اللقاحات لقاح فايزر
0

في عام 1971 صدر التصريح باستخدام اللقاح المضاد لفيروس النكاف، المدمج مع لقاحات الحصبة والحصبة الألمانية MMR Vaccine في الولايات المتحدة. صدر هذا التصريح ليكون لقاح النكاف أسرع لقاح طُوِّر لمكافحة فيروس ما في التاريخ، فقد استغرق مبتكره العالم الطبيب موريس هيلمان أربع سنوات فقط، بعد إصابة ابنته بالفيروس. قبل ذلك، استغرق صنع لقاحات الإنفلونزا 27 عامًا وشلل الأطفال 13 عامًا، ولكن لقاح فايزر-بيونتيك المستخدم لشريط الحمض النووي الريبوزي الرسول mRNA كسر هذا الرقم، ليكون الأسرع في التاريخ، ويستغرق صنعه سنة واحدة فقط.

اقرأ أيضًا: رحلة البشر مع الفيروسات.. من الجهل التام للمعرفة التفصيلية 🔎🔍

لماذا تحتاج الفيروسات إلى لقاحات؟

الطريقة التي يعمل بها الفيروس

لمعرفة الإجابة على سؤال اللقاحات، علينا أن نعرف أولًا الطريقة التي يعمل بها الفيروس نفسه ليسبب أمراضًا للإنسان وينتج عنه الآثار المرضية. بدايةً، على الفيروس أن يجد سبيلًا للدخول إلى جسم الإنسان، فالفيروسات طفيليات إجبارية؛ أي أنها لا يمكنها الحياة والنجاة خارج العائل، وهو الإنسان في الحالة التي نتناولها. وبعد الدخول إلى الخلية، يدمج الفيروس نفسه في المادة الوراثية للعائل، ليجبره على إنتاج مادة الفيروس الوراثية، ليضمن الفيروس تكاثره وإنتاج المزيد منه، كما يجبره على ترجمة الشفرة الوراثية الخاصة به، لإنتاج الغلاف البروتيني المحيط بالمادة الوراثية المستَنسَخة، وتكوين فيروس كامل.

كيف تعمل الفيروسات
في المرحلة الأولى يدخل الفيروس إلى جسم الخلية ويحرر RNA، في المرحلة الثانية يخترق RNA الفيروس نواة الخلية ويسيطر عليها، في المرحلة الثالثة يستخدم الفيروس الخلية المضيفة لينتج RNA جديد ويركب جسيمات فيروسية جديدة، في المرحلة الرابعة تُطلق جسيمات فيروسية جديدة، وفي بعض الأحيان تدمر الخلية في هذه العملية

وبعد ضمان تكاثره، تنتقل الفيروسات الجديدة إلى خلايا مجاورة لمكان دخول الفيروس، وتضاعف أعداد الفيروسات المنتجة، وفي تلك الأثناء يلاحظ جهاز المناعة تلك العملية الغريبة، فيبدأ برد فعل يُسمى في الطب بالالتهاب، أو العدوى الموضعية في مكان تكاثر الفيروس، كما تتحسس خلايا المناعة البروتينات المكونة للفيروس والتي تطلقها الخلايا المصابة في الدم، وتحدد مصدرها، فتصدر إشارات الإنذار إلى خلايا المناعة للتكاثر ومقاومة تلك الحالة المرضية.

العلاجات المتاحة لكفاح الفيروسات

على عكس الكائنات الحية الأخرى، مثل البكتيريا والفطريات، لا يستجيب الفيروس للمواد الكيميائية القاتلة لتلك الكائنات. فبخلاف القناعة الشائعة، لا يعالج المضاد الحيوي نزلات البرد والإنفلونزا؛ فالمضاد الحيوي مادة كيميائية موجهة لقتل البكتيريا بتدمير تراكيب معينة خاصة بها فقط ولا توجد في غيرها من الكائنات، كالفيروسات التي تسبب الإنفلونزا. وبالمثل فإن للفطريات مواد أخرى تثبط من نموها وتكاثرها وتقتلها فتخلص الجسم من تأثيرها الضار.

تعمل علاجات الفيروسات عن طريقين؛ تعمل الطريقة الأولى بمنع الفيروس من إيذاء الجسم قبل الإصابة به، أي الوقاية، وذلك عبر اللقاحات، من خلال تحفيز المناعة بمادة تؤدي إلى تكوين ذاكرة مناعية للفيروس قبل الإصابة به، وبالتالي يكون رد الفعل المناعي بعد الإصابة أكثر كفاءة. أما الطريقة الثانية، فأقل فعالية من الأولى، وتعمل عبر أدوية تُسمى “مضادات الفيروسات“، تعتمد آلية عمل تلك المجموعة من الأدوية على علاج تأثير الفيروس بعد الإصابة به، ومن أمثلة ذلك العقارات المستخدمة لإيقاف التأثير الفتاك لفيروس الإيدز من تدمير جهاز مناعة الإنسان. كما توجد مواد أخرى تسمى الإنترفيرون، ويعمل بطريقة “المناورة المناعية” عبر إحاطة الخلايا المصابة وعزلها عن الخلايا المجاورة في الجسم، وبالتالي منع انتشار الفيروس وعدوى الخلايا المجاورة، وبالتالي تثبيط التأثير المرضي ككل.

اقرأ أيضًا: لتفهم كورونا: ٣ كتب تشرح لك الأوبئة والأمراض والفيروسات

كيف تعمل اللقاحات التقليدية؟

تعمل اللقاحات التقليدية على هدف رئيس بالنسبة للطفيل المعدي “الفيروس”، مثل الفيروس المسبب لمرض كوفيد-19، وهو تدريب جهاز المناعة على مقاومة الفيروس، بتقديم مادة شبيهة بالفيروس، ولكنها ليست الفيروس نفسه. وبالتالي عندما يُصاب الجسم بالفيروس نفسه، يكون رد الفعل المناعي أقوى بصورة مضاعفة.

تحتوي الفيروسات على لُب جيني مكوّن من الحمض النووي الريبوزي RNA أو الحمض النووي الريبوزي منزوع الأكسجين DNA محاط بغلاف من البروتين. تعمل الفيروسات على تصنيع الحمض النووي الريبوزي الرسول mRNA الخاص بها لصنع بروتيناتها عبر ترجمة الشفرة الجينية في عضيّة خلوية تُسمى بالريبوسوم، ولكل بروتين حمضه الخاص.

آلية عمل اللقاحات
تتعرف مولدات المادة المضادة على الفيروس وتعمل على إبطال مفعوله، ما تقوم به اللقاحات رفع كفاءة تعرف الخلية على الفيروسات وتسريع إنتاجها لمولدات الضد

عملت اللقاحات التقليدية، مثل لقاحات الحصبة وشلل الأطفال، عبر إدخال نسخة أضعف من الفيروس خضعت للتعديل معمليًا. ولكن إنتاج كميات هائلة من الفيروس ثم إضعافها معمليًا، يتطلب العديد من السنوات، وهذا ما يجعل اللقاحات بطيئة الصنع والتوزيع، وهو أمر استطاع العلم التغلب عليه في تكنولوجيا اللقاحات الجديدة التي تعمل عبر الحمض النووي الريبوزي الرسول mRNA.

كيف تعمل اللقاحات الحديثة؟

تعمل تلك اللقاحات عبر تقنية mRNA، من خلال إعطاء تعلميات جينية محمولة على شريط mRNA لخلايا الجسم لصنع «قطعة غير ضارة» تسمى بروتين السنبلة spike proteins، وهو نفس نوع البروتين الموجود على سطح الفيروس المسبب لكوفيد-19. تُعطى لقاحات كوفيد-19 في العضل، وبمجرد دخول تلك التعليمات إلى خلايا المناعة فإن الخلية تستخدمها لصنع البروتين، وبعد تصنيع البروتين، تتخلص الخلايا من تلك القطعة التي حُقنت في البداية بتكسيرها.

تظهر الخلية هذا البروتين على سطحها، فيتعرف عليها جهاز المناعة البشري، ويبدأ برد الفعل ضد هذا الجسم الغريب وصنع الأجسام المضادة، وهي العملية التي يتبعها الجسم بصورة طبيعية إذا أصيب بفيروس كوفيد-19، وبالتالي فإن اللقاح يعمل على محاكاة رد الفعل المناعي الطبيعي، ففي نهاية العملية، يتعلم الجسم كيف يحسن من كفاءة مقاومة الفيروس إذا أصيب به الشخص الحاصل على اللقاح أكثر من غيره ممن لم يحصل عليه.

تختلف تلك اللقاحات عن غيرها بأنها تُصنع من خامات موجودة بالفعل في المعمل، وهي ليست بدعًا من أمرها، فقد اهتم بها العلماء والباحثون لعقود، وتزايد الاهتمام بها مؤخرًا لأنها ذات خصائص واعدة. ولأنها تُصنع في المعمل من خامات متوفرة، يمكن أن تتسارع وتيرة إنتاجها وصنعها بشكل غير مسبوق، وهو ما يسفر خروج لقاح فايزر بهذه السرعة القياسية، على خلاف كل لقاحات الفيروسات التي طورها الطب في التاريخ.

تشير البيانات العلمية أن لقاحات mRNA ستتيح للأطباء في المستقبل استخدامها للحماية من عدة أمراض وليس مرضًا واحدًا، وهو ما سيمكن الطبيب من إعطاء جرعة واحدة للمريض للوقاية من عدة فيروسات، بدلًا من إعطاء أكثر من جرعة بإبر مختلفة. كما أنها قد تطور مستقبلًا للاستخدام في الوقاية من السرطان وأمراض غير معدية.

اقرأ أيضًا: أهم لقاحات كوفيد-19: تعرف على أبرز النقاط التي تميز هذه اللقاحات والفروقات بينها (إنفوغراف)

عيوب لقاحات mRNA

يأتي على رأس قائمة عيوب تلك اللقاحات أنها تحتاج إلى درجة حرارة منخفضة للغاية من أجل الحفاظ على سلامة شريط mRNA الموجود بداخلها من التحلل. إذ أشارت شركة فايزر أن اللقاح المطور للوقاية من كوفيد-19 يحتاج إلى درجة حرارة -80 إلى -60 سيليزية تحت الصفر (اللقاحات التقليدية تحتاج إلى -25 و-15 أي درجة حرارة قريبة من الثلاجة). ولهذا فإن نقل تلك اللقاحات أصعب من غيرها، كما أن الجرعة تحتاج إلى تناولها بمجرد خروجها من نظام التبريد وإلا تلفت. وبخلاف ذلك، فإنه لا توجد أي عيوب أخرى لتلك التكنولوجيا من اللقاحات عن غيرها، وعلى العكس، فإنها تقنية واعدة جدًا في مجال اللقاحات والطب الوقائي.

ليست ثمة حيل خفية تقبع خلف تلك اللقاحات، بل هي آمنة تمامًا، باستثناء رد الفعل الحساس الذي قد يُصاب به بعض الأشخاص، مثلها مثل غيرها من الأدوية أو أي مادة يتعرض لها الجسم، فالتعرض للقاح فايزر لا تزيد نسبة خطورته عن التعرض لحبوب اللقاح أثناء التنفس في الربيع. ولكنه يمثل ثورة غير مسبوقة في الطب، إذ سيمكن الأطباء من علاج أي وباء في وقت قياسي، وصل لأقل من السنة في حالة كوفيد-19، والقضاء على هذا الوباء المسبب لأعراض غير متوقعة، بعد أن احتاج تصنيع تلك المواد إلى أزمان طويلة كان أقلها أربع سنوات في الماضي.

اقرأ أيضًا: العلم أمام جائحة كورونا: ما هي التغيرات التي طرأت على العلم في ظل الجائحة؟

0

شاركنا رأيك حول "كيف سيحدث لقاح فايزر ثورة طبية في مجال مكافحة الفيروسات؟"