0

في العادة، يقولون أن الناقد الأدبي يجب أن يكون كاتبًا أولًا، وبحكم الخبرة والأقدمية في مجال العمل، يصبح بالتبعية ناقدًا أدبيًّا. لكن هذه ليست الحالة مع الناقد إدوارد سعيد على الإطلاق، المفكر والباحث والمنظر الفلسطيني-الأمريكي الذي عاش حياته كلها ينقد الأدب ويعمل على تفنيده، خائفًا من تقديم عمل فني، لأنه يرى فشله فيه بعين الناقد، مما جعله يعزف عن تقديم أي شيء روائي للجمهور.

لكن من الناحية الأخرى، العبقري الفذّ في تخصصه النقدي، تجرأ وقام بخطوة الكتابة الروائية والشعرية سويًّا، وذلك بحسب تقرير نشرته مؤخرًا صحيفة الجارديان، والمثير للدهشة أنه لم يُظهر ما كتبه للجمهور أبدًا، حتى بعد وفاته، ظلت جميع أعماله الأدبية طيّ الكتمان، وذلك لفترة طويلة جدًا. ولاحقًا تم كسر الصمت المطبق الذي غلَّف أعماله غير المنتهية، وهذا حدث عندما قرر تيموثي برينان – Timothy Brennan (أحد تلامذة إدوارد سعيد)، أن يتواصل مع عائلته ويكشف لنا ما حاول الناقد طيله حياته أن يخفيه، فقد حاول الناقد الفذ إدوارد سعيد كتابة روايتين لكن لم ينشرهما.

الأمر مثل الذي حدث مع كافكا عندما أوصى صديقه بحرق كتاباته، لكن صديقه قرر إظهارها للعالم، وبات كافكا هو العبقري السوداوي الذي نعرفه اليوم. فهل سيصبح إدوارد سعيد أديبًا جيدًا مثلنا كان (وما زال) ناقدًا فذَّا في قلوب وعقول الناس؟

هذا ما تحاول سيرة الراحل الإجابة عنه، سيرة مسرودة بقلم بيرنان، ومحتوية على مقتطفات من كتابات غير مكتملة للناقد العملاق.

مَن هو الناقد إدوارد سعيد أولًا؟!

الناقد إدوارد سعيد -كما أسلفنا- هو ناقد ومفكر فلسطيني. لكنه ليس فلسطينيًّا بالكامل، فوالده كان أحد ضبّاط الجيش الأمريكي، بينما والدته من فلسطين المحتلة، وولد بالفعل في أورشاليم بعام 1935، وسرعان ما تعلم في البلاد في مدارس قدمت له مزيجًا بين التعليم البريطاني، والتعليم الأمريكي.

في المنتصف، وجد الكثير من الأيدولوجيات التي تتعامل مع أمثاله بطرق مختلفة وغريبة، ولكل طريقة أسلوب ومنهج، وبالتالي لكل طريقة خلفية معرفية بُنيت عليها في الأساس. هذا الصراع والتضارب بين الأيدولوجيات الثقافية والنظرات المختلفة للعرب (حتى وإن لم يكبروا في بلادٍ عربية)، عمل على إنماء وصقل نزعة إدوارد سعيد نحو النقد والتفنيد، ومحاولة إيجاد أصل منطقي وفلسفي لما يحدث حوله.

إدوارد سعيد: ناقد فلسطيني كتب أدبًا ظلّ طيلة حياته خافيًا إياه!
الناقد إدوارد سعيد كتب أدبًا ظلّ طيلة حياته خافيًا إياه!

رغبته في إحداث تغيير، دفعته للالتحاق بمدرسة فيكتوريا كوليدج بالإسكندرية، مصر. وهناك عرف أكثر عن العراك السياسي المعهود بين الشرق والغرب، مما جعل المدرسة تطرده من حرمها تمامًا، نظرًا للمشاكل التي كان يفتعلها بحديثه الفلسفي على الدوام.

لاحقًا التحق بمدرسة Northfield Mount Hermon المرموقة في ولاية Massachusetts بالولايات المتحدة الأمريكية، وهناك بدأ مسيرته نحو القمة. حيث تخرج من التعليم ما قبل الجامعي أخيرًا، ليلتحق بجامعة Princeton ليدرس اللغة الإنجليزية بفروعها، ولم يقف إدوارد سعيد عن هذا الحد على الإطلاق.

بعدها انضم إلى جامعة Harvard الأشهر من نار على علم، وهناك أخذ الدكتوراه في الفلسفة المرتبطة بالأدب الإنجليزي، مما أهله ليكون الناقد الأدبي الذي نعرفه اليوم. وبجانب أعماله الكثيرة في مجاليّ التفنيد الفلسفي والأدبي، عمل سعيد على تدريس النقد الإنجليزي في جامعة Columbia حتى 2003. وأثناء مسيرته التعليمية كان أستاذًا زائرًا في جامعات كثيرة على رأسها Yale و Stanford وكذلك Harvard نفسها، التي تخرج منها في الماضي.

اقرأ أيضًا:

كتب ستجعل للأدب طعمًا أكثر حلاوة

إدوارد سعيد الناقد الذي تبرأ من الأدب

Places of Mind: a Life of Edward Said
غلاف كتاب أماكن العقل: حياة إدوارد سعيد الذي يكشف محاولات سعيد الروائية.

السيرة التي سردها بيرنان بقلمه عن سعيد، والتي تأتي في كتاب Places of Mind: a Life of Edward Said، هي في الواقع مستند يدين الناقد الراحل. قام إدوارد سعيد في أكثر من مؤتمر ومناسبة، بإهدار حق الروايات (والأدب القصصي عمومًا)، حيث أردف -بتصرف- أن الروايات لن تستطيع إحداث تغيير سياسيّ، فالروايات ليست الوسيلة الأنسب لإحداث التغيير الذي ترجوه.

ولذلك فضل الكتب الأدبية الرصينة، على الأدب القصصي أو الروائي بشكلٍ عام، وربما نتج هذا الاعتقاد الراسخ لديه، بسبب عدم قدرته على سرد روايات ونظم أشعار جيدة -حسب وجهة نظره- بالطبع. وهذا بدون شك انعكس على أعماله التي شهرته، والتي برع في تقديمها، ألا وهي الكتب النقدية والتحليلية التي مكنته من التربع على عرش التحليلين الفني والسياسي سويًّا.

إدوارد سعيد: ناقد فلسطيني كتب أدبًا ظلّ طيلة حياته خافيًا إياه!
ظهور كتابات أدبية غير مكتملة للناقد العملاق إدوارد سعيد.

أبرز أعماله هو كتاب (الاستشراق – Orientalism)، الكتاب بمجرد صدوره استطاع جذب عيون الميديا والمستشرقين من مختلف أنحاء العالم، حتى تمت ترجمته إلى أكثر من 20 لغة، وحتى وقتنا هذا هو واحد من الكتب المفتاحية في محاولات فهم الاستشراق وتحليل الأيدولوجيات المزجية التي نتجت عنه لدى أهل الغرب الذي نزحوا إلى الشرق وأعجبوا بالحضارات الشرقية، بمختلف طباعها وعاداتها، بل وحتى دياناتها اللاهوتية.

تحدث الكتاب عن عشرات العشرات من القضايا التي تخص الشرق والغرب على حدٍ سواء، وأبرزها هي قضية التعامل مع الأديان على أنها مجرد معتقدات أيدولوجية (وجهة النظر الغربية) تارة، وعلى أنها حقيقة راسخة ذات قداسة عُليا (وجهة النظر الشرقية) تارة أخرى. لن أقول أن الكتاب حاول إيجاد جسر تواصل بين كليهما، لكن الكتاب قدم تحليلًا موضوعيًّا للجذور الفكرية خلف كل منهما، متيحًا للقارئ فرصة الخروج بوجهة نظر مختلفة تمامًا عنهما؛ وجهة نظر خاصة تساعده على تكوين أيدولوجية ذاتية في المستقبل.

غلاف كتاب "الاستشراق"
غلاف كتاب “الاستشراق” للناقد الأدبي إدوارد سعيد.

حتى أن الكتاب نال استحسان الناس بصريًّا، حيث أن الغلاف بالكامل عبارة عن رسم ممتاز يظهر فيه فتى صغير عارٍ بالكامل، حاملًا لثعبان، وأمامه كوكبة من خلفاء العرب، تتبينهم من المجلس والشكل أنهم من الدولة العباسية أو الأموية. هذا الفتى هو الراقص مع الأفاعي – Snake Charmer، وكان يعتبر عرضًا ترفيهيًّا مشهورًا في الماضي.

الغلاف قدم صدمتين؛ أن هناك طفل يحيط جسمه بالكامل بأفعى، وأن نفس الطفل يقف أمام رجال بالغين عاريًا، مما يوحي بالخطر الذي فيه الطفل. فيمكن أن يلدغه الثعبان، أو أن يتم الاعتداء عليه من قِبل الحضور، مما يدمر براءة الطفل، ويسبب له مشاكل نفسية على المدى الطويل.

فما بالكم بمحتوى الكتاب فعلًا؟

إنه حقًا يستحق القراءة.

نظرة أكثر عمقًا على السيرة

قال سارد السيرة إن الناقد إدوارد سعيد بالرغم من محاولته المستميتة لعدم كتابة روايات، إلا أنه جاهد نفسه (بعيدًا عن أعين الناس) وقام بكتابة مجموعة أعمال، ولم ترَ النور أبدًا، إلا بفضل بيرنان الذي كشفها.

العمل الأول هو نوفيلا قصيرة تحمل عنوان Elegy، تدور أحداثها في 1940، وتعتبر سيرة ذاتية للناقد إدوارد سعيد نفسه، وتتحدث عن فترة صِباه في القاهرة، بمصر. بدأ كتابتها في عام 1957، وقتها كان 22 عامًا فقط، أي قبل 20 عامًا من كتابته لكتابه الأيقوني: “الاستشراق”. وقال بيرنان واصفًا شعور الناقد هو يسرد النوفيلا:

هناك ثقافة استقلالية خاصة لدى العرب، ثقافة استطاعت التعامل مع وصدّ التدخل الأجنبي في بلدان مثل القاهرة.

إدوارد سعيد: ناقد فلسطيني كتب أدبًا ظلّ طيلة حياته خافيًا إياه!
إدوارد سعيد كتب مجموعة من القصائد أيضًا.

بينما العمل الثاني (أو مجموعة الأعمال في الواقع) هو عمل شعري.

بعض القصائد كتبها الناقد إدوارد سعيد في خمسينيات القرن العشرين، وتمتاز بالنزعة الواضحة تجاه رفض الاستعمار، متحدثة عن شعور المرء الذي ينازع نفسه بين ثقافتين وعالمين مختلفين تمامًا عن بعضهما البعض. بينما هناك قصائد أخرى تبدو شخصية للغاية، حيث تظهر فيها نزعات متضاربة بين الإغراء والإثارة تارة، والرعب والتأوه حزنًا تارة أخرى، وربما تلك القصائد على وجه التحديد تعكس علاقته المضطربة مع زوجته.

في عام 1987 قام بكتابة روايته الثانية، وهي رواية إثارة مبنية على الخيانة السياسية، تدور أحداثها في بيروت بعام 1957، ومليئة بالجاسوسية المحببة إلى الجميع. كتب إدوارد سعيد فيها 50 صفحة فقط، ثم أهملها لبدء كتابة مذكراته الشخصية، والتي شرع فيها مباشرة بعد أن تم تشخيصه بمرض سرطان الدم؛ اللوكيميا.

ناقد فلسطيني كتب أدبًا ظلّ طيلة حياته خافيًا إياه!
الناقد إدوارد سعيد حاول كتابة روايتين لكن لم ينشرهما.

بشكلٍ عام، يمكن القول إن هذا الرجل لم يقدم للعالم الروايات الأدبية التي تؤثر في الناس وتدفعهم نحو إحداث تغيير (مثل رواية 1984 وغيرها)، لكن بالتأكيد يجب القول إنه أثر في الكتّاب أنفسهم وأجبرهم على فهم دوافعهم السردية واحتضانها بالكامل، حتى تنعصر العظام انعصارًا.

  • لم يقدم الروايات، لكن قدم الكتب.
  • لم يقدم المرح، لكن قدم الحزن.
  • لم يقدم التسلية، لكن قدم الفِكر.

إنه إدوارد سعيد يا أعزائي، فلسطيني-أمريكي وجد نفسه متنازعًا بين ثقافتين، عالمين، وحضارتين. حياة تدفعه ليصير عربيًّا ويتلحق برداء حضارات صحراوية، وحياة تغريه ليصير كالمواطنين الأصليين داخل الولايات المتحدة الأمريكية، وبين كليهما حاول إيجاد نفسه، وخلال تلك الرحلة المضنية، عاصرنا أفكاره وحللناها، وخرجنا بأيدولوجيات كثيرة، لما كانت موجودة لولا صراع أحدهم مع نفسه.. صراع الناقد إدوارد سعيد الراحل.

لك ايضًا:

أشهر كتّاب الأدب العالمي يلتقون في بيت حافل بالمجانين

0

شاركنا رأيك حول "رغم موقفه الرافض للرواية: إدوارد سعيد كتب أدبًا ظلّ طيلة حياته خافيًا إياه!"