وضع النحل المؤسف
0

لطالما لفت انتباهي الأخبار الكثيرة المتداولة حديثًا حول أعداد مستعمرات النحل، الأمر الذي جعلني أذهب بالتفكير إلى الماضي، عندما كنت أرى اهتمام أهل قريتي الشديد بتربية النحل، ولكنه لم يعد كما كان، فلم نعد نرى الكثير من خلايا النحل، فماذا حدث لهذه المستعمرات أثناء انشغالنا بتقلبات عالمنا الجديد؟ وهل نحن على أعتاب انقراض نوع جديد في البرية؟

اقرأ أيضًا: النحال الحلبي: رواية للكاتبة البريطانية “كريستي لفتيري” عن سوريا بين الخراب والأمل

المبيدات الحشرية: ضارة للنحل لكن لا بد من استخدامها!

لنتحدث بداية من عام 2018، عندما صرح الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة بوجوب الحظر شبه الكامل للمبيدات الحشرية المتسببة في الأضرار الجسيمة للنحل، وإشارة “مايكل غوف” وزير شؤون مجلس الوزراء البريطاني إلى أنه “لا يمكننا تحمل نتيجة تعرض مجتمعات النحل وغيرها من الملقِّحات للخطر”، ولكن ترجع المملكة مجددًا لتعلن الاستخدام الطارئ لتلك المبيدات خلال هذا العام، مما جعل المملكة تُهاجَم من قبل الكثيرين من محبي الطبيعة والحياة البرية.

لكن السؤال هو: ما الذي حدث وجعل بريطانيا تتراجع عن قرارها، بالرغم من التأييد الكامل بأن هذه المبيدات لا شك وأنها ستخلق أزمة في التنوع البيولوجي وربما أزمات اقتصادية على المدى البعيد!

بعد تقديم طلب للحكومة البريطانية في السماح بالاستخدام الطارئ للمبيدات المعالِجة لمحاصيل بنجر السكر من قبل شركة السكر البريطانية والاتحاد الوطني للمزارعين، وافق وزير البيئة “جورج يوستيس” على الأمر مؤخرًا بعد رؤيته للانخفاض الكبير في محصول بنجر السكر خلال العام الماضي بسبب مرض الاصفرار الفيروسي، واحتمالية حدوث نفس الشيء في عام 2021، ما لم تُتَخذ الإجراءات اللازمة.

وفقًا للتصريح السابق، فإنه يمكن للمزارعين معالجة بذور بنجر السكر بمنتج يحتوي على مادة “ثياميثوكسام النيونيكوتينويد” واستخدامه، بهدف حماية محاصيلهم، وذلك مع اتباع قوانين الرقابة الصارمة، محاولة من الحكومة لإنقاذ ما تبقى من مستعمرات النحل وباقي الملقحات الأخرى. وذكر متحدث باسم “Defra” بأن تصاريح الطوارئ الخاصة بمبيدات الآفات لا تُمنح فقط إلا في ظروف استثنائية، في حالة عدم السيطرة على الأمراض أو الآفات بأي وسيلة معقولة أخرى. لكن هل حقًا ينفع الأمر!

بالطبع، كانت بريطانيا مثالًا من عدة أمثلة أخرى حول العالم لدولٍ تُستخدم فيها المبيدات الحشرية لمكافحة الآفات الزراعية، وقد تكون من الدول القليلة التي بدأت بوضع يدها على المشكلة، لكن في دولٍ كثيرة أخرى لا يزال استخدام المبيدات شائعًا جدًا رغم معرفة فنيي الزراعة والحكومات بمخاطرها على مجتمعات النحل.

ما الأسباب التي تؤدي إلى انخفاض أعداد النحل أو ربما انقراضه في المستقبل؟

وفقًا للدراسات التي أجريت منذ عام 2017 وحتى وقتنا الحالي في العديد من الدول الأوروبية، فإن النتائج تشير إلى وجود صلة بين انخفاض أعداد النحل والمستويات العالية من مبيدات “النيونيكوتينويد“، حيث تعمل هذه على الإضرار بالجهاز المناعي والتطور الوظيفي لأدمغة النحل، وتعطيل الخلايا العصبية، ومن ثم عدم القدرة على التعلم وتذكر روائح الأزهار، والتي تعد من أكثر الوظائف الهامة للنحل حين يقوم بالبحث عن طعامه، فضلًا عن قلة التفاعل والتعاون بين النحل المصاب وغيره من الأفراد الأخرى في مستعمرته، وإذا فقد النحل التعاون، فهو بذلك يفقد سلوك العمل الجماعي في بناء الخلية وحمايتها من الحيوانات المفترسة وجمع الطعام وإنتاج العسل، مما يؤدي في الأخير إلى انهيار المملكة بأكملها.

قامت جامعتا ريدينغ ورويال هولواي في لندن وجويلف في كندا أيضًا بدراسات حول النحل الطنان المُلقِح لأشجار التفاح، ونُشرت نتائجها في مجلة “نيتشر”، ووجد العلماء أن النحل المصاب (المعرض لجرعات منخفضة من مركبات “النيونيكوتينويد”) يقوم بجمع حبوب اللقاح بمعدل أقل من المعتاد وذلك في زيارته للزهور، إضافة إلى أن الأشجار التي تم تلقيحها من قبل هذا النحل، تنتج تفاحًا منخفض الجودة مقارنةً بالأشجار التي يتم تلقيحها بنحل سليم (لم يتعرض لتلك المركبات).

ونخلص من الأبحاث السابقة، إلى إمكانية التأثير المباشر على النحل، عن طريق تغير سلوكه في عدم عودته للخلية أو نجاحه في التكاثر، وذلك عند التعرض لمستويات شبه مميتة من مبيدات “النيونيكوتينويد”.

اقرأ أيضًا: المحطات الكبرى في رحلة الجنس البشري

خلف العسل: قيمة كبرى للنحل، فما الذي سيؤول إليه العالم في المستقبل؟

بخلاف إنتاجه العسل والشمع المستخدم في الغذاء وصناعة الكثير من مستحضرات التجميل، فإن الدراسات تشير إلى أن عملية التلقيح لثلاثة أرباع أنواع المحاصيل المختلفة تتم عن طريق النحل، كما ترتفع خدمات الطلب على النحل الغربي من قبل مزارعي الخضراوات والفاكهة وبذور المكسرات، حيث أنه بمثابة الهيكل الأساسي في عملية تلقيح تلك الأنواع، بالتالي؛ فإن نقص إمداد النحل لخدماته هو ما يسبب ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار المكسرات والفواكه والخضراوات، مما يؤثر بالسلب على المجال التجاري وتدهوره.

يُشار للنحل البري على أنه أكثر الطرق التي تستخدم في التلقيح مقارنة بالطرق الأخرى كالرياح والطيور، وعليه فإن اختفائه قد يكلف المزارعين أموالًا طائلة سنويًّا للقيام بعمليات التلقيح اليدوي، إضافة إلى تلقيح النحل للنباتات المزهرة والمنتجة لمحاصيل تعتمد عليها الماشية في غذائها مثل البرسيم ومحاصيل الأعلاف، مما يؤثر بالسلب على هذه الحيوانات، ويقل إنتاجها من الألبان، وبالطبع المنتجات التي تدخل في صناعتها.

قد ينتج عن عملية رش البذور بالمبيدات امتصاص جذور الأزهار البرية ونباتات السياج لنسب المبيد الباقية والمتراكمة في التربة، ولا شك أن هذه المبيدات يتسرب بعضها إلى الأنهار وجداول المياه، مما يلحق الضرر بأنواع لا حصر لها من اللافقاريات التي تقضي جزءًا من دورة حياتها في المياه العذبة.

الحلول التي تلوح في الأفق

لم يعد الأمر مقتصرًا على النحل فقط، بل تنبهنا الأدلة الحديثة إلى فقداننا لحوالي 50% من الحشرات، وحوالي 41% من ملايين الأنواع المتبقية على الكرة الأرضية مهددة بالانقراض، وتمثل هذه الأنواع الغذاء لكثير من الحيوانات الكبيرة كالطيور والأسماك والزواحف والبرمائيات، وتساهم في تلقيح أنواع مختلفة من المحاصيل، وإعادة تدوير المغذيات، وهو ما دفع الأفراد لمناشدة الحكومات لتركيز جهودها على اتباع نظام الزراعة المتجددة، وتدريب المزارعين على مواجهة التغير المناخي، وتشجيعهم على إنتاج محاصيل مفيدة صحيًا دون أن تترك أثرًا سلبيًّا على مستعمرات النحل بشكل خاص والحياة البرية بشكل عام.

يبدو أن بعضًا من مربي النحل لم يكتفوا بمراقبة الوضع فحسب، بل قام هؤلاء بالتأقلم مع الوضع عن طريق تربية أعداد أكثر من النحل، وتقسيم خلاياه في الصيف والربيع، بما يجبر النحل على التكاثر وإنتاج المزيد من الملكات، كما قام آخرون بتجربة أنواع أخرى من النحل مثل النحل الخاص بأوراق البرسيم، ولكنه بالطبع أغلى ثمنًا.

يشير البعض إلى ضرورة وجود تواصل مستمر بين المزارعين ومربي النحل ومسؤولي الحكومة القائمين على الأمر، بهدف التعاون لوضع خطة متفق عليها من أجل حماية النحل، وإلزام المزارعين برش المبيدات أثناء الحاجة فقط، وتجنب استخدامها في حالة إزهار المحاصيل، وكذلك التوعية بمواقع النحل قبل استخدامهم المبيد.

لا يزال الجدل قائمًا، ولا يزال هناك الكثير من الهجمات بشأن التصريحات والقرارات الأخيرة، فهل سيستمر الاستخدام الطارئ لهذا النوع من المبيدات أم لا؟ وهل بات النحل على أول خطوة في مرحلة الانقراض! فلا أحد يعلم ما سيحدث بعد، ولكن شاركنا الرأي حول الحلول التي يمكن أن تساهم في تخطي هذه الكارثة!

اقرأ أيضًا: من أكياس العار إلى بيتزا النحل: الإعلانات التجارية الأكثر إبداعًا في 2019

0

شاركنا رأيك حول "ليس على ما يرام وخسائر فادحة بانتظار البشر: عن أكبر المخاطر التي تهدد النحل اليوم!"