الأثير
0

كنا قد استعرضنا في المرة السابقة في مقال “بعض الظواهر الكهرطيسية التي قادت إلى النظرية النسبية بشكلٍ سريع للغاية معظم القوانين الأساسية في الكهرطيسية. ورأينا كيف أدت معادلات ماكسويل إلى اكتشاف أن الضوء هو عبارة عن موجه كهرطيسية، وهو ما سنعود إلى عواقبه لاحقاً في نهاية هذا المقال. لكن دعونا في البداية نستكمل الاستعراض السريع لما بقي من جوانب تخص هذا الموضوع الشيق -أي الكهرطيسية، التي يمكنك قراءة كل ما جاء فيها حتى الآن في القائمة:

لمحة عن مفهوم الحقل

سأقتبس هنا مقطعاً من مقال “أخيراً وليس آخراً: حقول كمومية وأشياء أخرى” والذي كنت قد كتبته ضمن السلسلة حول ميكانيك الكم، أشرح فيه مفهوم الحقل.

“إن الحقل§، هو شيء له قيمة ما في كل نقطة من نقاط الفضاء. وقد تتغير هذه القيمة في نفس النقطة مع الزمن.

لنأخذ بعض الأمثلة الكلاسيكية على ذلك. إن درجة الحرارة هي أحد هذه الأمثلة. ففي كل نقطة من نقاط الغرفة التي تكون جالساً فيها توجد لها قيمة محددة. ويكفي لتحديد درجة الحرارة في نقطة ما إذاً معرفة عدد واحد هو قيمتها. إن درجة الحرارة هي مثال على ما يدعى بالحقول السلمية (ما يعين الحقل السلمي في كل نقطة هو عدد يعطي قيمته).

بينما سرعة الرياح على سطح الأرض تعبر عن نوع آخر من الحقول، هو الحقول الشعاعية. ففي كل نقطة من سطح الأرض توجد قيمة محددة لسرعة الرياح، ولكن لا تكفينا معرفة قيمة هذه السرعة بل علينا معرفة في أي اتجاه تهب الرياح عند هذه النقطة، لذلك نحن بحاجة من أجل التعبير عن سرعة الرياح في نقطة من سطح الأرض إلى عدد يعبر عن قيمة السرعة واتجاه يدلنا على جهة هبوب الرياح. والحقول الشعاعية بشكل عام تحتاج لتحديدها في كل نقطة إلى عدد واتجاه.

هناك أنواع أخرى من الحقول، ولكننا لا نحتاج للتطرق لها في مقال مبسط للغاية كهذا المقال.

وبعد أن أصبح لدينا فهم أولي لمفهوم الحقل، بإمكاننا فهم قوة لورنتس.

قوة لورنتس

والآن كنا قد تحدثنا عندما ذكرنا قانون كولوم، بأنه لو وضعت جسيماً مشحوناً بجوار جسيم مشحون آخر، سيؤثران على بعضهما بقوىً كهربائية. ونقول أن كلاً منهما يتأثر بالحقل الكهربائي الذي يولده الآخر. بمعنى آخر، إنّ كل جسيم مشحون يولد حقلاً كهربائياً يؤثر في الشحنات الأخرى التي توضع ضمنه.

ولكن ماذا يحصل لو وضعنا شحنة كهربائيةً في حقل مغناطيسي؟ نستطيع الإجابة عن ذلك بمراقبة ما يحصل لدى وضع سلك نحاسي لا يمر فيه تيار بين قطبي مغناطيس. فالسلك يحتوي على إلكترونات ذات شحنة سالبة، وهذه الإلكترونات ساكنة بالنسبة للمغناطيس. ونجد بأن الحقل المغناطيسي لم يؤثر عليها إذ يتجلى ذلك واضحاً من خلال عدم تأثير الحقل المغناطيسي في السلك.

ولكن بمجرد أن نمرر تياراً كهربائياً ضمن السلك، نجد أن السلك يبدأ بالحركة نتيجة وجود الحقل المغناطيسي. ما الذي اختلف بين الحالتين؟

قوة لورنتس

الذي اختلف هو أن الإلكترونات بدأت تتحرك. من هنا نلاحظ أن الحقل المغناطيسي يؤثر على الشحنات المتحركة لا على الشحنات الساكنة. والقوة التي تخضع لها الإلكترونات داخل السلك تسمى قوة لورنتس.§

إذاً، عند وضع شحنة داخل حقل كهرطيسي، يمكن تجزئة القوى التي ستتأثر بها إلى قسمين: قسم أول هو عبارة عن قوة كهربائية ناتجة عن الحقل الكهربائي، وتكون حاضرةً سواء كانت الشحنة ساكنة أم متحركة فقط لمجرد أن الجسيم مشحون، وقوة أخرى ناتجة عن الحقل المغناطيسي تعتمد على شحنة الجسيم وعلى سرعته أيضاً (فلو كان ساكناً لن يتأثر بها) وعلى شدة الحقل المغناطيسي واتجاهه بالنسبة لجهة حركة الجسيم المشحون، وهي قوة مغناطيسية.

الأثير وخواصه العجيبة

والآن، كنا قد رأينا في المرة السابقة، أن الضوء إذاً عبارة عن موجة كهرطيسية. ولكن الموجة في العادة هي عبارة عن اهتزاز لوسط ما. فما هو الوسط الحامل لاهتزازات الضوء يا ترى؟ في الواقع، لا يمكن أن يكون هذا الوسط هو الهواء أو الأجسام المادية العادية، لأنه إذا وضعنا جرساً كهربائياً ضمن ناقوس، أي ضمن وعاء زجاجي ووصلنا هذا الوعاء بمخلية هواء، فعندما نشغل الجرس سنسمع صوته، ولكن بمجرد تشغيل مخلية الهواء وتفريغ الوعاء من الهواء فنحن سنرى أن الجرس يستمر في الحركة ولكننا لن نسمع له صوتاً، لأن الصوت ينتقل في الهواء ولم يعد هناك هواء حتى ينتقل عبره.

في حين أننا ما زلنا نرى الجرس، ونحن نرى الجرس من خلال الضوء المنعكس عنه أي أن الضوء لا يزال يصل إلينا منه، وبالتالي الضوء انتشر رغم عدم وجود الهواء، فالهواء ليس هو الوسط الذي يهتز فيه الضوء، إذاً ما هو هذا الوسط؟

لقد ظن الفيزيائيون هنا بأن هناك وسطاً لا نراه سموه الأثير، وهذا الأثير هو الذي يهتز الضوء ضمنه. وقد افترضوا بأن هذا الأثير يملأ الفضاء كله، وقالوا بأننا قد وجدنا المرجع المطلق الذي ننسب له الحركات والذي كان يدعوه نيوتن بالمكان المطلق. فهذا الأثير هو المرجع الذي يجب أن ننسب له جميع الحركات المطلقة.§

الأثير

ولكن لنتذكر أن الفيزيائيين هنا كانوا يحاولون وضع نماذج ميكانيكية لتولد الضوء من خلال اهتزاز الأثير، بشكل مشابه لما يحصل عند تولد الأمواج على سطح الماء مثلاً (مع اختلافات تقنية بسيطة لا مجال لذكرها هنا). ولجعل هذه النماذج قادرة على تفسير الخواص المقيسة للضوء، توجّب على الأثير أن يتمتع بخواص عجيبة: إذ عليه أن يكون أصلب من الفولاذ بملايين المرات، ومع ذلك فنحن لم نكتشفه ولم يُعِق حركة الكواكب، فنيوتن عندما درس حركة الكواكب لم يأخذ وجود هذا الأثير بعين الاعتبار، وكانت نتائج عمله في وصف حركة الكواكب مذهلة.

لذلك، كيف يمكن للأثير أن يتمتع بهذه الصلابة دون أن نشعر به؟ فهذا يعني أن الاحتكاك مع هذا الأثير يجب أن يكون معدوماً تقريباً، مما يعني بأنّ الأثير سيتمتع بلزوجة معدومة. إضافةً للعديد من الخواص الأخرى العجيبة التي لا مجال لذكرها هنا دون توسع كبير في هذا الأمر. إنها خواص غريبة للغاية لوسط كهذا. فهل يمكننا يا ترى اكتشافه تجريبياً؟ هذا ما سنشاهده في المرة المقبلة.

0

شاركنا رأيك حول "كيف مهدت دراسة الكهرطيسية لمفهوم الأثير، المادة ذات الخواص العجيبة"