العلم أمام جائحة كورونا
0

سؤالنا اليوم هو: كيف وقف العلم أمام جائحة كورونا؟ فلا شك بأن الجميع قد شهد تغيرات وأحداث لم يسبق لها مثيل في ظل جائحة كورونا. الكبير والصغير قد تعرض لخسائر سواء مادية أو معنوية. أُغلقت المدارس والجامعات، وأوقفت المعامل التجارب التي كان يعمل عليها الباحثون، وأصبح هناك حالة من الذعر انتابت العالم أجمع. ولم يُستَثن منها المجالات العلمية بشكل عام والطبية بشكل خاص، فقد طرأت على العديد من المجالات العلمية والباحثين تغيرات لم تسبق لها مثيل مُنذ أي وقت مضى. لكن مع كل تلك التغيرات كانت ثمار العلم موجودة.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، حتى أوائل ديسمبر الماضي تلقت مكتبة PubMed الشهيرة أكثر من 74,000 بحث علمي متعلق بـ  Covid-19 فقط، وهو أكثر من ضعف عدد الأبحاث المنشورة بها لأمراض وفيروسات أخرى كالحصبة والكوليرا وشلل الأطفال وغيرها من الأمراض التي أصابت البشرية على مدار قرون. بالإضافة إلى مجلة The New England journal of medicine والتي استقبلت حوالي 30,000 بحث، بزيادة تقدر بنحو 16,000 بحث في 2019 فقط.

اقرأ أيضًا: السباق نحو لقاح فيروس كورونا: هل المكاسب أهم من البشر؟

النشر العلمي قبل وبعد كورونا

كل تلك الأرقام رائعة ولكن كيف تم ذلك: هل كل تلك الأعمال كانت يمكن أن تظهر للنور بتلك السرعة دون الجائحة؟

الإجابة: بكل تأكيد لا، فعملية مراجعة البحث العلمي والمقالات العملية التي يتم نشرها في الظروف الطبيعية، تستغرق عدة شهور بداية من مراسلة المجلة حتى النشر، إذ أن عملية الحصول على أول رد من المجلة فقط تستغرق في المتوسط حوالي 13 أسبوعًا ويمكن أن تزيد أو تقل المُدة حسب التخصص.

وبعد الحصول على الرد الأول من المجلة التي عادة ما تطلب إدخال بعض التعديلات حتى يتم قبول البحث، ومن ثم إعادة إرساله مرة ثانية؛ فإن تم قبول البحث (أي تصبح المجلة مسؤولة عنه تمامًا ولها حق رفض البحث أو نشره) يدخل في عملية مراجعة علمية وتدقيق للبحث بالكامل من قبل المُتخصصين من مختلف جامعات العالم، تلك العملية تكاد تستغرق من 12:14 أسبوعًا للتخصصات الطبية ولكنها متغيرة حسب باقي التخصصات الأخرى.

حسنًا فقط تخيل بأن هناك باحث قد بدأ العمل على بحث يخص الفيروس في بداية يناير وسنفترض بأن البحث قد تمت الموافقة عليه سريعًا دون أي تعديلات (وهذا نادرًا ما يحدث في المجلات العلمية)، فإنه سوف يستغرق على الأقل 7 أشهر لكي يتم نشر بحثه للنور ويتصفحه باقي العلماء!

ولكن الآن تلك العملية أصبحت تحدث في فترةٍ قياسية وتم تسريعها بشكلٍ كبير، فقد تم تحرير ومراجعة ونشر بحث يخص البروتين الخاص في الفيروس بأنسجة الإنسان في غضون تسعة أيام فقط! ذلك البروتين الذي يلعب دورًا أساسيًا في عملية تطوير اللقاح، كان لا بد من نشر ذلك البحث في أسرع وقت ممكن، وقد كان.

تأثير كورونا على العلم - كيف واجهة العلم كورونا
تغيرات العلم في ظل جائحة كورونا: كيف وقف العلم أمام جائحة كورونا في الأشهر الماضية؟

تعاون ملحوظ في ظل جائحة كورونا 

بعض النقاط المضيئة الأخرى تكمن في تعاون المؤسسات الدولية، فقد ازداد التعاون الدولي وبدأ العديد من الباحثين في تبادل المعلومات والبيانات بشكلٍ أكثر انفتاحًا، فحتى نوفمبر الماضي نُشر حوالي 115,000 بحث مُتعلق بذلك الوباء وأكثر من 80% من تلك الأبحاث المنشورة مجانية القراءة.

لنأخذ دولة الصين كمثال، ففي الثلاثة أشهر الأولى فقط نشرت أكثر من 1,600 بحث حول الفيروس، مُتخطيه عدد الأبحاث الكاملة التي تم نشرها حول الفيروس في الصين في الـ 24 شهرًا الماضية.

وذلك يعد إنجازًا كبيرًا للصين، حيث أنه لم تكن تتوافر معلومات لدى العلماء تكفي لمواجهة الفيروس، فكانت تلك الأبحاث تُمثل مرحلة هامة للمراحل التي من باقي الدول. على جانب آخر من التعاونيات الدولية، مشاركة أكثر من 115 باحثًا دوليًّا على عمل منصة على شبكة الإنترنت لمشاركة جميع الأعمال التي تلخّص طرق تطهير أجهزة التنفس التي يضعها المرضى المُصابين، ويتم استخدامها بشكل دوري في المُستشفيات، حتى يتم إعادة استخدامها مرة أخرى بشكل آمن، وأصبح يدخل على المنصة أكثر من 200,000 زيارة من جميع هيئات الرعاية الصحية والمستشفيات حول العالم كل يوم.

ولأزيدك من الشعر بيتًا، عالم الفيروسات إدورد هولمز- Edward Holmes والذي كان من أوائل من تنبأ بكارثة تنتظر العالم، حصل على تسلسل الحمض النووي للفيروس ونشره على موقع virological.org في يوم 11 يناير مع أول إعلان للصين لتسجيل أول حالة وفاة بالفيروس. تلك الخطوة التي كانت نقطة البداية الأساسية لكثير من العلماء للبدء في العمل على اللقاح.

اقرأ أيضًا:  رأسمالية السياسة والفوضى والضياع: عن الاقتصاد المقترن بفيروس كورونا..!

خطوات سريعة لإنتاج اللقاح

في مسألة عملية إنتاج اللقاح، وهو متوفر الآن، أعتقد بأنها أهم إنجاز حققته البشرية في مجال تطوير العقاقير في القرن الحالي وسيظل هذا الإنجاز مُخلدًا في ذكرى المطورين والباحثين في ذلك المجال. ولكن دعني أقدم لك عملية إنتاج اللقاح التقليدية. سنفترض بأنه تم إيجاد لقاح ما، وقد مر بمرحلة التجربة على الحيوانات، سنتجاوز تلك الفترة التي قد تحتاج لسنوات.

ثم يبدأ اللقاح في مرحلة التجارب على البشر. وتنقسم إلى ثلاثة مراحل الأولى على عشرات من البشر للتحقق من الاستجابة المناعية لدى البشر وتأخذ عادة مدةً تبدأ من عامين. بعد إثبات نجاح المرحلة الأولى، تأتي المرحلة الثانية على عدد أكبر من المتطوعين وعادة ما تأخذ بين 2 إلى 3 سنوات، ثم ننتقل للمرحلة الأخيرة التي تتم تجربة اللقاح فيها على آلاف من البشر وتأخذ من 5 إلى 10 سنوات. كل هذه السنوات لإنتاج اللقاح ولكن مع التمويلات الضخمة التي تقدر بالمليارات تم تسريع تلك العملية بشكلٍ مُذهل.

فقد خصصت الولايات المتحدة 1.1 مليار دولار فقط للبحث وتطوير اللقاح، وغيرها من المُنظمات والمؤسسات في الولايات المتحدة مما أدى لدفعة قوية لتسريع عملية إنتاج اللقاح، فضلًا عن خبرتنا السابقة مع الفيروسات الأخرى من نفس عائلة كورونا والتي أصابت البشر مؤخرًا كفيروس سارس وميرس.

ملحوظة: اللقاح الروسي الذي أعلن عنه الرئيس بوتين لم يتجاوز المرحلة الثالثة فقد تم اختباره على 76 متطوعًا فقط. وهذا عدد غير كافٍ بالمرة لتمرير اللقاح بالسوق، إذ يجب أن يتجاوز المرحلة الثالثة التي يجب أن تتم على 40,000 متطوع.

كيف واجهة العلماء جائحة كورونا
تغيرات العلم في ظل جائحة كورونا: كيف وقف العلم أمام جائحة كورونا في الأشهر الماضية؟

مع أول أسبوع من فبراير بدأت العديد من المُنظمات والعلماء اتخاذ خطوة نحو تطوير العقار، ففي أول الخطوات التي تم اتخاذها -حتى قبل معرفة إن كان هذا الفيروس سينتشر أم لا- قامت CEPI منظمة التحالف الوبائي، بإطلاق أربع مجموعات لتطوير اللقاح: شركة Moderna وشركة CureVac الألمانية تعملان على تطوير لقاح من خلال دراسة الحمض النووي للفيروس RNA وشركة Inovio الأمريكية بدأت في العمل على تطوير اللقاح من خلال تجاربها على DNA، والرابعة في جامعة كوينزلاند بأستراليا تعمل على تطوير لقاح من خلال تقنية الـ (Molecular Clamp).

وبحلول شهر نوفمبر أعلنت منظمة الصحة العالمية عن وجود 200 لقاح قيد التطوير، حوالي 50 منها في مراحل مختلفة من التجارب السريرية.

كل هذه التعاونيات والأموال التي دفعت بها المؤسسات والدول أدت اليوم إلى توفير لقاح شركتي Pfizer و Moderna بفاعلية تصل إلى 95% وغيرها من اللقاحات التي يمكنكم الاطلاع عليها من الرابط التالي:

 أهم لقاحات كوفيد-19: تعرف على أبرز النقاط التي تميز هذه اللقاحات والفروقات بينها (إنفوغراف)

مشكلة أم هو مسار طبيعي للعلم؟

ولكن مع كل تلك الإنجازات والتغيرات وتسريع عمليات النشر التي حدثت في أقل من عامٍ واحد، فهل يوجد مخاطر من ذلك التقدم والانجراف الشديد نحو الأبحاث المتعلقة بكوفيد-19؟

في الواقع الأمور تبدو مُثمرة حتى الآن على الرغم من عدم انتهاء الجائحة بعد. ولكن بعض الآراء تجد مخاطر في ذلك التحول والانجراف الواسع الذي لن يدوم نحو حل مشكلة بمجرد الإعلان عن حلها. فمثلًا بعد أن تم إعلان منظمة الصحة العالمية القضاء على فيروس الإيبولا في أفريقيا سنة 2016 بعد تطوير بعض المواد العلاجية الفعالة ضد المرض، ظهر المرض مرة أخرى في جمهورية الكونغو الديموقراطية عام 2018، ولكن ما النتيجة؟ انتهت تلك المنتجات وتوقفت الشركات عن تصنيعها بمجرد إعلان المنظمة عام 2016.

ولكن هل تلك الأرقام مُبشرة حقًا بسرعة انتهاء الفيروس؟ في الواقع الإجابة البديهية: بكل تأكيد. ولكن تلك الأرقام جاءت على حسابات أخرى. على سبيل المثال، عدد الباحثين في مرض السّلّ –وهو مرض قاتل- قد قل بشكلٍ كبير، وهو تخصص لا يضم كثيرًا من الباحثين في الأساس رغم أهميته، ومع تلك الجائحة قلّت عجلة إنتاج الأبحاث بخصوص ذلك المرض، وليس السّلّ فقط بل يمكنك قياس ذلك الانجراف الذي حدث والعديد من الأبحاث التي نُشرت على حساب تخصصات أخرى بأكملها ذات أهمية لا تقل عن كوفيد-19.

كيف تأثر العلم بجائحة كورونا
تغيرات العلم في ظل جائحة كورونا: كيف وقف العلم أمام جائحة كورونا في الأيام الماضية؟

تأثيرات مختلفة على العلماء والباحثين

في الواقع لا يمكن حصر جميع المُتغيرات التي مر بها العلماء، بالتأكيد كان هناك مُتغيرات متفاوتة، بعضهم قرر أن يبدأ في الشروع والاتجاه نحو العمل على فيروس كورونا من ضمنهم جينيفر داودنا الحاصلة على جائزة نوبل في الكمياء 2020 بسبب تقنية كريسبر الشهيرة. والبعض الآخر ازدادت عدد ساعات عملهم في مجال البحث (المُتخصصين الأصليين لعائلة كورونا) والبعض الآخر قد قلت لديهم عدد ساعات العمل أيضًا في التخصصات البعيدة تمامًا عن المجال العلمي. وفي تقرير منشور لدى مجلة نيتشر، قامت بعمل استطلاع رأي في شهر أبريل الماضي على عدد من العلماء والباحثين في أوروبا وأمريكا ووجدوا بأن هناك تفاوت بين نسب ساعات العمل.

اقرأ أيضًا: تقنية كريسبر على مائدة نوبل 2020..ماذا لو استطعنا القضاء على كافة الأمراض الوراثية؟

في النهاية وبرأيي الشخصي، يشعر الشخص البسيط العادي بأهمية العلم في تلك الظروف ولعله يتجه نحو العلم ليقرأ ويفهم أكثر عن ذلك الفيروس. في الواقع، يستطيع كل منا الشعور بمدى تأثيره أكثر من أي وقتٍ مضى. لذلك أعتقد بأنها خطوة جيدة لإعطاء دفعة الثقة مرة أخرى لهؤلاء الذين لا يشعرون بأهمية المنهجية العلمية أو المُحبطين من ثورة الإنترنت والثورة العلمية التي نشاهدها، وإعادة هيكلة عقول قد تشبعت بأحاديث الطب البديل والأساطير وكل تلك الأشياء المتوارثة التي تمر علينا جميعًا.

0

شاركنا رأيك حول "العلم أمام جائحة كورونا: ما هي التغيرات التي طرأت على العلم في ظل الجائحة؟"