0

في يوم 29 يناير 2021، نُشرت دراسة جديدة في مجلة “JAMA Pediatrics”، تُفيد بانتقال مناعة الأم ضد فيروس كورونا لجنينِها أثناء فترة الحمل. حيث فحص العلماء عينات دم لأكثر من 1470 سيدة حامل، وأظهرت النتائج أنّ 83 منهن كانت إيجابية الأجسام المضادة لكوفيد-19. وعند تحليل عينات دم الحبل السري للأطفال المولودين لهؤلاء السيدات، كانت المفاجئة أنها إيجابية للأجسام المضادة، مما يعني مناعة الجنين ضد كورونا وهي مناعة تنقلها له أمه.

اقرأ أيضًا:  خرافات مستمرة عن كوفيد-19 لا يزال يصدقها الكثير من الناس.. مناعة القطيع مثالٌ عنها

الأجسام المضادة وأنواعها

مناعة الجنين ضد كورونا

قبل الخوض في تفاصيل الدراسة، علينا التعرف قليلًا على الأجسام المضادة وأنواعها، هذا مهم وسيُساعد في فهم تفاصيل مناعة الجنين ضد كورونا .

الأجسام المضادة، هي بروتينات على شكل حرف Y، يكونها الجهاز المناعي، لتُساعده في اكتشاف مسببات الأمراض المختلفة ومحاربتها. إذ يبحث الجسم المضاد عن المستضدات، وهي جزيئات مميزة توجد على سطح الكائنات المعدية. عندما ترتبط بها الأجسام المضادة، يحدث شيء من الاثنين: إما يدمر الكائن الممرض أو يضع علامة عليه لتتعرف عليه الخلايا المناعية الأخرى. تسمى الأجسام المضادة بالغلوبولين المناعي “immunoglobulins”، واختصارها (Ig). ويوجد منه خمسة أنواع:

  • IgG: يمثل هذا النوع 75% من جميع الأجسام المضادة في جسم الإنسان، ويساعد في تمييز الكائنات الممرضة بحيث تستطيع الخلايا المناعية الأخرى العثور عليها أو يحفز إطلاق السموم وتدميرها.
  • IgA: يمثل 15% من الأجسام المضادة، وهو أحد خطوط الدفاع الأولى للجسم ضد العوامل الممرضة. عندما يرتبط بمسببات الأمراض، يترك علامات لتتعرف عليها الخلايا المناعية الأخرى، كما يمنع التصاقها بخلايا الظهارة التي تبطن أنسجة الجسم.
  • IgM: وهو أحد الأجسام المضادة الأولى للجهاز المناعي ضد العدوى. ترتفع أعدادها بسرعة عندما يهجم كائن مُعدٍ الجسم لأول مرة، ثم تنخفض بمجرد تمكّن الـ IgG من السيطرة. بالإضافة إلى ذلك، فهي تساعد الجهاز المناعي على تذكر العامل الممرض إذا هاجم الجسم من جديد، فتكون الاستجابة أسرع.
  • IgE: وهو مسؤول عن الاستجابة التحسسية في الجلد والرئتين، وتنتج بواسطة الخلايا البائية. تساعد هذه الأجسام المضادة في حماية الجسم ضد العدوى الطفيلية.
  • IgD: يمثل حوالي 0.25% من الأجسام المضادة. دورها ليس مفهومًا بشكلٍ كامل فيما يتعلق بالجهاز المناعي، ولكنها تشارك في إطلاق النوع IgM في خطوط الدفاع الأولى عند تعرض الجسم لعَدوى ما.

مناعة الجنين ضد كورونا تعود لأجسام مضادة معينة

أشار مؤلفو الدراسة، الدكتورة كارين بوبولو والدكتور سكوت هينسلي من جامعة بنسلفانيا، إلى أنه كلما طالت الفترة الزمنية بين إصابة الأم بالفيروس والولادة، انتقلت الأجسام المضادة إلى الطفل بعدد أكبر، ويحدث ذلك سواء ظهرت الأعراض على الأم أو لا. ويتوقف عدد الأجسام المضادة أيضًا على نوع وكمية الأجسام المضادة لدى الأم عندما أصيبت أثناء الحمل.

مناعة الجنين ضد كورونا

لكن، كم من الوقت ستصمد مناعة الطفل المنتقلة من أمه أمام الفيروس؟

تشير نتائج الدراسة إلى أنّ هذه الأجسام المضادة توفر للطفل حديث الولادة الحماية الكافية ضد الفيروس، لكن لم يظهر بعد إلى متى ستؤدي هذه الأجسام دور خط الدفاع الأول للطفل، أو مدة استمرارها في الدورة الدموية للمولود. إضافة إلى ذلك، ما زال الباحثون يدرسون مستويات وأنواع الأجسام المضادة اللازمة لحماية الطفل. ويبحث مؤلفو الدراسة عن إجابة لسؤال مهم. وهو، ما مدى قدرة الأجسام المضادة على منع الفيروس من إصابة خلايا جسم الطفل؟

من ناحية أخرى، يرى الباحثون أنّ هذه فرصة جيدة لدراسة انتقال الأجسام المضادة بصورة طبيعية، وهذا قد يعطيهم بعض الإشارات عن اللقاحات المناسبة للنساء الحوامل، لتوفير حماية للأطفال حديثي الولادة بعد حصول الأم على اللقاح أثناء فترة الحمل.

أشواك كورونا وتصنيع اللقاحات

يسمى كورونا بالفيروس التاجي، هل تعرف لماذا؟ حسنًا، فقط تأمل صورة مجهرية للفيروس، ستجد على سطحه مجموعة من الأشواك تعطيه شكل تاج، دعنا من التاج وركز معي على الأشواك، إنها أمل العلماء للوصول إلى لقاحات فعالة ضد الفيروس. في نفس الوقت، إنها من أخطر أجزاء الفيروس لأنها تساعده على الارتباط بمستقبلات أسطح الخلايا البشرية.

يستهدف العلماء هذه الأشواك لتصنيع اللقاحات، كما يتعرف عليها الجهاز المناعي للإنسان، ليكون الأجسام المضادة التي تقضي على الفيروس. وفي الدراسة اختبر الباحثون ما إذا كان هناك أجسام مضادة تستطيع الالتصاق بأشواك الفيروس عند مجال ربط المستقبلات (RBD).

ماذا حدث في دراسة مناعة الجنين ضد كورونا ؟

تسمح المشيمة لأجسامٍ مضادة محددة بالعبور، فلا تستطيع جميعها الوصول للجنين، ولإتمامِ هذه العملية يجب توافر مستقبل خاص وبروتين لنقل هذه الأجسام إلى العضو. وبالطبع من الضروري أن يتناسب المستقبل الخاص هذا مع الجسم المضاد الذي سيَستطيع عبور المشيمة. وكان النوع IgG الأنسب وهو الوحيد الذي استطاع الوصول للجنين وتوفير الحماية المناعية له.

في اختبار نتيجة الأجسام المضادة، لُوحظ أنّ 72 من 83 طفلًا ولدوا لأمهات لديهن أجسام مضادة ضد كوفيد-19 وانتقلت إلى الجنين، حتى إنهم وجدوها في الحبل السري بكميات مختلفة في كل واحد منهم، حيث تعتمد على تركيزات الـ IgG في دم أمهاتهم.

أما عن الـ 11 الآخرين، كانت النتيجة سلبية. ويفسر مؤلفو الدراسة هذه النتيجة كالتالي:

  • كانت مستويات الأجسام المضادة (IgG) لدى 6 من الأمهات منخفضة نسبيًا، وهذا يدل على أنهن في مرحلة مبكرة من الإصابة بالفيروس، ولم تكوّن أجسادهن كمية كافية من الأجسام المضادة.
  • كان لدى الأمهات الخمسة الأخريات أجسام مضادة لكن من النوع (IgM)، وهذا النوع لا يمكنه عبور المشيمة.

تظهر الأجسام المضادة من النوع (IgM) في بداية العدوى ثم تختفي مع انتهاء العدوى، وهذا يشير إلى أنّ ظهور هذه الأجسام للأمهات كان لأنهن في بداية الإصابة. ونفس الأمر ينطبق على الجنين، إذا ظهرت هذه الأجسام لديه، فهذا يعني وصول الفيروس إليه. في نفس الوقت، لا يمكننا تفسير انتقال الأجسام المضادة (IgM) من الأم إلى الجنين، لأنها لا تستطيع عبور المشيمة.

وهنا سؤال مهم، هل ينتقل فيروس كوفيد-19 للجنين من الأم قبل الولادة؟ حتى الآن، لا توجد دراسة تؤيد أو تنفي هذه الفكرة. ربما لاحقًا.

اقرأ أيضًا: مناعة القطيع: عندما تصبح أرواح البشر ضريبة القضاء على جائحة كورونا

لماذا هذا مهم فيما يخص اللقاحات؟

أسفرت نتائج الدراسة عن إمكانية عبور الأجسام المضادة IgG للمشيمة، ومنها إلى الجنين، لكن ما زال العلماء لا يعرفون إلى أي مدى حماية الأجسام المضادة المتولدة نتيجة عدوى الفيروس. لكن يمكن معرفة هذا باستخدام تقنية “Neutralization Assays”، وهي تجربة إنماء الفيروس في طبق يحتوي على أجسام مضادة وخلايا بشرية، ومن خلال ذلك، يمكنهم تحديد ما إذا كانت الأجسام المضادة قادرة على منع العدوى أم لا.

كما يمكن متابعة الأطفال المولودين لمعرفة الفترة الزمنية التي تستطيع فيها الأجسام المضادة الصمود وحماية الطفل ضد الفيروس، وما إذا أُصيب أي طفل بكورونا بعد الولادة. كل هذه البيانات ستساعد كثيرًا في تطوير اللقاحات وفهم حالات الأمهات الحوامل أكثر في مثل هذه الظروف.

من ناحية أخرى، توصي مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) وكذلك منظمة الصحة العالمية (WHO)، أن تأخذ الأمهات في فترة الحمل اللقاح، وذلك باستشارة الطبيب وتحت ظروف محددة، خاصة المعرضات للفيروس. لكن، هل هذا يمنح الطفل مناعة عند الولادة؟ بالنظر إلى اللقاحات الأخرى التي تأخذها الأمهات أثناء فترة الحمل، كلقاح التيتانوس والسعال الديكي. نجد انخفاضًا ملحوظًا في مستوى الأجسام المضادة للطفل بعد بلوغه شهرين. ثم تقل سرعة الانخفاض خلال الفترة ما بين الشهور الأربعة إلى الثمانية التالية.

نفس الأمر بالنسبة لكُوفيد-19، حيث تستطيع الأجسام المضادة الموجودة في الحبل السري- نتيجة اللقاح – الانتقال وحماية الجنين من العدوى بعد الولادة. ويتوقف عددها على تركيزها لدى الأم. لذلك، يُفضل إعطاء الأم التطعيم في الثلث الثاني من الحمل، أي بعد حوالي 17 أسبوعًا من بداية الحمل، حيث تكون المشيمة قد نمت أكثر بدرجة تكفي لضخ عدد أكبر من الأجسام المضادة للجنين، وتستمر معه بعد الولادة لفترة.

إنّ الهدف الأساسي من اللقاح هو حماية الأم قبل أي شيء، حيث أنها مُعرضة للأمراض الخطيرة في الثلث الثالث من الحمل. من ناحية أخرى، قد تؤثر الأعراض الجانبية للقاحات على نمو الجنين خلال الأشهر الثلاثة الأولى للحمل. لذا، الثلث الثاني هو الأنسب للحصول على اللقاح. وبذلك، نستطيع حماية الطفل من الفيروس من خلال لقاح أمه. وهذه بمثابة المكافأة له، حيث لم تتوفر بعد لقاحات الكورونا للأطفال الرُضع.

0

شاركنا رأيك حول "مكافأة الأم.. هل تنتقل المناعة للجنين ضد كورونا؟ دراسة جديدة تُجيب"