذا يعتمد أيضًا على ما نعرفه بالفعل، أي ما تحتويه ذاكرتنا من معلومات مسبقة عن هذا الشيء.

كمثال صغير، لنفترض أنك تريد أن تعلم المزيد عن الديكتاتور السوفييتي ستالين، وبالتالي كل ما عليك فعله هو ربط ما تعرفه، وهو أن ستالين كان ديكتاتورًا، بما تريد تعلّمه والاحتفاظ به، أي مثلًا ستعلم أن ستالين نشأ في جورجيا، كان سفاحًا وقتل الكثير من الناس.. تنطبق هذه التقنية حتى على أبسط مهام الذاكرة حيث يتعلم دماغنا ويعيد التعلم مرة أخرى.

بدء الأنشطة العقلية الفعلية

بدء الأنشطة العقلية الفعلية

أي تنفيذ ما يمليه عليك عقلك على الفور بعد التعلم الشفهي.. قرأتَ مقالًا عن أحد أنواع الحيوانات، قرأت عنه وتبحّرت في المعلومات، والآن، اخرج إلى الخارج، ابحث عن الحيوان -في حال كان متوفرًا في بيئتك- وطبّق ما تعلمته على الفور، يجب أن يحتوي ما تعلمته طريقة جذب هذا الحيوان، كيف يمكنك التعامل معه، وما هي أدوات دفاعه عن نفسه لأنك بدورك ستحاول اللعب معه لترى هل فعلًا هكذا يدافع عن نفسه؟.. وهكذا.

اقرأ أيضًا: كي لا تتحول وظيفتك إلى مقبرة لطموحك: راعي النقاط التالية!

0

شاركنا رأيك حول "التعلم من خلال العمل: لا لضياع الكثير من الوقت، أنجز مهامك وأنت تتعلم عنها"