كتاب الرجل الذي حسب زوجته قبعة - أوليفر ساكس
1

لماذا قد يخال شخصٌ ما بأنّ زوجته قبعة؟ أليس العنوانُ في حدّ ذاته استراتيجيّةً سلسةً لجذب القراء؟ هذا ما تبادر إلى ذهني  للوهلة الأولى عندما قرأت عنوان كتاب الرجل الذي حسب زوجته قبعة – The Man Who Mistook His Wife for a Hat لمؤلفه الكاتب وطبيب الأعصاب أوليفر ساكس – Oliver Sacks لأول مرة وذكرني بكتب التنمية البشرية التي دائمًا ما تتصدرها عناوين منمقة تبحث عن الجبن، وتبيع سيارة الفيراري للراهب مما دفعني إلى تصفحه في محاولة لمعرفة السّبب الحقيقي لهذا الطرح الغريب، فظفرتُ بالسبب وظفرتم بالمقال.

الحقيقةُ أنّ السرّ وراء العنوان كان أقسى ممّا توقعت، لدرجةٍ لعنت فيها تحذلقًا في غير محلّه وأنا أكتشف بأنّ العنوان لم يكن مظلّلًا وبأنّ الرجل الذي حسب زوجته قبعةً كان مريضًا وحسبها فعلًا قبعة! رحلةٌ أخرى مع كتابٍ جديد، يأخذنا فيها الكاتب وطبيب الأعصاب أوليفر ساكس – Oliver Sacks بنهجه المعتاد نحو الدهاليز الأعمق في النفس البشرية ويفتح أمامنا نوافذَ كثيرة حول عالم نسمع به ولا ندرك خباياه.

اقرأ أيضًا:

العادات كلمة السر وراء أي إنجاز: اخترنا لك كتبًا لتحسين عاداتك وبنائها بشكل أفضل

أوليفر ساكس: أكثر من مجرد طبيب!

طبيب الأعصاب والمؤلف والباحث البريطاني أوليفر ساكس
طبيب الأعصاب والمؤلف والباحث البريطاني أوليفر ساكس

أوليفر ساكس – Oliver Sacks هو كاتب وباحث وطبيب أعصابٍ بريطانيّ متخصّص في علمِ الأعصابِ وعلمِ الأمراضِ العصبيّة، ولد سنة 1933 في لندن وغادرنا سنة 2015. قضى معظم حياته المهنية في الولايات المتحدة الأمريكيّة، وعرف عنه اهتمامه بالدراسة المعمّقة للعقل البشريّ وباشر أول بحث علميّ له وهو لا يزال طالبًا في كلية الملكة بجامعة أكسفورد كما حصل على العديد من الجوائز أبرزها: رُتبةُ القائد في الرتب البريطانية عرفانًا له على جهوده وأبحاثه.

وعلى غرار موضوع مقالنا: الرجل الذي حسب زوجته قبعة، فقد ألّف الطبيب أوليفر ساكس مجموعةً من الكتب الأكثر مبيعًا والتي تناولت في معظمها الحالات المرضية التي واجهته في مسيرته المهنيّة، والبعد الإنساني لها، واحتوت على تفاصيل غنيةٍ ومبهرةٍ عن فعل المقاومة الذي يبديه بعضُ مرضاه ممّا يساعدهم على التجاوز والصمود، وعن أثر الاستسلام الذي يضطرّ إليه آخرون، فكان له سابق الفضل في القضاء على هوة واسعة كانت تفصلنا عن فئة محدّدة من البشر نحسبهم لا يمتّون لنا بصلة، ومن أشهر هذه الكتب:

  • أريد ساقًا أقف عليها – A leg to stand on: يروي فيها الكاتب تجربةً شخصيةً حدثت له بعد إصابته على مستوى السّاق في جبل في النرويج، والكمّ الهائل من المشاعر والانفعَالات التي راودته.
  •  رؤية الأصوات رحلة إلى عالم الصمّ – Seeing Voicesيبحر فيها الطبيب في عالم مرض الصمم، وأعراضه والأسباب المؤدية إليه، وهو ورقة بحثية أكثر من كونه كتابًا سرديًّا، وصفته مجلة Library journal عند صدوره بالثاقب والمؤثر بشكلٍ غير عاديّ.
  • عين العقل – The mind’s eye: كتاب يسرد فيه مؤلفه يوميات إصابته بفقدان بصر العين اليمنى ويتطرّق إلى الجانب الطبيّ لذلك، كما يطرح أسئلة تكون من العمق بأنّها لا تحمل إجابة واضحة.
  • على الطّريق – On the moveنشر الكتاب سنة 2015 قبل أشهر قليلة من موته، كتاب سيرة ذاتية يطلعنا عن كثب على شخصية الطبيب الخجول، المنغلق على نفسه، ويمنحنا خلاصة سنوات كثيرة من التجارب.
  • عمى الألوان – The island of the colorblindهنا وصف فريد لعالم المصابين بحالة عمى الألوان، وكيف بناهم المرض من جديد عوض تدميرهم، ورحلة في عالم الأعصاب والأسباب الحقيقيّة وراء هذا الدّاء.
مجموعة من مؤلفات الطبيب أوليفر ساكس باللغة الانجليزية الرجل الذي حسب زوجته قبعة ليس المؤلف الوحيد
مجموعة من مؤلفات الطبيب أوليفر ساكس باللغة الانجليزية: الرجل الذي حسب زوجته قبعة ليس المؤلف الوحيد

إنّ الطابع الذي يميّز مؤلفاته والجامع بين ما هو علميّ وما هو إنسانيّ شخصيّ هو الذي أكسبه لقب: “شاعر الطبّ المعاصر” من طرف مجلة النيويورك تايمز، وساهم في تحويل بعضٍ من الحالات الواردة في كتبه  إلى مواضيع مسلسلات وأفلام مثل كتاب “اليقظة” الذي يتناول حالة المرضى بالتهاب الدّماغ النومي وجهوده المبذولة من أجل مساعدتهم وقد اقتبسَ منه فيلم سنيمائيّ أنتج سنة 1990 من إخراج بيني مارشال – Penny Marshall وبطولة المتألق روبن ويليامز – Robin Williams وحاز على العديدِ من الجوائز الأكاديمية كما ترشح للأوسكار؛ عزّز ذلك المزج الوارد في مؤلفاته بين الحقيقة العلمية الجامدة، والحقيقيّة الدرامية الإنسانية في تجسيد الحالة المرضيّة على هيئة كائن ممتلئ الحسّ مفعمٍ بالمشاعر، وهو ما لا يخفى على أحدٍ منّا وهو المفترض اعتباره. الكاتب نفسُه يؤكّد على ذلك ويقول:

ولعلّي باحثٌ نظريّ بقدر ما أنا كاتبٌ مسرحيّ، حيثُ أنجذب إلى الجانب العلميّ والدراماتيكيّ على حدٍّ سواء.

من مقدمة كتاب: الرجل الذي حسب زوجته قبعة.

بوستر فيلم اليقظة المقتبس من كتاب يحمل العنوان ذاته. (إنتاج سنة 1990)
بوستر فيلم اليقظة المقتبس من كتاب يحمل العنوان ذاته. (إنتاج سنة 1990)

وقد شكّلت كتبه محور التقاء نحو نقطة واحدة: الطبيب الكاتب يعتبر نفسه قاصًّا وراويًا وناقلًا للرسائل الإنسانية أكثر من مشخص حالاتٍ عصبية مرضية. لقد كانت هذه المقدمة عن حياة الكاتب وشخصيته ومؤلفاته ضروريّةً جدًّا قبل أن نتعمّق أكثر في موضوع مقالنا، وهي الأساس الذي يبنى عليه فهمنا لنهج الطبيب المعتمد في كتاب: الرجل الذي حسب زوجته قبعة، وفي غيرها من الكتب؛ إذ تتبلور كما جاء حرفيًّا على لسانه:

من أَجلِ إعادةِ الفاعل البشريّ إلى المركز، لا بدّ لنا من تَوسيع سجّل الحالة إلى قصّة أو حكاية وحِينها فقط سيكون لنا شخصٌ حقيقيّ مريض.

الرّجل الذي حسب زوجته قبعة: بين المرض العصبيّ والجانب القصصيّ

نُشر هذا الكتاب سنة 1984 واعتبر سابقةً نوعيةً عند القرّاء، وحاز على إثره الطبيب على شهرة واسعة؛ فالكتب التي يتمّ فيها الدمج بين المرض العصبيّ والجانب القصصيّ نادرة جدًّا في ذلك الوقت، وقد جمع الكاتب أغرب القصص التي حدثت مع مرضاه مع تقسيمها على أربعة فصول: الفقد، الفرط، الحالات النقلية وعالم السذّج؛ كل عنوان قسمٍ هو في حدّ ذاته مصطلح علميّ كثير الورود في مجال علم الأعصاب وعلم النفس، وكل قصة من القصص التي أوردها الطبيب تندرج ضمن تلك الحالة العلمية، كما أنّه شرح الحالات المرضية بأسلوب علميّ في جزء خاصٍّ سمّاه: “تعقيب” مما جعل الكتاب مناسبًا لشريحة واسعة من القرّاء تضمّ المتخصصين وغيرهم.

غلاف كتاب: الرجل الذي حسب زوجته قبعة بطبعته العربية. (الدار العربية للنشر ناشرون)
غلاف كتاب: الرجل الذي حسب زوجته قبعة بطبعته العربية. (الدار العربية للنشر ناشرون)

يظنّ البعض بأنّ الحرية هي أسمى المطالب، ويرجّح البعض الآخر المال والسعادة وقائمة طويلة من الأمنيات بَدلها، لكن ماذا عن الصحة؟ يقول الفيلسوف والرئيس البوسنيّ السابق علي عزّت بيغوفيتش في كتابه “هروبي إلى الحرية”:

عندما تكون في السّجن تكون لك أمنية واحدة: الحرية. وعندما تمرض في السّجن لا تفكّر في الحرية وإنّما في الصحة. الصحة إذًا تسبق الحرية. 

يأتي الكتاب فيرينا الصحة كمطلب ضروريّ رئيسيّ، ويجعلنا بفضل القصص التي ينقلها نستشعر أثر فقدانها وعظم ما نملك. لن يكون هذا المقال ظلًّا للكتاب، بقدر ما سينقل لكم الصورة العامة له عبر بعض النماذج لا أكثر.

المهمة تكمن أساسًا في ضرورة قراءة الكتاب كاملًا من غير أحكام مسبقة أو مأساة حرق، والغوص مع تفاصيل المؤلف ومرضاه في النقطة العميقة من تعقيدات النفس البشريّة، ومفاجآت العقل الإنسانيّ ثمّ العيش مع كلّ شخصية من شخصيات المؤلف، في كلّ اللحظات: لحظات الخيبة والألم والأمل والهدم والبناء والقوة والعجز… والفقد.

الرجل الذي حسب زوجته قبعة: قصة إنسانية وحالة مرضية وأوبرا!

الرجل الذي حسب زوجته قبعة - أوليفر ساكس

  • الحالة الإنسانية: الدكتور “بي”، رفيقنا الذي يرى العالم كسمفونيّة تخترق جميع الزوايا والأركان.
  • الحالة المرضية: عمه بصريّ حادّ يُفقد القدرة على تمييز الأشياء.

أعلم أنّ الأمر لا يبدو معقولًا، أن يحسب شخص ما أنّ زوجته قبعة، لكن أعلم كذلك بأنّ هذا الظن لم يأتِ جُزافًا بل نتج عن اضطراب صحيّ عقليّ. رفيقنا الأول في هذه الرّحلة هو الدكتور “بي” كما أسماه الكاتب، والذي فقد القدرة على تمييز العالم كصور صامتة غير متحركة واحتفظ بها كسمفونية حركية أو موسيقيّة، لتصبح حياته دورة مغلقة ما بين فقدان تركيز ثمّ تيه عميق وفجأة عودة إلى الواقع إثر حركة.

بدأ الأمر عندما لم يستطع أن يميّز طلبته الجالسين لكنّه كان يميّزهم بالمقابل إذا تحركوا ويهتف صارخًا: “ذاك كَارل، أنا أعرِف حَركاته وموسيقى جَسده”.

كان الرّجل لا يتعرّف على الأشياء إلّا بمحاولة استعمَالها، وهو ما اتضح جليًّا في مثال الوردة الذي رواه الكاتب وكيف أنّه لم يتذكر اسمها إلا بعد أن قام بشمّها، وكيف فقد علاقته بما حوله في لحظة من اللحظات ولم يعد إلى الواقع إلّا بعد شمّه لرائحة القهوة.

يشرح لنا الطبيب بأنّ الدكتور “بي” كان يعاني من صعوبات في حقله البصريّ الأيسر، لذلك فعندما أراد أن يرتدي قبعته بعد انتهاء الفحص وضع يده على رأس زوجته التي كانت على الجانب الأيمن ظنًّا منه أنّها قبعة!

تسمّى هذه الحالة بالعمه البصريّ وقد اعتبرها الطبيب العصبيّ إحدى أكثر الحالات التي واجهها ندرةً، وهي تأتي عمومًا إثر إصابة رأسيّة حادّة أو نتيجةً لوجود ورم  أو انحلال لخلايا الدّماغ البصريّة.

لحسن الحظّ فقد كانت نهاية قصّتنا مشرقة: الرّجل الذي كان يعشق الموسيقى استمرّ في تدريسها حتى النفس الأخير من حياته، وألّفت أوبرا تحمل نفس عنوان قصّته لتخلّد لنا ذكر الرجل الذي حسب زوجته قبعة.

البحّار الضائع: أن تكون سجين اللّحظة

  • الحالة الإنسانية: البحّار جيمي، صاحب الذّاكرة السّجينة.
  • الحالة المرضية: متلازمة كورساكوف.

هل يستلزم فقدان الذاكرة فقدان الذّات بالضرورة؟ وما الذي يحدث للأمّة التي تفقد تاريخها؟ حسنًا، على الأقلّ سيكون من بين هذه الأمة من يحفظ ذاكرتها، فما الذي يحدث للفرد الذي يفقد تاريخه؟ على الأقلّ سيتمكن من عيش حاضره ومستقبله، فماذا عن الفرد الذي يعيش في تاريخ واحدٍ ولا يحيد عنه ولا يتجاوزه؟ الإجابة هنا -مع الأسف- معلقة.

تساؤلات كثيرة تراودني وأنا أقرأ قصة جيمي البحار الضائع الذي كان سجينًا لتاريخه، وكان يظنّ بأنه يعيش في عام 1945 وبأنّ شبح الحرب انتهى وانتصر الحلفاء وخسر الأعداء وبأنّه شاب في التاسع عشر من عمره رغم أنّه كان يشارف السبعين حينها.

يحدّثنا الدكتور أوليفر ساكس عن ملاحظات كثيرة وجدها في سجلاته وهو ينتقل من مركز لآخر، لا تفاصيل واضحة سوى كلمات مقتضبة مثل: خرف، فقدان ذاكرة حادّ، ضياع، ارتباك… ونقاط ثلاثة.

كان جيمي حيويًّا، ذكيًّا، سريع البديهة، لكنّه كان يعاني من مشكلة فقدان الذاكرة الحديثة وقصرها الشديد، فهو سريع النسيان لما قيل له أو طلب منه، غير أنّه يتذكر تلك المحطّة من ماضيه والراجعة لنهاية الحرب العالمية الثانية بوضوح شديد وتفصيل مثير للدهشة: لباسه وشرابه وعمله وأصدقاؤه ومختلف الأحاديث والأحداث التي جرت معه.

تُعرف هذه الحالة بمتلازمة كورساكوف والناتجة عن تدمير الخَلايا العصبية بسبب الكحول في الأجسام الأسحمية الصغيرة من الدماغ، وقد تؤدّي في بعض الأحيان إلى الموت بسبب انتشار بعض الأورام الخطيرة، لكنّها لم تكن كذلك في حالة جيمي.

نتلمّس في هذا الفصل من كتاب: الرجل الذي حسب زوجته قبعة محاولات الدكتور أوليفر ساكس لإنقاذه عبر مختلف الوسائل والطرق، واتصاله بجهات كثيرة على أمل أن يسترجع جيمي ذاكرته. لكن، لم يدرك الطبيب العصبيّ ما تمنّاه، وضاعت حياة جيمي في حالةٍ من عدم اليَقين، وأذابَها النسيان.

رغم كلّ ذلك، لم يفقد جيمي جانبه الرّوحي وكان على قدرٍ هائل من الاتصال به، وكان يصلّي في الكنيسة بخشوع وكمٍّ هائل من الثبات، ولعلّ ذلك ما يبقي عنده وعندنا شيئًا من ومضات نور خافتة.

يجب أن تبدَأ في فقدان ذاكرتك ولو بشَكلٍ تدريجيٍّ بطيء لتدرك أنّ الذاكرة هي التي تُؤلف حياتنا. إنّ الحياةَ دون ذاكرةٍ ليست حياةً على الإطلاق. – لويس بونويل

السيّدة المفصولة عن الجسد: أين جسدي؟

The Man Who Mistook His Wife for a Hat

  • الحالة الإنسانية: السيّدة كريستينا، رفيقتنا التي تخلّى عنها جسدها.
  • الحالة المرضية: التهاب الأعصابِ المتعدّدة الحسّي.

هل هناك حالات أو ظروف تستوجب شكّ الإنسان في وجود جسده؟ من هنا تبدأ الحالة المرضية الثالثة، أقصد “الإنسانية”. دعونا نتخلى عن الفوقية التي تحكمنا في التعامل مع مواقف كهذه لأول مرة، وعن حقّ لا نملكه في الحكم على معاناة الآخرين سوى أننا نتمتع بشيء لا ندري متى سنفقده. كان كلّ شيء على ما يرام مع السيّدة “كريستينا” الأمّ الجميلة الحيوية صاحبة السبع وعشرين ربيعًا، حتى تقرّر إجراء عملية لها من أجل إزالة الحويصلة الصفراوية، قبل العملية بساعات شعرت أنّها لا تحسّ بقدميها، وأبدت اضطرابًا واضحًا في الإمساك بالأشياء، ظن الأطباء في البداية أنّها مجرد هستيريا سابقة للعملية تعكس خوفها منها إلى أن تبيّن عكس ذلك.

لقد أصيبت بما يعرف بالتهاب أعصاب حادّ أثّر في الجُذور الحسيّة للأعصَاب الشوكيّة والجمجميّة، في كَامل أنحاء الجملة المركزيّة العصبية ممّا أفقدها القدرة على الإحساس بجسدها، لأنّ مسألة الإحساس تتوفّر بأمور ثلاثة: الرؤية، أعضاء التوازن إضافةً إلى الاستنباه الذاتي، فيأتي المرض نتيجةَ فقدان القدرة على هذا الاستنباه، ويضطرّ المريض إلى تعويضه بحاسّات أخرى كالشمّ مثلًا أو البصر.

إنّ أقسى اللحظات على المرء أن يضطرّ إلى رؤية أثر الخيبة في عينيّ شخصٍ ما، وهذا ما حدث مع الدّكتور ساكس. كيف يواجه السيّدة كريستينا باستحالة عودتها إلى حالتها الطبيعية؟ وكيف يتحمّل ردة فعلها المشوبة باليأس والخذلان؟ نجحت رفيقتنا كريستينا في تطوير طرق أخرى للتكيّف مع جسدها، عن طريق استعمال الحواس والحيل، وكان كلّ ذلك يستلزم انتباهًا وتركيزًا كبيرين، وإلّا ستفقد توازنها.

لكن، ما يؤلم حقًّا هو النظرة المجتمعية لها، نظرًا لمرضها النادر، فأيّ فقدان للتوازن يحدث لها في الأماكن العامة سيكون محسوبًا ضدّها وسينظر إليها الناس كأنّها خرقاء تقوم بتصرفات بهلوانية. وما يؤلم كذلك هو فقدان الإحساس بالجسد وإدراك الهويّة والوجود.

تنهار أحيانًا.. ليسَ علنًا بل معي فقط، وتبكي: “لو كان بإمكاني أن أشعر فقط، ولكنّي نسيتُ كيف يكون الشعور.. لقد كُنت طبيعيّةً أليس كذلك؟ ألم أكن أتصرّف مثل أيّ شخصٍ آخر؟” – من كتاب: الرجل الذي حسب زوجته قبعة

نعم أيّها الأب-الأخت: السيّدة ب التي لا يعني شيء لها شيئًا

  • الحالة الإنسانيّة: الباحثة الكيميائية الفاقدة للمعنى
  • الحالة المرضية: مرض المزاح – Witzelsucht

بعد تغيّرٍ واضحٍ في شخصية السيّدة ب وتحوّلها إلى شخص مندفع كثير الكلام، الضحك والصخب والنكات، تقرّر عرضها على الدكتور ساكس الذي اكتشف إصابتها بمرض المزاح كما أسماه الألمان والناتج عن وجود ورم سرطانيّ ضَخم في منطقة الأوجه الجبهية للفصّين الجبهييّن.

هذا المرض يفقد المرء على إدراك الفرق بين الأشياء، والنظر لها بصفة جزئية، وجعله ينظر للعالم بصفةٍ عامة كلية، لذلك فهي تنظر مثلًا إلى كلّ أحدٍ على أنّه إنسان وفقط! لا يهمّها وظيفة ذلك الإنسان ولا مسمّاه ولا دوره، وهو ما جعلها تارةً تطلق على الطبيب اسم الأب، وتارةً الأخت وأحيانًا الطبيب. وعندما سألها ما إذا كان يهمها الفرق بين كلّ هذا أجابت بلا مبالاة طاغية: “ألا تفهم؟ كلّ ذلك لَا يعني لي شيئًا، لا شيءَ بالنسبة لي”..

قد تبدو قصة هذه السيّدة غير مهمّة بشكل يجعلنا نخصّص لها جزءًا من المقال، لكن أيّ شيء سيكون أصعب على المرء من أن يفقد القدرة على التمييز بين الأمور؟ وأن يضيع المعنى عنده ويتبخر، فيصبح كلّ شيء مساويًا لآخر، وتصبح اليد كالإنسان والرّأس والعدو والصديق، ويصبح اليسار كاليمين، والحرب كالسّلام، والفضيلة كالرّذيلة؟ بل أيّ حياةٍ تلك التي نعيشها من دون معنى، من دون هدف واضح؟

ربيكا: في عالم السذّج البريء والدّافئ

  • الحالة الإنسانية: ربيكا المراهقةُ بعقلِ طفلٍ وقلبِ طفل.
  • الحالة المرضية: تخلّف عقليّ.

لا يتوانى الدكتور ساكس في الفصول السّابقة عن نقل حالاتٍ إنسانية كثيرة، بعضها عولج والبعض الآخر رافق صاحبه حتى الموت، حالات أقلّ ما يقال عنها أنّها مؤلمة، وقاسية ومثيرة للأمل والألم في الآن ذاته. الدكتور الآن في عيادة المتخلّفين عقليًا وهو يعترف بأنّه كان متوجسًّا نوعًا ما من هذه الشريحة من المرضى، لكنّه وجد العكس تمامًا: عالمٌ تفاعليّ بريء ودافئ.

يعرّفنا الدكتور بصديقته ربيكا ذات التسع عشر ربيعًا، والتي عانت من تخلّف عقليّ جعلها بقدرات طفل صغير جدًّا ينسى الطرق ولا يتقن فتح الباب، وكانت تجد صعوبةً في الكلام وتشعر بالخجل من مظهرها. كان من المدهش كيف أنّ الدكتور قربنا إليها أكثر: إلى ربيكا “الإنسان” التي تحبّ الطبيعة، وتشعر بعظم الامتنان لجدتها التي ربّتها بعد وفاة والديها، وتحبّ القصص وتمضي أوقات كثيرة سعيدة في مراكز اللّعب.

لقد كانت في الظاهر كائنًا كارثيًّا، واضح العجز والتخبّط والبلاهة، لكنها على المستوى الرّوحي كانت أعمق من ذلك: طيبةً، مرهفةَ الحسّ، عظيمة الحبّ صوب الآخرين. بعد وفاة جدّتها، صارت ربيكا أكثر صرامةً وتوازنًا، وأبدت اهتمامًا كبيرًا بالمسرح والموسيقى، وأصبحت كما عبر عنها الدكتور ساكس:

والآن، إذا رأى أحدهم ربيكَا على خشبةِ المسرح، حيث صار المسرح ومجموعته حيَاتها، لن يفكّر أبدًا لن يُخمّن أبدًا أنّها مختلّة عقليًَّا.

رغم أنّ “المُعاينةَ المستمرّة لمظاهر البؤس تقسّي القلب” كما يرى جان بول سارتر، لكنّها مع الدكتور أوليفر ساكس ورثّت لنا كمًّا هائلًا من قصصٍ حقيقيّة تعلّمنا الكثير ما عدا قسوة القلب. كتابُ “الرجل الذي حسب زوجته قبعة” إنسانيّ بأتمّ معنى الكلمة: اقرأوه!

لك أيضًا:

الكتب الـ100 الأكثر مبيعًا في الوطن العربي: كتب جديرة بالقراءة في 2021

1

شاركنا رأيك حول "الرّجل الذي حسب زوجته قبعة: كتاب لمؤلفه أوليفر ساكس عن دهاليز النفس البشرية!"