المرأة اليوم
0
في يوم المرأة العالمي، كل عام وأنتنّ صامدات.

اليوم، كثيرًا ما نسمع أنّ زمننا هذا هو أفضل الأزمان لكِ في حال ولدتِ أنثى، وقد يكون القصد من ذلك هو أنّ المرأة كثيرًا ما عانت من الظلم فيما سبق، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم. لكن هل انتهى الظلم؟ وهل حقًا هذا الزمن هو أفضل الأزمان لكِ في حال وُلِدت أنثى؟

لا بدّ وأنّ هذه المقدمة ستثير غضب الكثيرين، فالعديد من الرجال -ومَن النساء أيضًا- من يدّعي أن المرأة اليوم “مكرّمة” وقد نالت جميع حقوقها و”زيادة”، بل قد يقف من الرجال مَن يطالبها بحقوقه!

انتظروا! إن كانت المقدمة كذلك، فما بالكم بالمقال! في هذا المقال!

سنعرض لكم عبر آلاف السنين كيف تغيرت مكانة المرأة من إلهةٍ تُعبَد إلى إنسانٍ من الدرجة الثانية! ولسنا نبالغ، فقد كانت بمكانة الآلهة، وأصبحت كما أصبحت اليوم، تابعوا كيف ومتى حدث ما حدث.

اقرأ أيضًا: تجربة تونس في حقوق المرأة ومنع الزواج الثاني… هل يمكن أن تضاهيها الدول العربية الأخرى؟

المرأة اليوم: إنسانٌ من الدرجة الثانية

“مَن يسمعكم تتكلمون عن حقوق المرأة يظننا نضربها ليلًا نهارًا، يا عمي علينا نحن أن نطالب المرأة بحقوقنا!” عبارة نموذجية تتكرر على مسامعنا عشرات المرات في كلّ مرة نتلفظ فيها ولو صدفةً بـ”حقوق المرأة” أو “المساواة”، وكأنّ كامل الحقوق قد استُوفت بمجرد أنّ النساء لم تعد تُضرَب.

حسنًا، لسنا نلعب بعواطفكم، بل سنستعرض لكم نتائج الدراسات حول وضع المرأة في العالم، وبعض القوانين المتعلقة بها، والتي تبين كيف أنها وحتى في أكثر دول العالم تقدمًا، لا تزال إنسانًا من الدرجة الثانية في كثيرٍ من الأحيان.

تقرير الأمم المتحدة حول وضع المرأة العالمي الصادر عام 2020

بناءً على دراسةٍ أجرتها الأمم المتحدة ونشرتها العام الماضي 2020، فإنّ ما يقارب 90% من سكان العالم لديهم بعض الآراء والمعتقدات المتحيزة ضد المرأة. إذ شمل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في دراسته هذه 75 دولةً، والتي تمثل في تعداد سكانها حوالي 80% من سكان العالم.

وقد وجدت الدراسة أنّ تسعة أشخاصٍ من أصل عشرة -بما فيهم النساء- لديهم معتقدات متحيزة ضد النساء، من هذه المعتقدات: أنّ الرجال هم قادة أعمالٍ وسياسيون أفضل من النساء، وأنّ التحاق الرجال بالجامعات أهم من التحاق النساء، كما ينبغي أن يحصل الرجال على معاملةٍ تفضيلية في أسواق العمل التنافسية مقارنةً بالنساء.

المرأة
التحيز ضد المرأة

أكبر نسبة مئوية من الناس الذين لديهم مثل هذه الآراء المتحيزة ضد المرأة كانت في باكستان وذلك بنسبة بلغت 99.81%، تليها قطر ثم نيجيريا بنسبة 99.73%. في حين أنّ أقل نسبة مئوية من السكان الذين يملكون مثل هذه المعتقدات المتحيزة ضد المرأة كانت في أندورا وذلك بنسبة 27.01%، تليها السويد 30.01%، ثم هولندا 39.75%.

أما في الولايات المتحدة الأمريكية فكانت نسبة الناس الذين لديهم مثل هذه المعتقدات هي 57.31%، فرنسا 56%، بريطانيا 54.6%. وعلى الرغم من أنّ هذه النسب منخفضة نوعًا ما مقارنةً بباكستان، لكن يجب أن نتذكر أنّ هذه النسب ينبغي أن تكون 0%، أي يجب ألا يملك الناس أبدًا أي نوعٍ من الآراء والمعتقدات المتحيزة ضد الإنسان بناءً على جنسه.

لكن، لنكن واقعيين، فالفجوة بين الجنسين عند التكلم عن المجالات التنموية كالتعليم والصحة وإزالة العقبات القانونية أمام المشاركة السياسية والاقتصادية، هي فجوة ضيقة جدًا أو اختفت في العديد من البلدان. ومع ذلك، فإن الفجوات بين الرجال والنساء في الأنظمة السياسية والاقتصادية والشركات، لا تزال كبيرة جدًا. على سبيل المثال، وعلى الرغم من أنّ النساء والرجال يتمتعون بمعدلات تصويت متماثلة، إلا أن النساء يشغلن 24% فقط من المقاعد البرلمانية في جميع أنحاء العالم، كما لا يوجد سوى 10 رئيسات للحكومات من أصل 193 دولة عضو في الأمم المتحدة (¬_¬”).

كيف تغيرت مكانة المراة من إلهة تعبد إلى إنسان من الدرجة الثانية
تولي عدد قليل من النساء المناصب السياسية الكبرى

بالإضافة إلى ذلك، فقد أشار تقرير الأمم المتحدة إلى أنّ الرجال يحصلون على أجرٍ أعلى من النساء اللواتي يعملن في نفس الوظائف، كما يقل احتمال أن تتبوأ هذه النسوة مناصب عليا. ووفقًا للبيانات، فإنّ نسبة النساء اللواتي يشغلن مناصب الرؤوساء التنفيذيين في شركات سوق الأسهم الأمريكية لا تتعدى 6%، وعلى الرغم من أنهنّ قد يعملنّ ساعات أكثر من الرجال، إلا أنّ عملهنّ من المرجح أن يكون كأعمال رعاية غير مدفوعة الأجر.

اقرأ أيضًا: تمكين المرأة تاريخيًّا: من حق التعليم إلى المناصب الإدارية

قوانين لا تصدَّق!

عند التكلم عن الآراء والمعتقدات المتحيزة ضد المرأة والموجودة عند الناس، فقد نعلل وجودها نتيجة التنشئة الاجتماعية والعادات والجهل والتخلف وغيرها من الأسباب. لكن عند التكلم عن قوانين متحيزة موجودة ومعمول بها إلى يومنا هذا، فهل يكون وجود مثل هذه القوانين دليلًا على تحيز الحكومات أو الأنظمة ضد المرأة؟ 🙄

في الواقع، هناك العديد من القوانين الغريبة والمتحيزة والتي لا تعطي المرأة حقها، بل لا تنصفها على الإطلاق، وقد اخترنا لكم بعضًا منها من حول العالم، على سبيل الذكر فقط وليس الحصر، والتي إن دلت على شيء فهي تدل على أن الطريق أمام النساء لا يزال طويلًا للوصول إلى المساواة!

في الأردن، لا يزال بالإمكان قتل النساء باسم “الشرف”

تسمح المادتان 340 و98 من قانون العقوبات الأردني، أن ينزل القضاة أحكامًا مخففة في القضايا التي يتم فيها قتل زوجة أو ابنة أو أخت أو ابنة أخت، بسبب الزنا أو نوبة غضب ناتجة عن انتهاك أخلاقي مزعوم. وليس الأردن فحسب، بل إنّ العديد من الدول لا تزال تتساهل مع القتلة الذين يتذرعون بـ”الشرف” لارتكاب جرائمهم.

كيف تغيرت مكانة المراة من إلهة تعبد إلى إنسان من الدرجة الثانية
قانون يتساهل مع جرائم الشرف

في إيران، تحتاج الزوجة إلى إذنٍ موقّعٍ من زوجها في حال أرادت السفر خارج البلاد

إذ لا تحتاج المرأة الإيرانية المتزوجة إلى وثيقة موقعة من زوجها للتقدم بطلب للحصول على جواز سفر فحسب، بل تحتاج إلى موافقته رسميًا إن أرادت السفر خارج البلاد. وربما قد تذكرتم قصة قائدة فريق كرة القدم النسائي “نيلوفر أردالان”، والتي لم تستطع السفر خارج البلاد للمشاركة في بطولة الاتحاد الآسيوي لكرة القدم للسيدات في كرة الصالات، بسبب رفض زوجها التوقيع على وثيقة تسمح لها بتجديد جواز سفرها. 😶

في الهند، يمكن للأزواج اغتصاب زوجاتهم دون أي عواقب قانونية

بالإضافة إلى الهند، هناك ما يقارب 49 دولة أُخرى، لا تجرّم الاغتصاب الزوجي. وعلى الرغم من توصية الأمم المتحدة للهند بضرورة تجريم الاغتصاب الزوجي، إلا أنّ الحكومة الهندية قد أعلنت أنّ مثل هذه القوانين لا تتوافق مع مفهوم الزواج في البلاد.

في روسيا، قد لا يُعتبر العنف المنزلي جريمة تستحق العقاب في الضرورة

وفقًا لتقديرات وزارة الداخلية الروسية، تموت امرأة كل 40 دقيقة على يد شريكها الحميم في روسيا. ومع ذلك، فقد صوّت البرلمان الروسي عام 2017 بأغلبية ساحقة لصالح تعديل قانونيّ يرفع الجرم عن العنف المنزلي. وذلك استنادًا إلى حجج واهية، مثل أنّ الأسرة مقدسة ولا يحقّ للدولة التدخل في شؤون الأزواج، ولا حتى لحماية النساء المعرضات لخطر العنف المنزلي!

كيف تغيرت مكانة المراة من إلهة تعبد إلى إنسان من الدرجة الثانية
لا يعتبر العنف المنزلي جريمة تستوجب العقوبة بالضرورة في روسيا

في أمريكا، يمكن لمرتكبي جرائم الاغتصاب المطالبة بحق الأبوة لأطفالهم من ضحاياهم

قد يكون من أصعب القرارات التي تواجه النساء هو الاستمرار بحملٍ ناتج عن اغتصاب! فما بالكم إن طالبهنّ المغتصب بأخذ الطفل قانونيًا!

يقدر عدد النسوة اللواتي يحملن نتيجة جرائم اغتصاب بحوالي 17000 إلى 32000 امرأة في الولايات المتحدة الأمريكية سنويًا، حوالي 32% إلى 50% منهنّ تحتفظنّ بهولاء الأطفال. لكن، إن كانت هؤلاء النسوة في بعض الولايات الأمريكية مثل مينيسوتا أو داكوتا الشمالية أو ميسيسيبي أو ماريلاند أو وايومينغ أو ألاباما أو نيو مكسيكو، فقد تواجهنّ دعاوى قضائية على حقوق الوصاية على أطفالهنّ. فهذه الولايات السبع لا تمتلك قوانينًا تمنع المغتصبين من المطالبة بحق الوصاية والأبوة.

في السودان، من القانونيّ تزويج القاصرات

في السودان والعديد من الدول كاليمن وغيرها، يمكن تزويج الفتيات قانونيًا قبل بلوغهنّ الـ 18 عامًا، بل حتى وإن كنّ ذوات العشرة أعوام، وهذه القوانين لم تتغير إلى يومنا هذا.

6كيف تغيرت مكانة المراة من إلهة تعبد إلى إنسان من الدرجة الثانية
زواج القاصرات في السودان

اقرأ أيضًا: المرأة في الحضارات القديمة.. هل كان الفراعنة من القلة الذين أعطَوا المرأة حقوقها؟

في الماضي، إلهةٌ تُعبَد

في السابق، وقبل ظهور المجتمع الأبويّ الذي نعيش في كنفه اليوم، والذي يفترض أنّ الرجل أفضل من المرأة، أو على الأقلّ لديه تلك الآراء المتحيزة ضدها، كانت المرأة تتمتع بمكانة اجتماعية مرموقة جدًّا. كانت هي الأم التي تأسست حولها أول خلية إنسانية متكاتفة، أول عائلة أمومية، وعلى شاكلتها صاغ الإنسان أول تماثيله المقدسة، تماثيل الأم الكبرى.

7كيف تغيرت مكانة المراة من إلهة تعبد إلى إنسان من الدرجة الثانية
عشتار، الإلهة الأم

في العصور ما قبل اختراع الكتابة وظهور المدن الكبرى المنظمة سياسيًا واقتصاديًا (قبل الميلاد بـ4500-8500 عام)، كانت المرأة تحظى بمكانة مبجلة، إذ كان يُنظر إليها نظرة حب ورغبة ورهبة، فقد منحتها خصائصها البيولوجية من حملٍ وولادة وإرضاع صفة أقرب ما تكون إلى الألوهية، فهي تشبه الطبيعة في عطائها وخصوبتها وعدالتها.

وعلى الرغم من أنّ العلماء وحتى القرن التاسع عشر كانوا يعتقدون أنّ المجتمع الأبوي كان موجودًا منذ الأمد، إلا أنّ علماء الأنتروبولوجيا والعلوم الأُخرى قد قدموا الأدلة الكافية على وجود نظامٍ اجتماعي سابق، لا يقوم على سلطة الأب، وإنما كان يتمحور حول مكانة الأم، وهو النظام الأمومي.

في هذا النظام الأمومي، كانت المرأة هي القائدة، وقد أسلم لها الرجل زمام الأمور، ليس ذلك بالطبع بسبب قوتها البدنية، وإنما احترامًا لخصائصها الجسدية والبيولوجية المتناغمة مع الطبيعة، بالإضافة إلى الاعتقاد بصفاء روحها واحتلالها مكانة متوسطة ما بين البشر والآلهة، لذا فقد أصبحت الكاهنة والعرافة الأولى. ونتيجة لتلك الاعتقادات، فقد أصبحت المرأة أفضل مكانة على الصعيد السياسي والاجتماعي والديني. ولا يعني ذلك أيضًا أنّ الرجل كان تابعًا، بل يشير المؤرخون إلى أنّ رجال العصر الأموميّ كانوا أكثر نبلًا وفروسيةً وإيثارًا.

وبسبب اعتناء الأم الدائم بصغارها ومحاولة تأمين مستلزماتهم، فقد حولت جلود الحيوانات إلى ثياب وأغطية، فأصبحت بذلك الخياطة الأولى. وقد تعلمت أيضًا خصائص الأعشاب وقدرتها الشفائية نتيجة بحثها المستمر عن الأعشاب والجذور الصالحة للأكل، فأصبحت الطبيبة الأولى. وبينما كان الرجل يتابع مهامه في الصيد والتنقل بحثًا عن الفرائس، ساهمت المرأة من خلال تعاملها مع البذور والنباتات في تطور أعظم اكتشافات الإنسان، الزراعة.

في النظام الأمومي الأولي، كان الأولاد ينسبون إلى أمهاتهم وليس إلى آبائهم وهو ما يُعرف بـ”حق الأم”، فحب الأم لأطفالها أكبر من أي اعتبار على هذه الأرض. وقد أسست هذه العاطفة أساسًا قويًا لبناء نموذج اجتماعي يعتبر فيه البشر بعضهم كيانًا واحدًا وأخوة في عائلة كبيرة كانت أم صغيرة، أي يمكن القول إنّ تلك العاطفة هي أساس لنشوء العدالة الاجتماعية والمساواة في تلك المجتمعات. بالإضافة إلى أنّ ميل المرأة الفطري نحو السلام ونبذ العنف، قد أفضى إلى السلام في المجتمع الأمومي ذاته، وفي المجتمعات الأمومية فيما بينها.

المرأة

لكن بالطبع لا يبقى شيءٌ على حاله، ففي الفترات الأخيرة السابقة لظهور المدن الكبرى، استطاع الرجل أن يثور على النظام الأمومي ويقلبه رأسًا على عقب، فظهرت العائلة الأُحادية التي ترتكز إلى سيادة الرجل وظهر المجتمع الأبوي.§

وفي الختام، لسنا نحبذ سيادة مجتمع أموميّ أو أبويّ على آخر، ولا ندعو إلى استعادة الأمجاد الغابرة، نأمل فقط أن نصل إلى زمن التوازن، دون أن تميل إحدى كفتي الميزان على أُخرى.

نأمل أن نصل إلى زمنٍ يحصل فيه كل من الرجل والمرأة على حقوقهما كاملة، وأن يقدموا واجباتهم كاملة، دون وصاية أحد على أحد، ودون أن يظلم أحد، ودمتم سالمين.

اقرأ أيضًا: على عكس واقعنا.. مجتمعات أمومية تحكمها النساء

0

شاركنا رأيك حول "عبر آلاف السنين، كيف تغيرت مكانة المرأة من إلهة تُعبَد إلى إنسان من الدرجة الثانية!"