ماذا فعلت بنا الجائحة وإلى أين تأخذنا؟.. كورونا في أعين الكتاب والمثقفين
0

كان العالم على موعد مع تاريخ جديد تتناول فصوله تأثير جائحة كوفيد-19 على العالم أجمع، فمنذ أن أبلغت السلطات الصينية رسميًا، في نهاية شهر ديسمبر 2019، عن مجموعة حالات صنّفت في ذلك الوقت، مصابة بالتهاب رئوي حاد، لتعود فيما بعد وتعلن اكتشافها جائحة كوفيد-19 والمتسبب فيها فيروس كورونا المستجد، ليكون أحدث أعضاء عائلة الفيروسات التاجية، في 7 يناير من الشهر التالي، منطلقًا من مدينة ووهان.

ترجّح الأدلة أن سوق المأكولات البحريّة، في وسط مدينة ووهان التابعة لمقاطعة هوبي، ربما يكون المكان الذي شهد الانطلاقة الأولى لفيروس كورونا المستجد، لينتشر في الصين، ومنها إلى العالم، حاصدًا آلاف الأرواح يوميًا. لم يأخذ الفيروس وقتًا طويلًا، ليبدأ تفشيه الدولي، فقد أعلنت تايلاند في 13 من يناير عن اكتشاف أول إصابة مؤكدة بالفيروس الجديد خارج الصين، عقب يوم واحد من نشر بكين التسلسل الجيني لكوفيد-19.

الميلاد غير المدبّر للفيروس، والانطلاق الفوضوي في مساره، ربما بعد فعل عفوي وبسيط للغاية، من مواطن صيني على الأرجح في سوق المأكولات البحرية في ووهان، وما انتهى إليه الأمر لاحقًا، كل هذا ربما يذكر بنظرية أثر الفراشة، التي تقول إن رفرفة فراشة في الصين، يمكن أن ينتج عنها إعصار مدمر في أمريكا. الفارق أن الحركة العفوية للمواطن الصيني، سببت رعبًا للعالم بأكمله، بشكل لم يكن يُتصور.

اقرأ أيضًا:

وصف مصر في نھایة القرن العشرین: كيف نظر جلال أمین إلى مشاكل المجتمع المصري؟

تأثير جائحة كوفيد-19 على العالم

تأثير جائحة كوفيد-19 على العالم
ماذا فعلت بنا الجائحة وإلى أين تأخذنا؟.. كورونا في أعين الكتاب والمثقفين

مثقفون غربيون كثر، تناولوا تأثير جائحة كوفيد-19 على العالم، باعتبارها نقطة تحول في حركة العالم، وإرهاصًا لانهيار قد يحدث في الحضارة الغربية، مثلما يطرح الفيلسوف الفرنسي ميشال أونفري، ذاهبًا إلى أن أوروبا قد تكون العالم الثالث الجديد.

ميشال أونفري، الذي مهّد لهذه الفكرة في كتاباته، لا يسلك هذا الطريق منفردًا، فمواطنه المفكر آلان تورين، يقول إن العالم ربما يتجه لأن يكون صينيًا، تتنقل فيه الهيمنة من واشنطن إلى بكين، لكن هذا ليس أكيدًا في رأيه، بينما المرجح لديه هو أن العالم على وشك تغيير لم يكن معدًا له.

الفيلسوف السلوفيني المثير للجدل سلافوي جيجك، يتنبأ أن هذا التغيير من شأنه أن يحدث عبر فيروس أيديولوجي -أكثر نفعًا من كورونا- يدعو للتفكير في مجتمع بديل، يتخطى حدود الدولة القومية، ويقوم على التضامن العالمي.

الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجيك - تأثير جائحة كوفيد-19 على العالم
الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجيك يتحدث عن تأثير جائحة كوفيد-19 على العالم

“جيجك” يطرح أنه بات -بعد الهزة التي تعرض لها العالم من وراء الجائحة- من الضروري التكاتف لمواجهة كوارث محتملة تواجه العالم، مثل الجفاف والاحتباس الحراري، لهذا؛ فالعالم في حاجة إلى إعادة اختراع الشيوعيّة، لكن بنسخة جديدة منها.

في السياق نفسه، يعتبر المفكر الأمريكي، نعوم تشومسكي، أن كوفيد-19 يمكن أن يكون علامة تحذيرية أو درسًا للبشريّة، للبحث في أسباب الأزمات، التي من المحتمل أن تكون أسوأ من التي يعيشها العالم حاليًا.

فبحسب “تشومسكي”، فإن فيروس كورونا خطير بما يكفي، لكن هناك رعب أخطر منه يقترب، “فنحن نتسابق نحو حافة الكارثة، وهو الأسوأ من أي شيء حدث للإنسانية في تاريخها”.

انطلاقًا من هذه الآراء، ناقشنا عددًا من المثقفين العرب من اتجاهات مختلفة واستطلعنا أفكار البعض الآخر، لنعرف كيف يبدو تأثير كورونا على العالم في أعين أصحاب الفكر والقلم، وما إذا كنا بالفعل على أعتاب مرحلة جديدة أم لا؟

كورونا بين الغضب الإلهي والقوانين الطبيعية

تثير القفزات السريعة والمتوالية لفيروس كورونا، في الأذهان أسئلة حول الأسباب التي مكّنت العضو الجديد في عائلة الفيروسات التاجية من الانتشار بهذه السرعة، ليتحول إلى جائحة عالمية أصابت الكوكب بأسره.. فما الوسيط الذي وجده كورونا على الأرض ومكنه من التفشي، هل هو غضب إلهي، أم نتيجة طبيعية لأفعال البشر؟

مناقشًا ما إذا كان فيروس كورونا، انتقامًا من الله لفئة تمارس ظلمها على الأخرى، يقول الكاتب والأديب إبراهيم عبد المجيد، في مقال رأي له، إنه لا يجب إدراج جائحة كورونا ضمن قائمة الانتقام الإلهي، لأن  الظلم في العالم ليس وليد اليوم، ولأن كورونا لا ينتقي الظالمين.

لكنه يقول في المقابل، إنه رغم معرفته بأسطورية كل قصص التراث التي تتحدث عن غضب الآلهة، فإن الإيمان بمعناها الإنساني مريح.

يقول: “فالخطايا التي تأتي بغضب الآلهة الذي لا يفرق، ويكنس الأرض بمن عليها، خطاة وضحايا، فلنضع كورونا في خانة الخطأ ونتذكر أيضًا أنه قد ضاق صدر الآلهة بفعل الإنسان في كل مكان وزمن”.

لا يعد هذا بعيدًا عما طرحه الناقد الدكتور محمد عبد الباسط عيد خلال حوارنا معه، وأوضح فيه أن اعتبار كورونا عقابًا إلهيًا، ليست طريقة مفيدة في التفكير، لأن الله خلق هذا الكون ووضع فيه قوانينه، والطريقة المثلى للتعايش بشكل منسجم، كما وضع القوانين التي قد تخلق بدورها هذا الاضطراب، كما يحدث في الزلازل والبراكين.

الدكتور محمد عبد الباسط عيد - تأثير جائحة كوفيد-19 على العالم
د. محمد عبد الباسط عيد يتحدث عن تأثير جائحة كوفيد-19 على العالم

وتابع: “أنا أميل إلى البحث العلمي في الظاهرة، والأسباب التي أدت إلى تخلق الفيروس، فإذا عرفنا الأسباب يمكننا السيطرة عليه بعد معرفة الخلل، أما إذا فكرنا بطريقة أنه عقاب من الله، وذهبنا إلى الجوامع للصلاة سنموت جميعًا”.

وأشار “عبد الباسط عيد”، إلى أن هذه الطريقة الغيبية في الفهم والتعامل مع الأمور لن تكون مفيدة على الإطلاق في الوصول إلى حل، موضحًا أن هذه الطريقة تعد واحدة من أهم معضلات الفهم العربي العام”.

الفيروس وقرابته للفكر المتطرف

يرجع الدكتور مراد وهبة، في حوار خاص معه، تفشي كورونا في العالم كله، إلى أمر خاطئ على الأرض، وجده الفيروس وسيطًا كي يتخطى الحدود المحلية في الصين، ويصبح مسألة كوكبية.

يراهن “وهبة” أيضًا على أن الانتشار الكوكبي لكورونا يعود إلى تزايد ما وصفه بـ “القاذورات الكوكبية”، التي من أسبابها الإرهاب والأصوليات الدينية التي تدعمه.

الدكتور مراد وهبة
د. مراد وهبة يتحدث عن تأثير جائحة كوفيد-19 على العالم

واستطرد: “القضاء على كورونا يجب أن يبدأ بالقضاء على الأصوليات الدينية مبدئيًا، وما ينتج عنها من إرهاب وتشريد للعائلات والسكان”، مشيرًا إلى أن معالجة كوفيد-19 لا ينبغي أن تنحصر في الوسائل الصحية، وإنما يجب أن تشمل الوسائل الفكرية التي من شأنها العمل على إزالة الأصوليات الدينية “بإرهابها وقذارتها”.

ماذا فعلت بنا كورونا؟

يقول الدكتور كريم الصيّاد، الباحث الفلسفي والأكاديمي بجامعة القاهرة، إن “جائحة كورونا هزت العالم بلا جدال ولا تهوين، وكشفت للإنسان كيف أن وجوده أكثر هشاشة مما يتخيل، وكيف أن الموت كما يقال (على الباب). وبالتالي فقد أظهرت الجانب الضعيف من النظام العالمي، وقلبته على بطنه، على هذا الجانب الضعيف، ليعاني قسوة مفاجئة لم يتخيلها”.

الدكتور كريم الصياد يتحدث عن تأثير جائحة كوفيد-19 على العالم
د. كريم الصياد يتحدث عن تأثير جائحة كوفيد-19 على العالم

وتعليقًا على خروج مواطنين في مناطق متفرقة، للتظاهر ضد كورونا مرددين التكبيرات والدعوات، قال إن الجائحة تقتل ما تلده الثورة، في إشارة إلى الزلزلة التي أحدثتها 25 يناير في الوعي المصري، وما تلاها من إفاقة عدد لا بأس به من الفكر الخرافي.

يفسّر “الصيّاد” مثل هذه التصرفات بقوله إن الكوارث والمآسي والمصاعب التي يعاني منها الإنسان في الحياة هي التي تدفعه دفعًا لأن يعتنق الخرافات، ويتصور أن هناك سبيلًا بين الأسباب والمسببات.

ويضيف: “ما حدث في الإسكندرية (يقصدر مظاهرات ضد كورونا)، يوضح لنا طبيعة الانفصام في الشخصية المصرية، وهي ظاهرة عالمية بالمناسبة، كي لا نقع في المبالغة في الجلد الذاتي، فانفصام الشخصية، الناتج عن اضطراب بالغ في الهوية، ينتج أصلًا من إصابة نفسية عميقة، بحيث ينكر الشخص كونه هذا الشخص الذي تعرض لهذه المصيبة، ويخترع شخصية أخرى تمنحه الأمان، وهي وسيلة تكيفه مع الأحداث. وهذا هو ما حدث في الإسكندرية؛ فقد اخترع الناس شخصيات أخرى، تتضرع إلى الله، وتتوب إليه، برغم أن التوبة “من قريب” بنص القرآن، لا في حالة الإقبال على الموت فعلًا أو ظنًا، وبالتالي لا معنى هنا للتوبة، ولا جدوى لها. اخترع الناس شخصية خرافية، هي المناسبة لوقت المحنة، شخصية متدينة تائبة داعية، وبمجرد زوال المحنة -لو زالت- ستعود الشخصية القديمة في ظرف أيام على الأكثر”.

وفي السياق نفسه، عندما سُئل عن تعليقه بشأن رفض البعض دفن جثماين وفايات كورونا، أشار إلى ما قاله عن ازدهار التفكير الخرافي وقت المحن، مستطردًا: “لقد قرأنا عن جنود الحرب العالمية الأولى، المقاتلين في الخنادق، حين مر ثعبان على قدم أحدهم، فقطعها كأنها (نجسة)! لقد تحول مريض الكورونا إلى (تابو)، محرَّم ما لا يجب مسه، بطريقة تفكير سحرية خرافية، تؤمن بها القبائل البدائية في إفريقيا إلى اليوم. لقد صار مريض الكورونا (نجاسة) يجب اجتنابها، وهذا متوقع في سياق هذا التفكير غير القائم على أسباب علمية”.

وسط كل هذا الذعر الذي سببته الجائحة، وما ينتج عنه من أفعال، يبرز سؤال حول إذا كان من الطبيعي أن تتأثر أخلاق الناس بالجائحة؟

في سياق الإجابة على هذا السؤال، يقول “الصيّاد”: “لا يمكن التعويل على أخلاق الناس إلا في الظروف (العادية)، غير المفاجئة، وغير المأسوية. هذا بشكل عام في رأيي.الإنسان الخائف لا أخلاقي؛ لأنه يتصرف من منطلق الخوف، وربما لا يمكن لنا محاسبته في هذه الحال”.

ما بعد الكورونيالية

لعل الهزة الكبيرة التي أحدثتها جائحة كورونا في العالم، كما وجهت اهتمام الناس نحو متابعة أعداد المصابين والوفيات، وتحديثات مراحل الوصول إلى دواء أو لقاح ينهي هذه الأزمة، جعلت -بالقدر نفسه تقريبًا- الأنظار تتجه إلى ما بعد كورونا نفسها. حتى وإن كنا لا نزال عالقين في الأزمة، تكون هناك حاجة للتساؤل: إلى أين يسير العالم تحديدًا؟

الإجابة على هذا السؤال، تبدو قريبة من مصطلح جديد بدأ يظهر على السّاحة، ليجسّد حالة القلق التي نعيشها حاليًا، مختصرًا التساؤلات الممكنة بشأن جائحة كورونا، وما ستقودنا إليه، إنه “ما بعد الكورونيالية”، الذي يحمل في طياته الكثير من النبوءات والتفسيرات حول الشكل الذي سيكون عليه العالم بعد الجائحة.

باقتفاء أثر المصطلح الوليد، انتهينا عند المفكر الدكتور شاكر عبد الحميد، وزير الثقافة المصري الأسبق، الذي قال خلال حديثنا معه، إن المصطلح يعبّر عن حالة التغيير التي شهدها العالم بمجرد ظهور كورونا، وليس فقط بما سيحدث عقب انتهاء الجائحة.

الدكتور شاكر عبد الحميد
د. شاكر عبد الحميد يتحدث عن تأثير جائحة كوفيد-19 على العالم

وتابع: “بمجرد ما تم الإعلان عن الجائحة، حدث تغيير كبير في العالم كله، تمثل في نسب الإصابات والوفيات، وإغلاق المطارات والجامعات وأماكن العبادة والترفيه. الأمر الذي انعكس على سلوك البشر، عبر صعود حالة من الخوف العام، لأننا في ظل هذه الجائحة، أصبحنا نخاف من أمر ليس مرئيًا، وغير واضح المعالم، فليس هناك اتفاق على أعراضه وأدلة حمل المرض مثلًا، وهو ما يخلق حالة من الذعر والتوجس والريبة وفقدان اليقين، لهذا بتنا نشك في الآخر القريب خوفًا من العدوى”.

وأردف أن التغيير لن يقتصر على هذا فقط، بل سيتجاوزه إلى حدوث تغييرات سياسية واقتصادية واجتماعية، بشكل جذري، مؤكدًا أن هناك الكثير من البوادر تشير إلى أن العالم بعد كورونا لن يستمر كما كان قبل الجائحة، فدول متقدمة مثل سويسرا وألمانيا وفرنسا وأمريكا عاشت حالة صدمة، يُستبعد معها استمرار أنظمتها كما كانت عليه قبل الجائحة.

وتنبأ أن يكون هناك قدر متزايد من الشفافية السياسية مستقبلًا، فلن يعود مجديًا للعالم استمرار أساليب الحجب والإخفاء، مستطردًا: “لا بد للعالم أن يتعلم الدرس من كورونا، فالطرق القديمة لم تعد مجدية”.

وأشار إلى أن هذه التغييرات المحتملة قد تشمل أيضًا انتهاء فكرة القطب الواحد الذي يحكم العالم، فسيكون هناك قطبان يحكمان؛ القطب الصيني في مقابل القطب الأمريكي.

كما رجح أن يشهد العالم نسخة جديدة من العولمة، يكون منبعها في الشرق، متجهة نحو الغرب، وليس من الغرب إلى الشرق.

وبسؤاله عما يمكن أن يصدّر الشرق إلى الغرب، أجاب: “الشرق من شأنه أن يصدّر أفكارًا وممارساتٍ في الإنتاج والإبداع، وليس شرطًا أن يصدّر أيديولوجيات، لأننا لسنا في عصر الأيديولوجيات. فالصين مثلًا رغم أنها مصدر الجائحة، لكن فيها إنجازات مبهرة، مدينة ووهان مثلًا ناتجها المحلي يقدر بـ 240 مليار دولار سنويًا، وهو ما يزيد على ميزانيات كثير من الدول في إفريقيا وآسيا، ولديها مؤسسات ثقافية كبيرة مثل شركة واندا جروب العاملة في مجال المسارح والسينمات، ووهان عالم آخر”.

هل العالم أمام سيناريوهات أسوأ؟

في المقابل، يقول الدكتور عمار علي حسن، الكاتب والباحث في علم الاجتماع السياسي، إن التغيير الذي من المحتمل أن يشهده العالم، لن يكون كما يتوقع المتفائلون ويرفعون سقف آمالهم، ولكنه سيقتصر على تغيير في الأوزان النسبية للدول الكبرى في النظام الدولي، لكن النظام الدولي نفسه، منذ عصر الإمبراطورية الرومانية وحتى الآن لم يتغير، رغم أنه مرت عليه الكثير من الكوارث والأوبئة، مضيفًا: “وقتها كان الناس يتحدثون بالطريقة نفسها التي نتحدث بها نحن الآن عن عدم العظة والغضب الإلهي وإفساد الطبيعة وإنهاء الصراع، ولكن ما إن انتهى الأمر، حتى عاد كل شيء إلى ما كان عليه”.

عمار علي حسن
المفكر عمار علي حسن يتحدث عن تأثير جائحة كوفيد-19 على العالم

واستشهد على هذا، بأنه حتى الأشكال التي نشأت من أجل تخفيف الصراع في النظام الدولي، مثل عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى، والأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، لم تلبث أن فُرّغت من مضمونها تدريجيًا، وتحوّل مجلس الأمن نفسه من سلطة ضابطة إلى سلطة قاهرة.

وأكد أنه يستبعد حدوث ذلك التغيير الكبير الذي يتحدث عنه البعض في صلب النظام الدولي، مشيرًا إلى أنه من المحتمل كذلك أن تؤثر الجائحة على بعض العادات والتقاليد الاجتماعية، فينتج عادات جديدة، فضلًا عن زيادة الاعتماد على الإدارات عن بعد والعلاج عن بعد، وهو ما سيؤثر على تدفق العمالة والهجرة.

وتابع: “لكن التغيير الأشمل والجذري والأصيل، لا أعتقد أنه سيحدث، لأن النظام الدولي قائم على قانون صراع طوال تاريخه، والمعتمد على وجود قوى كبرى تحاول التوسع وتمارس استغلال الأضعف منها، العالم طوال تاريخه يعيش مثل هذه الطريقة في العلاقات”.

الدكتور عمار علي حسن، لم يأمل الكثير في حدوث تغيير للأفضل يشهده العالم، لكنه لم يستبعد أن يعيش العالم السيناريو الأسوأ، إذا ما ضعفت الحركات المعنية بحقوق الإنسان والحريات والمناخ في الدول الغربية المهيمنة على النظام الدولي.

فهذه الحركات المدنية، بحسب رأيه، تعمل عمل الكوابح التي تحد من همينة هذه الدول، وتعارض النزعات العنصرية والاستعمارية في الغرب، وبالتالي تخفف من وطأة الدول المهيمنة على العالم ولو قليلًا.

هذا السيناريو الأسوأ، بحسب ما يذهب إليه، قد يشهده العالم، لكن بشكل أكثر سوءًا، في حال صعود قوى أخرى لا تؤمن بتعددية أو الاختلاف، مشيرًا بهذا إلى السيناريو الذي قد يبدو متفائلًا بالنسبة للبعض، والمتمثل في صعود الصين وهيمنتها دوليًا.

ماذا يحتاج العالم؟

تأثير جائحة كوفيد-19 على العالم ونظرة على مرحلة ما بعد الكورونيالية

إذا كانت جائحة كورونا بداية لأزمات وكوراث أخرى، فماذا يحتاج فعليًا كي يواجه مثل هذه الكوارث، ويعبر منها دون الكثير من الخسائر؟

الإجابة لدى الدكتور مراد وهبة، تشير بشكل حاسم، إلى المراهنة على إدراك دول العالم لضرورة التعاون فيما بينها، لمواجهة التهديدات المشتركة، بعيدًا عن الخوض في أوحال الأفكار القديمة، التي من شأنها أن تؤدي إلى كارثة أخرى، بحسب رأيه.

يقول في هذا الشأن، إن شعار الاستقلال التام أو الموت الزؤام قد انتهى، ولم يعد له مكان، لأن دول العالم باتت تعتمد على بعضها، متابعًا: “لا نستطيع الآن أن نعالج أي ظاهرة، بمعزل عن الاعتماد المتبادل بين الشعوب والدول”.

فبالنسبة له، بعد القضاء على الكورونا، ستصبح مسألة الاعتماد المتبادل حتمية، وبالتي لن يكون هناك مكان لثنائية القوى العظمى والدول الضعيفة، وإنما لا بد أن تحتل مكانها فكرة أن الكل بات مشتركًا في مواجهة مخاطر تواجه البشرية على مستوى كوكب الأرض.

وأوضح “وهبة” أن الحديث عن صعود الشرق -متمثلًا في الصين على سبيل المثال- مقابل انهيار السيطرة الأمريكية على العالم، ليس سوى إعادة لعقدة قديمة، مستنكرًا العودة إلى نظريّات تقسّم الكوكب إلى شرق وغرب.

وأضاف: “هذا وهم، وبقايا عصور قديمة، فالمهم أن نكون على وعي بما سيحدث بعد كورونا، أما إذا تناولنا كورونا في إطار أفكار قديمة، إذًا هنا الكارثة مرة أخرى”.

وتابع أنه على العالم أن يفطن إلى أن الصراع بين دوله سيؤدي إلى كارثة، وأنه لا سبيل عن الحوار، مؤكدًا على ضرورة أن تكون الجهود بعد تخطي أزمة كورونا، موجهة نحو التصدي لكوارث محتملة.

ماذا تعلمنا كورونا؟

أزمة كورونا

ختامًا، فإن جائحة كورونا، كما باغتت العالم بثقلها المفزع ونزلت عليه دون إنذار، من غير أن يكون متأهبًا لها، وأثارت الكثير من الرعب والقلق، فإنها كذلك قد تعتبر درسًا مفيدًا للبشرية.. فماذا علمتنا؟

يقول د. كريم الصيّاد، إن “الجائحة تعتبر فرصة كبيرة كي نتعلم منها، فهي وقت الوعي وليس الخوف. وبشكل أساسي فقد تعلمنا أمرين، أولهما أن الفقر مدمر للجميع، بما فيهم الأغنياء، وثانيهما أن وجودنا يحتاج إلى وجود؛ لأنه عدم في الحقيقة طالما لا ندرك حقيقة وجودنا الذي ينفد في كل لحظة”.

فضلًا عن هذا، فإن الجائحة تحمل جانبًا إيجابيًا هو الأهم في وجهة نظره؛ هو الجانب الوجودي، فقدت كشفت “كم أن وجود الإنسان فعلًا وطول الوقت على حافة الهاوية، لكننا تعودنا أن نتناسى ذلك بالحب والحرب، بالفن واللعب مع الصراع والتدمير، كل ذلك محاولات الإنسان لتناسي مصيره المحتوم. الإنجاب نفسه وسيلة الإنسان، وكل الكائنات الحية، للتكيف مع الموت: أن تترك من امتدادك خيطًا يعيش من بعدك ويحمل جانبًا منك”.

ويذهب إلى “أن هذه الأزمة تكشف للإنسان مصيره وحتميته، وبهذا يعي الإنسان أن وجوده محدود، مكانًا وزمانًا ومعنىً. وحين يعي الإنسان حدود وجوده تتفتح له إمكانات خفية، هي شعوره بالحرية المطلقة. البعض مثلًا يسأل: لماذا لم أختر طريقًا مختلفًا عن هذا: المدرسة، الجامعة، العمل، الزواج، الإنجاب؟ لماذا لم أخاطر أو أبدع أو أستقل بذاتي، ما دام الموت قريبًا إلى هذا الحد وغير متوقع؟ ما معنى حياتي؟ وما الذي ضاع مني؟ وما الذي ضعتُ أنا منه؟”.

لك أيضًا:

مفهوم انحطاط الثقافة وأنواع من الكتب حصدت نوبل في السخف – تقرير

0

شاركنا رأيك حول "ما بعد الكورونيالية: وفقًا للكتّاب والمثقفين، ماذا فعل بنا كوفيد-19 وإلى أين يأخذنا؟"