كتب ستجعل للأدب طعمًا أكثر حلاوة ترشيحات أراجيك لشهر فبراير
0

يؤرقني حقًا من يدعي بأن قراءة الأدب مضيعة للوقت، وكأننا روبوتات في عالم كمي خالٍ من الأحاسيس. أحسب بأن أصحاب هذا الادعاء ينطلقون من نقطة أن الحكايات المروية خيالية، وبالتالي كل هذه الافتراضات ستؤذي العقل وتخدره، لأنه يعيش في عالم خارج العالم الحقيقي، فعلى من يبنى ادعاءه وفقًا لذلك أقول: يا لهذه السطحية!

اقرأ أيضًا:

الحكايات الشعبية في الأدب نبتت من الخيال لتسكن الخيال!

عن أهمية قراءة الأدب

قد يكون الأدب الأرض الخصبة لفهم المشاعر الإنسانية وتعقيدها وتشابكها، وقد نفهم مادة علمية زخمة من حكاية، فالحكايات هي أداة يستسيغها الإنسان شاء أم أبى، كل يوم نسمع الحكايات ونتفاعل معها على أرض الواقع، فاللغة تحب الحكايات، والحكايات تبحث عن المعنى، والإنسان مفتون باللغة والمعنى وبالتالي بالحكايات.

ماذا عن الرغبة في قراءة الأدب؟ يعرّف فرويد الرغبة بأنها العمل الأقل وعيًا من الوسط المشترك الذي نولد فيه، والقراءة كأي فعل له غاية ورغبة، إلا أننا قد لا ندرك منبع هذه الرغبة تمامًا، فلماذا نقرأ؟ وما هي الفائدة من قراءة الأدب والروايات؟

الأدب مرآة لواقعنا، تعكس ما لا يمكن لأداة غيره أن يفعل ذلك، نفهم أنفسنا من خلال الأدب، وقد يوصلنا الأدب لشعور إنساني عالٍ في رتبته: المواجدة؛ أن نشعر بالآخر تمامًا كما أننا في مكانه (وقد يكون ذلك شيئًا خطيرًا كما سنرى لاحقًا في هذا المقال).

قراءة الأدب ليست مضيعة للوقت

كتب ستجعل للأدب طعمًا أكثر حلاوة ترشيحات أراجيك لشهر فبراير
كتب ستجعل للأدب طعمًا أكثر حلاوة: ترشيحات أراجيك للقراء في شهر فبراير 2021

بعد هذه المقدمة، أرشح لكم كتبًا ستجعل للأدب طعمًا أكثر حلاوة، وستكون صفعة شديدة على خد كل مدعٍ متحذلق متذاكٍ يعتبر الأدب مضيعةً للوقت.

من نبحث عنه بعيدًا، يقطن قربنا

كيليطو قارئ مجتهد وكاتب متواضع، قد تشعر بذلك من خلال قراءة أعماله. يشعرني كيليطو بأن نصوص العالم كلها مترابطة. ومنبعها ونقطة ارتكازها: ألف ليلة وليلة. كيليطو مثال للقارئ المجتهد.

“من نبحث عنه بعيدًا، يقطن قربنا” هو كتاب في غاية العذوبة، يسعى كيليطو إلى تأويل النصوص في حكايات ألف ليلة وليلة وربطها بنصوص لا يزال صداها يتردد حتى اللحظة: الكوميديا الإلهية، وبورخيس، وجزيرة الكنز. ألا يكفي كل ذلك ليصنع نصًا شديد العذوبة، يذيب القلب من فرط الحلاوة؟

كتب ستجعل للأدب طعمًا أكثر حلاوة - غلاف كتاب من نبحث عنه بعيدًا، يقطن قربنا
كتاب من نبحث عنه بعيدًا، يقطن قربنا من الكتب التي ستجعل لمذاق قراءة الأدب طعمًا أكثر حلاوة

أعتبر كيليطو دائمًا ردًا مناسبًا لكل من يعتبر الأدب كلامًا فارغًا، وفي الوقت ذاته يشعرني بالحرج، يشعرني بقصوري في فهم النصوص، فيدفعني كيليطو لقراءة المزيد، ومعرفة المزيد، وفهم المزيد. كيليطو هو الرفيق الأمثل في رحلة البحث عن المعنى. لقراءة هذا النص، عليك أن تكون ملمًا ولو بشكل قليل، بقصة السندباد، جاك القدري، جلجامش، كليلة ودمنة، شهرزاد وشهريار.

هذا النص يذكرني بما قاله هانتا في عزلة صاخبة جدًا: “… لأنني عندما أقرأ، أنا لا أقرأ حقًا، بل أرمي جملة جميلة في فمي، وأمصها كالسكاكر، أو أرشفها كشراب كحولي حلو، حتى تذوب الفكرة داخلي كالكحول، وتتغلغل في العقل والقلب، ثم تتدفق عبر الأوردة إلى جذر كل وعاء دموي…”..

اقرأ أيضًا:

سلطة الكتب: تطبيق عملي مع كونديرا والعلاج النفسي الوجودي!

كيف نقرأ الأدب

يُلزم تيري إيغلتون نفسه بالإجابة عن سؤال معقد إذ عنون كتابه بصيغة سؤال كبير (Big Question): كيف نقرأ الأدب؟ إيغلتون يأخذنا في رحلة تشريحية للأدب.

يبدأ إيغلتون الإجابة عن سؤاله باستعراض الأهمية البالغة للنص الافتتاحي في العمل الروائي، وذلك لأنه يمثل عملًا مصغرًا من الرواية ككل، كنت قد كتبت مقالًا سابقًا عن نصوص افتتاحية لروايات بديعة، فاقرأ ذلك المقال للاستزادة إذا أثار هذا الموضوع فضولك.

في الفصل الثاني، يتناول إيغلتون دعامة رئيسية في البناء الروائي: الشخوص. يقودنا في مسار القدرة العظيمة للأدب على جعلنا أشخاص لا نركز على الأنا لحظيًا خلال القراءة، في محاولة لمعرفة وفهم الحالة الفكرية والنفسية، ولمَ لا، الجسدية أيضًا. ولكنه يحذرنا من ذلك، إذ لو قمنا بتبادل الأدوار مع الشخصيات، فذلك قد يفقدنا جزءًا كبيرًا من قدرتنا على فهمهم، موضحًا بأن قصورنا في فهم أنفسنا كأشخاص خير دليل على صعوبة الدخول في لعبة “ضع نفسك موضعي”.

كتب ستجعل للأدب طعمًا أكثر حلاوة - غلاف كتاب كيف نقرأ الأدب
كتاب كيف نقرأ الأدب من الكتب التي ستجعل لمذاق قراءة الأدب طعمًا أكثر حلاوة

يربط إيغلتون الحبكة الروائية بالسرد، موضحًا بأن الحبكة هي الرابط بين الشخصيات والأحداث، فهي التي تمنح السرد ذلك الانسياب والدينامكية الروائية المنطقية. ينتقل بعدها إلى تأويل النصوص وفهمها، شارحًا أهمية المخزون المعرفي لدى القارئ في قدرته على فهم المعنى، وهل يمكن لكاتب أن ينسلخ عن أفكاره في كتابة نص؟

يفتتح إيغلتون الفصل الخامس والأخير بسؤال عظيم: ما الذي يجعل العمل الأدبي جيدًا أو رديئًا أو مختلفًا؟ هل تكون واقعية العمل مثلًا؟ أم عمق المعنى؟ ربما سلاسة اللغة والسرد؟ أم القدرة على خلق شخصيات معقدة أم ربما غير ذلك؟ أو حتى كل ذلك؟

هذا كتاب متخصص جدًا؛ لذا قد تشعر بالملل في مواضع عدة، ولكنه مهم جدًا في توضيح الأهمية العظيمة للعمل الأدبي. بالمناسبة؛ كانت الغاية الأساسية من قراءة الكتاب هي رغبتي في إيجاد إجابة لسؤال دائمًا ما يخطر ببالي: من الذي يخلق متعة القراءة: الكتاب أم القارئ؟

نظرية الأدب

الأدب، هذا الشيء المراوغ، الذي يخلق اللذة الخالصة، والذي يعبّر عن كل ما فينا من سعادة، أو اضطراب، أو تعاسة، أو ما طاب لك من ذكر كلمات تصنف كمشاعر. الأدب، والقصص، والحكايات، ذلك النسيج المعقد، والذي من شأنه أن ينتشلنا من حالة ليقذفنا إلى حالة أخرى. كل هذا استدعى أن يُكتب في الأدب نظرية، وهنا، يكتب Terry Eagleton – تيري إيغلتون “مقدمة” أقرب ما تكون إلى أطروحة في نظرية الأدب، يستعرض نظرية ومن ثم يأتي دوره لينقدها ويفندها.

في مدخل هذا الكتاب، يحاول إيغلتون أن يعرف الأدب. ليرفض أن يتم تعريفه بأنه كتابة تخيلية، أي أنها كتابة مخالفة للحقيقة بالمعنى الحرفي. لذا، فهو يهدم الثابت والعام والمنتشر في تعريف الأدب.

ينتقل إيغلتون، لينبش أوراق التاريخ للمدارس النقدية أملًا في تعريف الأدب، فيبدأ باستعراض الشكلانية، وتطورها واندثارها. ليستعرض في كتابه هذا، المدارس والحركات النقدية الأدبية المعروفة. لكن استعراض إيغلتون لهذه الحركات كان تفاعليًا، ديناميكيًا، روائيًا. وبذلك، كان قادرًا على التعبير عن نظرية الأدب -والتي قد تشعرك بالملل نظرًا لأن هذا الموضوع يعتبر أكاديميًا وتخصصيًا بشكل كبير- بطريقة خفيفة.

كتب ستجعل للأدب طعمًا أكثر حلاوة - غلاف كتاب نظرية الأدب
كتاب نظرية الأدب من الكتب التي ستجعل لمذاق قراءة الأدب طعمًا أكثر حلاوة

الحركات النقدية هنا تم استعراضها بالتسلسل، فكأن إيغلتون يستعرض شريطًا سريعًا لتاريخ النقد الأدبي. فكيف نشأت الدراسات الإنجليزية، وكيف نشأت التمحيص، والنقد الجديد، وعلم الظاهرات والتأويل، ونظرية الاستقبال، وكيف تولد هذه الحركات والمدارس من رحم الحروب أو الكوارث أو أنها تكون ردات فعل على أنظمة سياسية واقتصادية واجتماعية. فمن هنا، نرى كيف أن الأدب مرتبط أشد الارتباط بالسلطة، لذا يعمد إيغلتون على ربطه بالإيديولوجيا.

يتابع إيغلتون حديثه عن البنيوية والسيميائية، وما بعد البنيوية. أما عن فصل التحليل النفسي، فأعتبرها مقدمة جيدة للراغبين في قراءة فرويد ولاكلان. الجميل في استعراض إيغلتون أنه تمكن من تحفيز براعم التذوق الدماغية، فقدّم للقارئ مادة تمكنه من الغوص أكثر (إن شاء) في مدارس فلسفية وأدبية عديدة، فمثلًا في الفصل الأخير قدم فرويد بطريقة سلسلة وكذلك هايدغر ولاكلان ورولان بارت وهيرش وهيسرل وغيرهم. من هنا، نرى بأن الكتاب دسم جدًا، يتطلب وقتًا كبيرًا، فهو بداية جيدة للعديد من المواضيع.

لا شك بأن إيغلتون تناول العديد من الثنائيات هنا، كما أن ثنائية اللغة والمعنى كانت حاضرة بقوة في طرح إيغلتون، زد على ذلك ثنائية الاستعارة والكناية، واستعرض أيضًا ثنائية الخطاب واللغة.

في المحصلة، يختتم إيغلتون كتابه بفصل النقد السياسي. فبعد استعراض النظريات الأدبية، يأتي إيغلتون ليفصح عن وجهة نظره من هذه النظرية الأدبية، فيعبر عن رأيه بأنها -أعني النظرية الأدبية- متصلة بشكل كبير بالنظام السياسي، وذلك لدور النظرية بتعزيز وإسناد افتراضات النظم السياسية.

هي رحلة تضيء ثنايا عقلك، رحلة كتبها إيغلتون وترجمها ثائر ديب بترجمة تحترم عقل القارئ، وتثري مصطلحاته العربية بكلمات دقيقة، ليتضح الجهد المبذول في ترجمة الكتاب، لذا، شكر ثائر ديب هنا وجب وجوبًا.

في فصله الأخير، يرفض إيغلتون هذه النظرية الأدبية -بعد كل هذا المجهود في استعراضها- فيقول:

“ويتعين علينا أن نستخلص، إذًا، أن هذا الكتاب ليس مدخلًا إلى النظرية الأدبية بقدر ما هو نعي لها، وأننا قد انتهينا إلى دفن الموضوع الذي سعينا إلى نبشه”

فهل كانت محاولتنا لفهم النظرية الأدبية عبثًا؟ أم أن ارتباطها الوثيق بالنظام السياسي، جعلها دهليزية بشكل جلي؟

طعم قراءة الأدب حلو المذاق، وكتب النقد الأدبي قد تكون مُرّة أحيانًا، إلا أنها المر الذي سيشعرك بالحلاوة أضعافًا مضاعفة بعد تذوقه، قراءة ممتعة.

لك أيضًا:

أفضل الروايات المترجمة إلى اللغة العربية خلال عام 2020

فرانز كافكا سوداوي كئيب ساهم أدبه في إعلاء شأن الفنون جمعاء!

0

شاركنا رأيك حول "كتب ستجعل للأدب طعمًا أكثر حلاوة: ترشيحات أراجيك للقراءة في شهر فبراير 2021"