نظام التفاهة
0

نظام التفاهة، هكذا يعنون المفكر آلان دونو كتابه الذي يحاول من خلاله البحث في طبيعة الأنظمة السائدة ضمن هذه المرحلة التاريخية، والتي أدت إلى سيطرة مجموعة من التافهين على مفاصل الدولة الحديثة كما يرى كاتبنا.

نظام التفاهة

هنا تماماً يبدو هاماً تحليل ما فاض به هذا الكتاب، إذ ليس مجرد اتهام غير مبرر الحديث عن نظام التفاهة، وإنما هو نوع من تسليط الضوء على حقائق واقعية باتت تؤثر في مفاصل حياتنا كلها، ولربما نستحضر هنا نقاش الفيلسوف الألماني هيدجر حول:

الوجود الأصيل الذي ينطلق من تحمل الإنسان لمسؤولياته واختياراته وقدرته على اتخاذ القرارات بوعي كامل بالأوضاع والظروف التي تحيط به والوجود المزيف الذي لا يحقق من خلاله ماهيته الحقيقية.

في هذا العالم تتبدى لنا تساؤلات عديدة:

  • ما هو نظام التفاهة؟
  • ما الذي جعل الأنظمة تسعى إلى المظهر وتتخلى عن الجوهر؟
  • كيف أصبحت الرداءة بديلاً عن الجدية والجودة؟
  • كيف يتمكن المتسلقون والمتذبذون من الوصول والتأثير؟

بدايةً: لنعرف نظام التفاهة

يبدأ دونو بتوصيف نظام التفاهة من خلال ثلاث حوادث تاريخية هامة، يظهر من خلالها كيف تربع التافهون على عرش السلطة، وكيف استطاعوا أن يحولوا الواقع إلى جملة من العلاقات المبنية على الاختزال الذي أدى إلى فقدان الإتقان والحرفة، فاليوم مثلاً نجد كيف تحولت الصناعات إلى خطوط إنتاج تجعل من العمال يتقنون جزءاً صغيراً جداً من عملية التصنيع ولكنهم لا يمتلكون مهارة الحرفي الذي يستطيع العمل على المنتج ككل.

اقرأ أيضًا: رعاع الميديا: انتصار الإنسان الرويبضة

الأطروحات التي ينطلق منها دونو

اللعبة

يناقش دونو في هذا السياق فكرة أن كل شيء في الفضاء العام أصبح أشبه بلعبة، تتعلق بتحصيل أكبر قدر ممكن من المال أو أكبر قدر من الشهرة، وبذلك يبدأ الشأن العام بفقدان أهميته لدى الناس، إذ أنهم يعرفون الحقيقة لكنهم لا يتحدثون عنها، ويميلون للاهتمام بشؤونهم الفردية، ويتناسون عن قصد أنهم يعيشون ضمن هذه اللعبة التي لن يصلوا لنتيجة من خلالها أبداً.

مع هذه اللعبة يبدو المظهر أكثر أهمية من الجوهر، وتفقد علاقاتنا ماهيتها الحقيقية، وكأن ما قاله إيرك فروم حول فقدان الإنسان لكينونته في سبيل التملك يغدو حقيقة واقعة.

في سياق هذه اللعبة يغدو رأس المال هو الحاكم والفاعل الأساسي، وهو الذي يقرر مدى أهمية كل شخص، وكلما بالغ الأشخاص بالترف والمظاهر كلما كانوا أكثر تطوراً وحضارية، وربما يحضرنا هنا التفكير بأعياد الميلاد الخاصة بالطبقة المخملية والتي تكلف الملايين في مقابل أشخاص لا يستطيعون أن يسدوا رمق يومهم.

في نظام التفاهة تتحول الحضارة إلى صورة جوفاء من الترف والبذخ المبالغ به، ويتسارع التافهون إلى التسابق لتقديم عروض تثبت مدى قوتهم، وتغدو المعرفة والثقافة عبارة عن احتفاليات خالية من المعنى، فذاك شاعر يقيم أمسية شعرية في قصر فلان، وهناك معرض للرسوم في بيت فلان، ويفقد الفن معناه ويغدو تحت سيطرة الأثرياء الذين يتحسنون على الفنانين ويقدمون لهم فرصاً لجمع الفتات من المال.

الأسلوب القصصي (رجال الدين نموذج)

يميل الكثيرون في حياتنا إلى الأسلوب القصصي في سرد أفكارهم، ويتصدر رجال الدين قائمة المبدعين باستخدام الأسلوب القصصي ليقنعوا العامة بما يقولون، فينسجون قصصاً لا يمكن لها أن تتحقق، ولكنها تدغدغ وجدان المؤمن لينساق إلى إيمان غيبي غير مفهوم.

نظام التفاهة

اللغة الجوفاء: أداة التواصل في نظام التفاهة

باتت لغة الكتابة جوفاء، إذ يميل المؤلفون هذه الأيام إلى الكتابة المبهمة على اعتبار أنها أكثر أهمية، فتراهم يكتبون عبارات لا يمكن تفسيرها، ويصبحون كتاباً بدرجة ممتازة رغم أن ما يتحدثون عنه غير مفهوم.

اقرأ أيضًا: الوظيفة ليست عبـودية !

التعقيد المفتعل والتبسيط الساذج

في هذا العالم بات التعقيد في القول والفعل دليلاً على المستوى الثقافي والمعرفي للأشخاص، فكلما كتبت كلاماً معقداً كلما كنت عارفاً، ولا يتوقف الأمر عند هذا بل يميل البعض الآخر إلى التبسيط المبالغ فيه والمفرّغ من معناه كرد على التعقيد الأجوف.

في هذا العالم يغدو النقيضان الأساس الذي ينطلق منه الناس في إثبات وجودهم، فإن كنت شديد التعقيد فأنت شديد الذكاء، وإن قمت بالتبسيط المبالغ فيه، فأن تفكر خارج الصندوق.

هوس الشهادات العلمية ودوره في نظام التفاهة

أو ما يمكننا تسميته بتسليع المعرفة الذي قد يكون من أكثر المخاطر التي يعاني منها التحصيل العلمي، فقد ابتعدنا اليوم عن المعرفة، بوصفها العملية التي نكتشف بمقتضاها وعينا، وبهذا أصبح الأكثر أهمية لدى الأشخاص تحصيل الشهادات المفرغة من أي معنىً علمي حقيقي، وأصبح التباري بين الطلبة للحصول على أعلى علامة ممكنة، وغالباً ما يكون ذلك مبنياً على أساس العلاقات الشخصية مع المشرفين العمليين، أو من خلال الرشوة بطرائق مختلفة، سواء كانت رشوة معنوية أو مادية.

بالنتيجة، إن تحول التحصيل الأكاديمي إلى سلعة، هو أحد أهم معايير نظام التفاهة، وهو ما جعل بنية المؤسسات الأكاديمية تنهار تدريجياً، فالجامعات لم تعد كالسابق مكاناً لتحصيل المعرفة، وإنما تحولت إلى مكان يتاجر فيه العديد من الأشخاص ويكسبون المال بطرائق غير شرعية.

الإغراق في التخصص

في هذا العالم باتت التخصصات أمراً مهماً، وبدأت تزداد التخصصات يوماً بعد يوم، لدرجة لم يعد فيها الشخص يتقن عملاً كاملاً متكاملاً، وإنما بات الأشخاص يتعلمون جزءاً صغيراً جداً لا يكفي لوحده كي يجعل الشخص محترفاً قادراً.

لقد أدى الإغراق في التخصصات، إلى فقدان الإنسان الرغبة في تحصيل المعرفة الحقيقية، ورغم أن التخصصات ساهمت بجزء منها في تطوير حياتنا، إلا أنها تسببت من ناحية أخرى في فقدان قدرة الأفراد على تقديم عمل متكامل.

اقرأ أيضًا: الرأسمالية: بعد أن حولت الشيوعية إلى أضحوكة وأصبحت قيمة العمل في جني المال!

تفريغ السياسة من مفهوم الصالح العام

لم يعد الصالح العام هو الهم الأساسي للسياسيين والسياسة، بل تم تفريغ السياسة من هذا المفهوم، وباتت المصالح الشخصية للفئات المسيطرة تتصدر قائمة المصالح، وأصبحت السياسة تحت طائلة الدبلوماسية جملة من الخدع المدروسة كي يستطيع التافهون السيطرة على الحكم بقوة، وتسيير الناس كما يرغبون ويشاؤون.

تراجع الحرفة وظهور المهنة

مع زيادة التخصصات كما سبق وذكرنا، تنتهي الحرفة، وتبدأ المهنة التي تجعل الأشخاص يفقدون قدرتهم على إكمال العمل، إذ يغدو العمل عبارة عن أجزاء يتقن كل شخص جزءاً بسيطاً، وتتعلق بذلك الأعمال باكتمال دائرة الإنتاج، مما يخلق إشكالات ضخمة في العمل، فإذا حصل عطل ما في قطعة محددة لآلة في معمل، يبدأ البحث عن الشخص الذي يستطيع أن يصلح هذه الآلة تحديداً فهذا الجزء لا يعلمه إلا مجموعة محددة من الأشخاص.

تراجع الحرفة وظهور المهنة

هناك حوادث كثيرة تؤكد هذا الجزء، ففي كثير من المعامل تم إخراج الكثير من الآلات من خط الإنتاج لعدم وجود مختصين لإصلاح هذه الآلة تحديداً، وربما نجد من يقول إن إتقان الحرفة يأخذ وقتاً ويحتاج إلى جهد كبير ولذلك فإن التخصص هام، ولكننا هنا نستطيع الإجابة بأن الحرفة هامة لأنها تجعل من العمل متكاملاً وبروح واحدة، والإغراق بالتخصصات يفقد القدرة لدى الإنسان في حل أجزاء كبيرة من العمل، وتجعل منه مكبلاً في إطار محدد غير قادر على الخروج منه.

نهاية الأمر ونتيجة لسيطرة نظام التفاهة على كافة مرافق حياتنا تبدو البهرجة والابتذال والمبالغة في التفاصيل الأدوات الأساسية في تعزيز جذور هذا النظام، فمثلاً يدخل شخص ما إلى مقابلة عمل حاملاً سيرة ذاتية مليئة بالعناوين والدورات التأهيلية التي لم تجعل منه شخصاً محترفاً في شيء محدد وإنما تراه يرفق كماً من الشهادات الغريبة التي يعتمدها على دليل لمهارته المفترضة، فيحصل على عمل قد لا يستحقه.

في هذا النظام يختفي المعنى تماماً، وينتشر الفساد، ويضل كل شيء طريقه، وتصبح الشخصيات في المجتمع إما منسحبة من هذا العالم، أو تصدق كل ما يروى لها من أكاذيب، أو شخصيات تفهم اللعبة جيداً وتندمج معها وتبحث عن كل السبل لكسب تأييد السلطة الفاسدة، وهناك أيضاً من يجد نفسه مجبراً للانخراط في نظام التفاهة كي يعيش، ويبقى السؤال في هذه الحالة: ما الذي أستطيع أن أقوم به وأغيره حقيقة في هذا العالم؟

اقرأ أيضًا: كين روبنسون يتحدث: كيف تقتل المدارس الإبداع – تيد

0

شاركنا رأيك حول "لغة جوفاء، تعقيدٌ مفتعل وإغراقٌ في التخصص: نظام التفاهة الذي أغرقنا فيه القرن الواحد والعشرين"