بداية الكون
0

يشكل الكون لغزًا كبيرًا منذ الأزل، لا يكمن اللغز في معرفة دقائقه وأسراره وطريقة عمله فقط، بل نجد أن اللغز الأهم هو كيف كانت بداية الكون أو بمعنى آخر، كيف ظهر كل شيء؟

هذا السؤال يعتبر من أهم الأسئلة البشرية، ونجد أن هناك جهات كثيرة حاولت الإجابة عن هذا السؤال، بداية من الأساطير والميثولوجيا الخاصة بكل شعب، مرورًا بالأديان وتأويلاتها المختلفة، وأخيرًا العلم، وهنا نجد الإجابة النهائية غير القابلة للنقاش، إجابة مدعومة بالأدلة العلمية والقوانين الرياضية، وفي هذا المقال سأحاول أن أبسط قدر الإمكان هذه الإجابات، وكيف ظهر كل شيء.

اقرأ أيضًا:  نظريات وتساؤلات وتصوّرات مختلفة عن نشأة الكون

بداية الكون
صوة تخيلية للانفجار العظيم.. بداية كل شيء في كوننا

خلف كواليس الانفجار العظيم

يصعب أن نجد أحدًا يعيش معنا في هذا العصر ولم يسمع بعد عن نظرية الانفجار العظيم، أكثر النظريات المدعومة علميًا التي تفسر بداية الكون ويمكننا تبسيط النظرية على النحو الآتي: كل شيء في هذا الكون كان عبارة عن جزء واحد متناهٍ في الصغر، كل هذه الطاقة والمادة المحيطة بنا كانت تتواجد في جسيم يسمى متفرد “Singularity”، فجأة انفجر المتفرد وبدأ يتوسع بسرعة معقولة ثم تضخم بسرعة هائلة ثم عاد التضخم بسرعة معقولة (قياسًا للساعة الكونية).

ومنذ وقت الانفجار إلى الآن ظهر كل شيء، ولفهم هذه النقاط بشكل واضح عليك الانتباه في الفقرات القادمة.

اقرأ أيضًا: كل شيء عن نظرية الانفجار العظيم وكيف بدأ الكون – ملف شامل

هنريك ويليام أولبرز

كما قلنا في المقدمة تختلف نظرة الناس إلى الكون منذ القدم فكل ثقافة تمتلك تفسيرها الخاص لنشأة الكون وشكله، ولكن كانت فكرة الكون الأزلي تعتبر من الأفكار المنتشرة بشكل كبير، وظل الأمر هكذا حتى أتى العالم هنريك أولبرز في القرن السابع عشر، وحاول تخيل شكل الكون الأزلي، كون أزلي بسماوات لا نهائية، وبالتالي عدد نجوم لا نهائي وهذا يجعل من اللازم أن تكون السماء مضيئة ليلًا نهارًا بملايين النجوم، وكلما ابتعدنا كانت السماء أوسع وبالتالي تحمل عددًا أكبر من النجوم وبالتالي سترسل ضوءًا للأرض مهما ابتعدت المسافة، ومن هنا نضع القدم الأولى في الطريق الذي ينتهي بمعرفة أن لكوننا حدود وأنه غير أزلي.

بداية الكون
العالم إدوين هابل الذي أثبت بالتجربة العلمية توسع الكون

إدوين هابل وتوسع الكون

بعد الأفكار التي طرحها هنريك أولبرز عن عدم أزلية الكون، بدأت مشكلة أخرى في الظهور وهي مشكلة توسع الكون، في هذا الوقت كان أينشتاين انتهى من نظريته الشهيرة “النسبية” لكنه كان يواجه مشكلة تتلخص في السؤال: “لماذا لا ينسحق الكون على نفسه بسبب الجاذبية؟”.

وعلى الرغم من صعوبة وتعقيد هذه المشكلة إلا أنه قرر حل هذه المشكلة بحل بسيط ولكن يمكن اعتباره غير صحيح علميًا، وضع أينشتاين ثابت في معادلته، وهذا الثابت يشير إلى قوة في الكون تعمل عكس قوة الجاذبية وبالتالي تمنع الكون من الانسحاق، وعلى الرغم من فشل هذا الثابت بشكله البدائي إلا أننا نعرف الآن أن هناك قوة في الكون تعرف باسم “الطاقة المظلمة”.

عمل بعد ذلك عالمان على معادلات أينشتاين وهما ألكسندر فريدمان، وجورج لوماتر، وقاما بإثبات توسع الكون، وظل الأمر هكذا على الأوراق حتى أتى هابل، وعندما كان يراقب المجرات والنجوم البعيدة لمعرفة العناصر المكونة لها عن طريق دراسة الأطياف لاحظ أن الأطياف التي يحصل عليها يميل طولها الموجي للون الأحمر وتشتد قوة اللون مع الوقت، والمعروف أن المسافة كلما ابتعدت بين الراصد والمرصود زاد الطول الموجي وبالتالي أصبح أكثر احمرارًا.

بداية الكون
توسع الكون

ونجد أن المجرات والنجوم -وأي جسم عمومًا- عندما يقترب منا يتحول لون الطول الموجي له إلى اللون الأزرق، وهو الطول الموجي للأشعة القادمة من الجسم، ولكن إذا كانت الأجسام البعيدة تبتعد فلماذا لا نقول أنها تبتعد فقط، وليس للكون علاقة بهذا الأمر؟ وهنا نذكر ما وجده هابل أيضًا وهو أن ابتعاد أي جسم عن الأرض يتم بمعدل ثابت وهو 73 كيلومترًا في الثانية لكل مليون فرسخ فلكي، وبما أن الابتعاد يتم بشكل متساوٍ عند مراقبة أي جسم، فهذا لا يعني أن الجسم يبتعد بل الكون هو الذي يتوسع.

اقرأ أيضًا:  اكيف غير تلسكوب هابل الفضائي تفكير البشرية بالفضاء

العالمان آرنو بينزياس وروبرت ويلسون والمكان الذي أكتشفوا فيه الإشعاع الكوني صدفة

آرنو بينزياس وروبرت ويلسون.. وقصة الأشعة الكونية

آرنو بينزياس وروبرت ويلسون هما عالمان أمريكيان كانا يعملان على تلسكوب ضخم بهدف دراسة الأشعة والموجات في الفضاء الخارجي، وذلك لأنهما على وشك إطلاق أقمار صناعية إلى الخارج، لذلك يجب التأكد من طريقة عمل الفضاء وأدق تفاصيله حتى لا تفشل الأقمار، وبالفعل قاما بتشغيل التلسكوب وكانت المفاجأة أن هناك موجات غير معروفة المصدر تشوش عليه.

تم تغيير أماكن العمل، وتم رفع راصد الموجات لأعلى وتم وضعه في أماكن خالية، لكن لا فائدة في كل مكان توجد موجات لا نعرف مصدرها، وظل الأمر غامضًا وغير مفهوم إلى أن وقع تحت أيديهم صدفةً ورقة علمية أو كما يقال مقال في صحيفة نيويورك تايمز، وهذه الورقة غيرت كل شيء.

رالف ألفر وروبرت هيرمان.. الكون بين الهيدروجين والهيليوم

لنعد خطوة إلى الوراء لفهم ما يحدث، إلى عام 1940 تحديدًا عندما لاحظ العالمان رالف ألفر وروبرت هيرمان ملاحظة مهمة وهي أن كوننا يتكون معظمه من هيدروجين وهيليوم، 75% من كوننا عبارة عن هيدروجين، و25% عبارة عن هيليوم، أما باقي عناصر الكون فهي تتواجد بنسبة ضئيلة جدًا، نسبة أقل من الواحد الصحيح، وهذه الملاحظة جعلتهما يقولان إن الكون كان في بدايته عبارة عن هيدروجين فقط، ومع الوقت بدأ الهيدروجين يتحول إلى هيليوم وذلك عند درجة حرارة 10 مليون كلفن، وبسبب توسع الكون كما قال إدوين هابل فإن الحرارة انخفضت مع الوقت وتوقفت عملية دمج الهيدروجين وتحويله إلى هيليوم.

بداية الكون
العالم جيم بيبلز المساهم في اكتشاف الكثير عن كوننا وبدايته، والحاصل على جائزة نوبل عام 2019

روبرت ديك وجيم بيبلز.. والفراغ الساخن

وصلنا إلى عام 1960 وما زالت أفكار رالف ألفر وروبرت هيرمان مجرد أفكار نظرية، وهنا أتى روبرت ديك وجيم بيبلز وقالا لو أن فكرة الهيدروجين والهيليوم صحيحة فلا بد أن الكون كان ساخنًا جدًا وما زالت درجة حرارته تنخفض حتى الآن، وبالحسابات وجدا أنه من المفترض أن تكون حرارة الفضاء “الفراغ” 3 كلفن، وبدأ العالمان بالبحث عن فراغ في الفضاء يمكنهما دراسة طوله الموجي ومعرفة حرارته وليتمكنا من إثبات نظرية تكوين الهيليوم من الهيدروجين أو تكذيبها.

اقرأ أيضًا: الطاقة المعتمة: إحدى أطرف وأغرب القصص في تاريخ الفيزياء

اكتشاف كبير من مكان غير متوقع

ظل العالمان روبرت ديك وجيم بيبلز يبحثان في الكون عن الأشعة التي يتوقعان وجودها، لكن لم يجدا شيئًا، ولم يحدث أي شيء جديد في أبحاثهما، لكن في الكواليس كانت أفكارهما التي تمت كتابتها على ورقة، هذه الورقة وقعت صدفةً في يد آرنو بينزياس وروبرت ويلسون، العالمان اللذان يريدان إرسال القمر الصناعي للفضاء، وبسبب هذه الورقة استطاعا فهم الأشعة التي لا يفهمان مصدرها، وبالفعل قاما بدراسة هذه الأشعة وعرفنا أن درجة حرارتها 2.7 كلفن أي قريبة من الرقم المتوقع وهو 3، وهكذا فاز هذان العالمان بجائزة نوبل، ولم يفز بها روبرت ديك وجيم بيبلز بالرغم من أنهما العنصر الأساسي في هذه القصة.

ظهور المادة.. بداية كل شيء

عند انفجار المتفرد، كانت درجة حرارة الكون مرتفعة جدًا، وكانت طاقة الكون الحالي بأكملها تتركز في حجم يكاد لا يذكر لكنه يحتوي على الكون بأكمله، في هذا الوقت كانت الطاقة تتحول إلى طاقة وطاقة مضادة، ومع الحرارة الكبيرة بدأت الكواركات في الظهور، وخلال الثانية الأولى كانت البروتونات الموجودة في الكون بأكمله قد تكونت، وبعدها استمرت الإلكترونات بالتشكل، وبعد أول ثلاث دقائق من عمر الكون كانت جميع عناصر الذرة قد تكونت، أما البروتونات فتوقفت بعد الثانية الأولى بسبب انخفاض درجة الحرارة التي تتكون عندها، وكذلك الإلكترونات التي توقف تكونها عند ثلاث دقائق.

صورة عن الثانية الأولى في الكون

أول خمسة عصور في عمر الكون.. أو الثانية الأولى

عند زيادة الحرارة والطاقة وصغر المكان والزمان بشكل يصعب تخيله، يجب أن نعرف أننا لا نتعامل مع أشياء تتشابه مع ما نراه اليوم، فالثانية الأولى فقط في عمر الكون تنقسم إلى خمسة عصور، العصر الأول هو عصر بلانك، والعصر الثاني هو عصر النظرية الموحدة العظمى، والعصر الثالث هو عصر الطاقة الكهربية الضعيفة، والعصر الرابع هو عصر الكواركات، والعصر الخامس هو عصر الهدرونات، كل عصر من هذه العصور له حرارة وطاقة ومكان ومواد مختلفة عن العصور الأخرى، عصور كانت تشمل الطاقة فقط، وعصور تشمل الطاقة والمادة، عصور تفوقت فيها المادة على المادة المضادة، عصور توسع فيها الكون ببطء، وعصور شهدت  توسعًا سريعًا وظهور الكثير من المادة، وكل هذه الأشياء التي نتحدث عنها هي عبارة عن ثانية فقط.

الهيدروجين والهيليوم وبداية ظهور الضوء

لم يكن من الصعب تكون الهيدروجين لأنه يتكون من بروتون واحد كما نعلم وهذا البروتون متوفر بالفعل، ولم يكن تكوّن الهيليوم صعبًا لأن درجات الحرارة في هذا الوقت كانت ما تزال مرتفعة مما يسمح بدمج بروتونات الهيدرجين وظهور الهيليوم، واستمرت هذه المرحلة 17 دقيقة، وبعدها كان الكون قد توسع أكثر وبالتالي انخفضت الحرارة أكثر مما جعل الهيليوم يتوقف عن التكون.

لكننا هنا ما زلنا نتعامل مع البروتونات فقط، لم تتكون الذرة بشكل كامل، وحتى تتكون الذرة وتجذب البروتونات الإلكترونات كنا نحتاج إلى درجة حرارة 3000 كلفن فقط، مما جعل الذرة الأولى تظهر بعد 240-300 ألف سنة من الانفجار، وهكذا تكونت ذرات الهيدروجين والهيليوم وبدأت الفوتونات بالظهور أو بمعنى آخر بدأ هناك ضوء في الكون.

بداية الكون
عن النجوم

تكون النجوم

يسهل أن نعرف بطرق الرصد المختلفة أن الكون لم يكن متجانسًا إلى حد كبير، وكانت هناك فروقات طفيفة في توزيع الحرارة والجاذبية، كانت الجاذبية مرتفعة في مكان مما يسمح له بجذب المادة من حوله، وتتراكم المادة وترتفع قيمة الجاذبية ما يسبب تراكم المزيد من المادة، وهكذا إلى أن تكون الظروف مناسبة تبعًا لقانون فيزيائي استنتجه العالم جيمس جينز، وفي هذه الظروف تتكون النجوم.

بداية الكون
الجدول الدوري

ظهور العناصر المختلفة

تختلف النجوم حسب درجات حرارتها وأحجامها، وكلما زادت الحرارة في نواة “لب” النجوم أصبحت هناك ظروف مناسبة لدمج أنوية الذرات المختلفة وتكوين عناصر جديدة، فمن تكون النجم الأصغر إلى النجم الأكبر أصبحنا نجد عدة عناصر قد تكونت وهي على الترتيب: الكربون، النيون، الأكسجين، السيليكون، الحديد.

توقف تكون العناصر في باطن النجوم عند الحديد، لكن النجوم لم تمت وكانت تنفجر في نهاية عمرها في ظاهرة شهيرة تعرف باسم المستعر الأعظم “supernova”، وفي هذه المرحلة كانت تتكون عناصر جراء قوة الحرارة والانفجار ومن الأشعة الكونية عالية الطاقة التي تقسم أنوية الذرات وتساعد في خلق عناصر أخرى.

بداية الكون
الكون من الانفجار العظيم إلى الآن

من المتفرد إلى عالمنا

بنهاية الفقرة السابقة يكون الكون قد انتهى من تكوين جميع العناصر المتواجدة حاليًا، لكن النجوم لم تساعد في خلق العناصر فقط، بل نجد أنها ساعدت في خلق ما نعرفه في الكون عند انفجارها، فقد يتحول النجم إلى ثقب أسود بعد انفجاره إذا كان في غاية الكبر، لكن هناك نجوم أصغر عندما تنفجر تنتشر أجزائها في الفضاء وهذه الأجزاء تكون الكواكب، وإذا كانت قريبة من نجم تخضع حينها لجاذبيته حسب قوانين أينشتاين ونجد أن هناك مجموعة شمسية، وبعد تكون عدد كبير من المجموعات الشمسية نجد أن هناك مجرة قد تكونت، وهكذا ظهر في هذا الكون الضخم المجرات، والكواكب، وجميع العناصر المعروفة.

وهكذا أكون قد انتهيت من عرض التفاصيل التي توصل إليها العلماء الخاصة ببداية كوننا بداية من المتفرد الذي يصعب تخيل حجمه، وصولًا إلى كل شيء نعرفه، بالطبع هناك أسطر في هذا المقال خلفها سنوات من العمل والكثير من القوانين الفيزيائية، لكني حاولت تبسيط الأمر قدر المستطاع، ويجب أن نعرف أننا أحيانًا نتعامل مع أرقام صغيرة جدًا سواء في المكان أو الزمان أو الطاقة، وأحيانًا أخرى نتعامل مع أرقام كبيرة جدًا مثل عمر الكون الذي يقدر بـ 13,7 مليار سنة.

لا يسعني الإلمام بتفاصيل الكون ودقائقه من بدايته إلى الآن في مقال واحد، لذلك يمكن اعتبار هذا المقال هو الخطوة الأولى في عالم رائع عن كوننا يجب أن نبحر فيه.

وختامًا قد يتساءل أحدهم ماذا كان قبل المتفردة؟ قبل المكان والزمان، وهنا أذكر إجابة العالم ستيفن هوكينج، قبلهم لم يكن هناك شيء، قبل المكان والزمان قبل “الشيء” لم يكن هناك “شيء” وإلى الآن لا نملك نحن البشر أي إجابة أخرى.

اقرأ أيضًا: كل شيء عن نظرية كل شيء

0

شاركنا رأيك حول "كيف ظهر كل شيء: حكاية بداية الكون على طريقة البوب ساينس"