معقول نحن العرب
0

عندما هبط أول رائد فضاءٍ على سطح القمر عبر درجات سلم السفينة الفضائية، قال جملته التاريخية: “إنها خطوةٌ صغيرة للإنسان، لكنها قفزةٌ ضخمة للبشرية”.. اليوم، وتزامنًا مع ذكرى مرور خمسين عامًا على قيام اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة، وفي أول رحلة عربية، نجح مسبار الأمل الإماراتي في الدخول إلى مدار المريخ بعد رحلةٍ قطع خلالها مسافة 494 مليون كيلومتر.

تكون بذلك دولة الإمارات واحدة من بين خمس دول فقط في التاريخ تصل إلى مدار الكوكب الأحمر (سبقتها ناسا والاتحاد السوفيتي ووكالة الفضاء الأوروبية والهند، وبعدها بيوم واحد ستحاول الصين اللحاق بالركب إلى المريخ)، وتصبح بذلك دولة الإمارات أول دولة عربية في المنطقة تحرز هذا الإنجاز العلمي التاريخي الهام والكبير.

أبناء الإمارات حولوا الحلم إلى واقع

يُعد مسبار الأمل الإماراتي رابع بعثة فضائية لدولة الإمارات، وأول مهمة بين كوكبية (البعثات الفضائية الثلاث السابقة كانت بهدف رصد الأرض). بمجرد أن تمكن المسبار من الوصول إلى الكوكب الأحمر بنجاح، سيبدأ في الدوران حوله لمدة سنة مريخية كاملة، أي حوالي 687 يومًا على الأرض.

هذا وقد كتب نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة وحاكم إمارة دبي سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم على تويتر: “تمت المهمة بنجاح” بينما احتفلت إدارة البعثة في دبي بتأكيد دخول المركبة الفضائية مسبار الأمل مدار المريخ.

كان سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم قد قال عبر مقطع مصور بثّه على حسابه الرسمي على موقع تويتر للتدوين المصغر، إن المريخ هو أبعد نقطة يصل إليها العرب في تاريخهم، وحتى وإن لم تنجح المهمة فقد دخلنا التاريخ.

كما نشر حساب تويتر الرسمي للمركبة الفضائية Perseverance التابعة لوكالة الفضاء الأمريكية ناسا تغريدة تهنئة ببيت للمتنبي: “إذا غامَرْتَ في شَرَفٍ مَرُومِ … فَلا تَقنَعْ بما دونَ النّجومِ”.

ما الذي يجعل المريخ مثيرًا للاهتمام؟

لعلك الآن عزيزي القارئ العربي تتساءل: ما الذي يثير فضول العلماء والباحثين تجاه المريخ أو الكوكب الأحمر تحديدًا؟ ولماذا تهتم دولة الإمارات بخوض غمار سباق الفضاء بالوصول إليه؟

في الحقيقة، هناك سباقٌ تنافسي متزايد بين وكالات الفضاء المختلفة في جميع أنحاء العالم للوصول إلى المريخ، حيث ترى المريخ كبديلٍ للعيش على الأرض لأنه أقرب جار صالح لأن يكون مؤهلًا للسكن والحياة بعد كوكبنا الأزرق؛ لذلك تم التخطيط لمزيد من البعثات إليه أكثر من أي كوكب آخر في النظام الشمسي، باستثناء القمر طبعًا.

يكفي القول إن مسبار الأمل الإماراتي هو أول مركبة فضائية من أصل ثلاث مركبات فضائية تزور كوكب المريخ هذا الشهر، مع وصول مركبة صينية في اليوم التالي من نجاح مسبار الأمل في مهمته، ومركبة ثالثة تابعة لوكالة ناسا الأمريكية في الأسبوع المقبل.

ولا يقتصر السباق على وكالات الفضاء الحكومية الرسمية للدول فحسب، بل إن الشركات التجارية الخاصة المهتمة بعلوم الفضاء مثل شركة SpaceX – سبيس إكس بمديرها التنفيذي المغامر Elon Musk – إيلون ماسك تقوم ببعثات فضائية طموحة إلى الكوكب الأحمر، بل وقامت في الشهر الماضي باطلاق أكبر عدد من الاقمار الاصطناعية دفعةً واحدة.

مسبار الأمل وعقدة الخواجة

لكن رغم عِظم الإنجاز المحقق مع وصول مسبار الأمل الإماراتي إلى كوكب المريخ، كان هناك من ينظر لهذا الإنجاز بعدسة ضيقة الزوايا، يرى من خلالها الحدث من منظور شخصي تهكمي ساذج تغلب عليه الخلافات السياسية والنغمة الطفولية، وليس من منظور تاريخي لإنجاز علمي مشرف للعرب يدعو للفخر.

للأسف هذه القفزة الكبيرة التي تحققت للعرب اليوم عبر مسبار الأمل قد يعتبرها الكثيرون صغيرة، من باب أن دولة الإمارات شاركت ماليًا فقط في الإنجاز بينما التقنية والمعدات كانت مستجلَبة من الخارج من عند “الخواجة”.

https://twitter.com/khalilmalaa/status/1359292423583711234

مسبار الأمل رأي

الحقيقة أن هذا المشروع مدعاة فخر وإلهام للعرب جميعًا من المحيط إلى الخليج لعدة أسباب نحاول حصرها فيما يلي من نقاط سريعة

الأول – إنجاز عربي لكل العرب، سيغير الصورة النمطية للعربي في الخارج

لحظة تاريخية هامة وإنجاز كبير غير عادي وغير مسبوق لقطاع الفضاء أشادت فيه جميع وكالات الأنباء العالمية ومجموعة كبيرة من العلماء والجامعات حول العالم. قالت قناة البي بي سي حرفيًا في نشرة أخبارها:

.The Arab world first major venture into space

إنه إنجاز لنا جميعًا يغيّر الصور النمطية لنا في الخارج كأهل حضارة وتقدم تاريخي وعلمي. فما تحقق عبر مسبار الأمل هو إنجاز عربي لكل العرب وليس إماراتيًا فحسب.

الثاني – إنه أول الغيث يا رفاق

الصبر يا رفاق، مسبار الأمل الإماراتي يعد أول الغيث، سوف يجلب خطوات أخرى متتالية للمجتمع العلمي العربي نحو تبني برامج غزو الفضاء، والاهتمام أكثر بالعلوم، حيث تأمل الإمارات العربية المتحدة في أن تسفر بعثتها عن اكتشافات رئيسية حول أنماط الطقس على الكوكب الأحمر وغيرها من الاكتشافات الهامة للبشرية جمعاء.

هذا كله سيجعل سينمي روح المنافسة في دول المنطقة لتحقق إنجازات علمية أخرى وسيزيد الاهتمام بالعلوم وتحقيق الإنجازات بطريقة أو بأخرى.

الثالث – تعاون دولي لإحداث تأثير ضخم

رفقًا عزيزي القارئ العربي الهمام، الإنجازات العلمية الضخمة في مجالات مثل الفضاء والطاقة والذرة لا تقوم بجهود منفردة، فمثلًا نجد أن برامج الفضاء البريطانية والأوروبية تلجأ هي أيضًا لوكالة الفضاء الأمريكية ناسا في مشروعاتها، فحتى لو فرضنا أن مشاركة الإمارات بحسب المشككين “اقتصرت فقط على التمويل والتنسيق والإدارة” فهذا بحد ذاته إنجاز وخطوة على الطريق الصحيح لم تجرؤ على القيام باه حتى الدول الأوروبية، اكتسب من خلالها علماء الإمارات خبرة كبيرة، هكذا إنجازات بهذا الحجم لا تأتي إلا من خلال مشاركة الجهود والتعاون بين الدول.

الرابع – نماذج مضيئة ملهمة لعقول أطفال العرب

وفقًا لما ذكرته مجلة Science الأمريكية، كان كوكب المريخ غير مرحبٍ بمحاولات زيارته، فمن بين 18 بعثة فضائية، نجحت 10 فقط، حيث فشلت حوالي نصف المهمات المرسلة للمريخ منذ توجه البشر لأول مرة إلى الكوكب الأحمر في الستينات.

فتخيل معي مدى تأثير نجاح مسبار الأمل الإماراتي في مهمته التاريخية على أطفال وشباب العرب الصغار في أفقر قرى سوريا ومصر والعراق وغيرها من دول المنطقة العربية، هؤلاء الأطفال سمعوا وشاهدوا الكثير عن الحروب والإرهاب وداعش وغيرها.

دعوا هؤلاء الأطفال يسمعون ويشاهدون هكذا إنجازات تخرج من منطقتنا العربية، وعزِّزوا من ثقة هذا الجيل بنفسه واجعلوه فخورًا، كم طفلًا شاهد البث الحي لبعثة مسبار الأمل الإماراتي وكله شوق لأن يصبح مهندسًا أو عالم فضاء في المستقبل؟ أليس هذا مكسبٌ للعرب جميعًا؟

لك أيضًا:

لهواة النجوم والمجرات البعيدة: 7 كتب شيقة تبسط لك علم الفلك

0

شاركنا رأيك حول "عقدة الخواجة وتبعيات مسبار الأمل: ما بين المبالغة والواقع"