المعبد الهندوسي في دبي
0

ربما إحدى أهم الدول العربية التي تسابق -قولًا وفعلًا- للحاق بركب عجلة الحضارة، مع الحفاظ على قيمها ومبادئها القائمة على التسامح وحفظ حريات الأديان، هي الإمارات العربية المتحدة؛ إذ لم يكد يبدأ العام 2021، حتى أعلنت دولة الإمارات عن بدء مشروع احتضان مدينة دبي لمعبدٍ هندوسيٍّ ستجاهد أن يكون بناؤه معاصرًا قدر الإمكان، مع الاحتفاظ بعناصره المميزة الهندوسية، كما سيكون مستوحى من العمارة العربية.

لم يكُن قرار البناء مفاجئًا جدًا، فمنذ عامين، صرّحت الإمارات عن تطلّعها لبناء صَرح من شأنه أن يجمع بين الديانات السماوية الثلاث الرئيسية المعروفة، والتي هي الإسلامية والمسيحية واليهودية، وآنذاك، شهدت الدولة تدشين حجر الأساس لأول معبد هندوسي يُقام في أبو ظبي. لذا لم يكن ذلك مفاجئًا، إنما يكمن عنصر المفاجئة في الكشف عن تصاميم المعبد وعدة عناصر مرتبطة به.

اقرأ أيضًا: من لغة الطبيعة المشتركة بين البشر إلى حلقات النار والمعابد.. كيف أصبحت الموسيقى جزءًا من الطقوس الروحية؟

المعبد الهندوسي في دبي
تدشين المعبد

دولة الإمارات العربية المتحدة: ديانات تجمعها الألفة والمحبة

لم تكُن تلك المبادرة نقطة البداية في مسيرة الدولة التسامحية، فقد كان لها أثر في بناء عدة عمارات إسلامية في محاولة منها لجمع الأطياف تحت سقف الألفة والمحبة، وعدم التفريق بين عِرق أو جنس، ومنها مسجد الشيخ زايد الكبير في أبو ظبي، وهو أكبر مسجد في الإمارات العربية المتحدة، وشُيّد على يد الشيخ زايد، الرئيس السابق للبلاد، ويضم أكثر من 80 قبة مطعّمة بالذهب والأحجار شبه الكريمة.

مسجد الشيخ زايد
مسجد الشيخ زايد

أما بالنسبة للكنائس، فمَن يذهب إلى دبي، لا تفوته زيارة كنيسة القديسة مريم الكاثوليكية، والتي تأسست عام 1967، وهي واحدة من أقدم الكنائس في دبي، ومثال يُحتذى به في التألق المعماري، مع العلم أن الكنيسة هُدمت عام 1988 وأُعيد إعمارها مع الأخذ بعين الاعتبار العدد المتزايد للكاثوليك في دبي. إذًا لك أن تتخيل مدى الاهتمام الديني والروحي في دولة الإمارات.

المعبد الهندوسي في دبي
كنيسة القديسة مريم الكاثوليكية

كما بَنَت دولة الإمارات الكنيسة المسيحية المتحدة في دبي عام 1962، على إثر قدوم بعض المسيحيين المغتربين إلى دبي آنذاك، وتعتبر مثالًا حيًّا منذ ذلك الحين على جمال دبي المعماري واحترامها لجميع الثقافات والأديان.

لذا، كما قلنا، لم يكن اقتراح بناء المعبد هو بشيء جديد على أهمية التسامح في الدولة، فقد شهدت الإمارات وعلى مرّ الأعوام الماضية، مبادرات كثيرة في سياق تعزيز قيم التسامح.

تصميم المعابد الهندوسية

اختار المسؤولون عن تصميم المعبد في دبي، الاعتماد على الشكل العام للطراز العربي في التصميم، وفقًا لمعايير بناء المعابد الهندية المستوحاة من التراث الفيدي Vedic ونظام فاستو شاسترا الهندوسي (VASTU SHASTRA)، ويعني هذا المصطلح “علم العمارة”، وهو نظام هندوسي تقليدي يُتبع في هندسة العمارة في شبه القارة الهندية، حيث يصف هذا النظام مبادئ التصميم والقياسات الواجب أخذها بعين الاعتبار عند البناء، إذ يجب أن يكون موقع المعبد ملائمًا تمامًا للبناء، من حيث المرافق المتوفرة والأرض الخصبة والإمدادات، وغيرها.

تهدف تصاميم المعابد الهندوسية على هذا النهج بشكل عام، إلى دمج الهندسة المعمارية مع الطبيعة ووظائف الأجزاء المختلفة من الهيكل المعماري، والمحاذاة الاتجاهية والمعتقدات، مثلًا، بالنسبة للتصميم المعماري للمعبد من الداخل، فيجب تحديد حجم الآلهة التي يعبدها الهندوس في البداية، أي تحديد حجم المعبود قبل الشروع في البناء، كما تتضمن أنواع المواد المخصصة لبناء المعبد الذهب والفضة والنحاس وغيرها، ولكن ليس الحديد، بسبب الاعتقاد السائد لديهم أنه يجذب الطاقة السلبية.

أيضًا، من الضروري جدًا أن تكون الشبكات المكوّنة للمعبد عبارة عن مربعات أو مثلثات متساوية الأضلاع، والسبب في ذلك هو الأهمية الدينية بالنسبة لهم، فيجب أن يتضمن تكوين المعبد إما 64 أو 81 مربعًا.

من الضروري أيضًا تحديد واجهة مدخل المعبد، وهناك خياران، إما الشمال أو الشرق، ويُفضل أن يكون المدخل باتجاه الشرق، وهي الجهة المقرر بناء مدخل معبد دبي الهندوسي عليها. ولذلك أيضًا سبب، ألا وهو وجوب دخول ضوء الشمس إلى المعبد منذ شروق الشمس، فله القدرة على قتل البكتيريا والميكروبات الموجودة في الهواء، وهو ما يحدد نظافة المعبد وبقائه نقيًا ويجذب الطاقة الإيجابية.

طَقس آخر مهم من طقوس بناء المعبد وهو تحديد اتجاه الآلهة، يجب وضع الآلهة باتجاهات معينة، فإذا تم وضعهم بالاتجاهات المطلوبة، فإن النتائج الخيّرة والبركة القادمة ستكون سريعة، وفقًا لمبادئ التنجيم الفيدي، ومن المقرر أن يكون معبد دبي الهندوسي موطنًا لـ 11 إلهًا هندوسيًا يخدم المعتقدات الدينية للمجتمعات الهندوسية الخاصة بجميع أنحاء الهند.

كل تلك الطقوس موجهة نحو بقاء المعبد مشرقًا وذو طاقة إيجابية تدفع الناس إلى زيارته بصفاء نية وطيبة قلب.

اقرأ أيضًا:  اسطنبول ليست الوحيدة: خمس مدن تنكرت لأصولها التاريخية وغيرت أسماءها

المعبد الهندوسي في دبي

صورة للمعبد الهندوسي المقرر إنشاؤه في دبي
المعبد الهندوسي المقرر إنشاؤه في دبي

من المقرر بناء المعبد في منطقة جبل علي بالتحديد، وأن يكون مدخله مُطلًّا على الجهة الشرقية كما أسلفنا الذكر، وسيكون امتدادًا لمعبد جورو ناناك داربار (Guru Nanak Darbar)، أحد أقدم المعابد الهندوسية في البلاد، والذي تم افتتاحه منذ خمسينات القرن الماضي. وسيتم الانتهاء من البناء بشكل نهائي بحلول مهرجان الأضواء الهندوسي “ديوالي أو ديفالي” لعام 2022، وهو عيد ديني للهندوس والسيخ، يُحتفل به في فصل الخريف، ويُسمى أيضًا “عيد الأنوار”. فالهدف من بناء المعبد أن يكون مكانًا للتعبّد لأتباع الديانة الهندوسية المقيمين في دولة الإمارات العربية المتحدة.

المعبد الهندوسي في دبي
تشييد المعبد
المعبد الهندوسي في دبي
تشييد المعبد

التصميم (الهيكل)

وُضع حجر أساس المعبد في دبي في 29 أغسطس/آب 2020، لذا حتى الآن، هناك نظرة تخيلية عما سيكون عليه هذا المعبد. بالنظر إلى الهيكل الخارجي، سيتم تزيين المعبد من الخارج بمشربيات، الأمر الذي يوحي بالعمارة العربية التقليدية، وهو ما يضفي على المعبد تفاصيل جمالية ورائعة في منطقة الواجهة، كما يوفر التظليل اللازم، بالإضافة إلى الزخارف المعاصرة، ليكون تقليديًا حديثًا.

مشربيات المعبد
مشربيات المعبد

أما أعمدة المعبد الخارجية والداخلية، سيتم تصميمها على غرار الأعمدة التقليدية في معبد “سومناث” الشهير، الواقع في برابهاس باتان على الساحل الغربي لولاية غوجارات في الهند. سومناث هو أول جيوترلينجا أو أول ضريح للإله شيفا، تعرض المعبد لعدة مرات من الدمار، ولكن في كل مرة، كان الناس يعيدون بناءه، أُعيد بناؤه ست مرات والهيكل الحالي هو السابع.

المعبد الهندوسي في دبي
معبد سومناث
معبد دبي من الداخل
معبد دبي من الداخل

تفاصيل المساحة

سيحتل المعبد من الأرض مساحة حوالي 2322 متر مربع، بينما تُقدر المساحة المبنية حوالي 7 آلاف متر مربع، طابق أرضي وطابق أول، وسيتضمن قبوين. أما بالنسبة لارتفاعه، فسيبلغ 18 مترًا، والارتفاع الكلي للمعبد مع القبة (قبة شيخار) حوالي 24 مترًا.

المعبد الهندوسي في دبي
عمليات بناء المعبد

سيتضمن المعبد عدة قاعات كبيرة، قاعة معارض فنية وصالة رياضية، والمزيد من المرافق الأخرى، وقاعة للعبادة والصلاة، ستُصمم لتتسع لحوالي 1500 شخص، ومن ميزات هذه القاعة وجود فتحة ثُمانيّة الأضلاع في السقف، والتي تسمح بدخول الضوء الطبيعي ورؤية السماء الزرقاء والقبة، فكما ذكرنا، من المهم تطهير المعبد بأشعة الشمس.

المعبد الهندوسي في دبي
مدخل قاعة الصلاة
المعبد الهندوسي في دبي
قاعة الصلاة

إلى جانب قاعة الصلاة، يحتوي المعبد على ردهة مصممة بشكل معاصر، وقاعة ولائم أو مخصصة للحفلات، بمساحة 1220 متر مربع تقريبًا، يمكنها استيعاب 775 شخصًا، وغرفة متعددة الاستعمالات بإمكانها احتواء 100 شخص، وغالبًا ستسخدم لإلقاء الدروس الدينية، وورش العمل الفنية ودروس الرقص التقليدية وأنشطة أخرى، وشُرفة مخصصة لأداء المراسم التي تحتاج إلى إشعال النيران مثل مهرجان النيران الذي يحتفلون به ويؤدون مراسمه معتقدين أنه يخلصهم من الشرور والأمراض، حيث يمكن أداؤها بأمان في الهواء الطلق.

قاعة الولائم
قاعة الولائم

إذًا، غالبًا ما سيتحول هذا العمل إلى حقيقة مرئية في مطلع العام القادم، هل أنتم متشوقون لرؤيته؟

اقرأ أيضًا: الاغتيالات السياسية: مراحل محورية في تاريخ البشرية تعرف عليها الآن!

0

شاركنا رأيك حول "مستوحىً من عراقة العمارة العربية ونظام الفاستو شاسترا: المعبد الهندوسي في دبي مفاجأة العام القادم"