النسبية والتخلي عن فكرة الأثير
0

والآن كنا قد رأينا في مقالاتنا السابقة بأنه لا يمكن لنا قياس سرعتنا لدى المكان المطلق من خلال التجارب الميكانيكية نتيجةً لمبدأ النسبية الغاليلي. ولكن الآن بات لدينا طريقة جديدة من خلال الأمواج الكهراطيسية، فمعادلات ماكسويل في الخلاء تتنبأ بأن الضوء ينتشر بسرعة مقدارها 300 ألف كم/ثا. فبالنسبة لمن يتحرك بهذه السرعة؟

كان الجواب الطبيعي أنه بالنسبة لمراقب ساكن في الأثير، وبالتالي أصبح لدينا مفهوم للسرعة المطلقة نستطيع الحصول عليه من خلال الأمواج الكهرطيسية. سأشرح الآن كيف يمكننا باستخدام قوانين الكهرطيسية أن نقيس سرعة حركتنا في الأثير.

 تجربة مايكلسون ومورلي

تخيل نفسك تقف على سطح سيارة وهذه السيارة ساكنة، عندها لنفرض أنك أصدرت صوتاً ما وانتشر على شكل موجة في جميع الاتجاهات، سيكون لهذا الصوت نفس السرعة بالنسبة لمراقب ساكن على الطريق، لكن بمجرد أن تبدأ السيارة بالحركة فإن الأمواج الصوتية التي تتحرك بجهة حركة السيارة ستُضاف إلى سرعتها سرعة السيارة، في حين أن الأمواج التي تتحرك بعكس حركة السيارة فستطرح من سرعتها سرعة السيارة.

وهذا الأمر في الواقع هو المسؤول عن مفعول دوبلر§ في الصوت، الذي يجعل من السيارات المقتربة منا يبدو صوتها بأنه حاد في حين أنها عندما تبتعد يصبح صوتها ثخيناً. لأن طول الموجة التي تصل إلينا، والذي يتعلق بسرعتها، من أجل تواتر معين سيكون مختلفاً في الحالتين نتيجة اختلاف السرعة ولقد ظن الفيزيائيون بأن نفس الأمر سينطبق على حالة الضوء. وكانت هذه هي الفكرة الكامنة خلف تجربة مايكلسون ومورلي§ وهي تجربة تعتمد على قياس سرعة الضوء في اتجاهين متعامدين، حيث ستختلف سرعة الضوء عليهما نتيجة حركة الأرض ضمن الأثير.

النسبية والتخلي عن فكرة الأثير

ففي النهاية نحن نعرف أن الشمس بتقريب جيد جداً هي مراقب عطالي في حين أن الأرض تدور حول الشمس وهي خاضعة لقوة الجاذبية فهي ليست مراقباً عطالياً. بالتالي حتى لو كانت ساكنة بالنسبة للأثير في لحظة ما فلن تبقى كذلك في لحظة أخرى. ومن خلال اختلاف سرعة الضوء في الاتجاهين المتعامدين يمكن أن نعرف سرعة الأرض في الأثير، إلا أن النتائج كانت مذهلة، فالضوء كان يتحرك بنفس السرعة في الاتجاهين. وهذه كانت نتيجة صادمة وكارثية للغاية، فكيف يمكن ذلك؟

محاولات إنقاذ الأثير

هنا حاول الفيزيائيون أن يفسروا ذلك من خلال عدة طرق، أولها هي أنه على عكس الشخص الواقف على السيارة أثناء حركتها، لو كان الشخص موجوداً ضمن السيارة والهواء ضمن حجرة السيارة يتحرك مع السيارة، فسرعة الصوت ستكون في الاتجاهين، سواء باتجاه الأمام أو الخلف أو في أي اتجاه هي نفسها. ما يميزه هنا عن الشخص الذي يكون واقفاً في الأعلى هو أن الهواء يتحرك مع السيارة في حالته، فهل يمكن أن يحصل شيء مشابه للأثير؟ هل يمكن للأثير أن يتحرك مع الأرض؟

كي يتحرك الأثير مع الأرض هذا يعني بأن الأرض يجب أن تجرّه معها بطريقة ما وبالتالي أن يمتلك لزوجة غير معدومة على عكس ما رأينا في المرة السابقة. ولو تمت ملاحظة ذلك، لكان ذلك تفسيراً معقولاً للماذا نلاحظ سرعة الضوء نفسها في تجربة مايكلسون ومورلي في الاتجاهين المتعامدين. إلا أن وجود لزوجة للأثير، يمكّننا من تصميم التجارب لاكتشافها، فهل حصل ذلك حقاً؟ في الواقع، تبين أن هذه التجارب التي أجريت لم تتمكن من اكتشاف ذلك، مما أوقع الفيزيائيين في حيرةٍ كبيرةٍ§.

الأثير

هذا ما دفع البعض كلورنس وفيتسجيرالد§ إلى افتراض بأن الأجسام تعاني من تقلص باتجاه الحركة أثناء حركتها في الأثير. وقد افترضا وجود هذا التقلص كي يفسرا حقيقة أن سرعة الضوء يجب أن تبقى نفسها. إلا أنه كان حلاً اصطناعياً ولا أحد يعلم لماذا وما هو السبب الذي سيجعل هذه الأجسام تعاني من التقلصات باتجاه الحركة في الأثير. هنا كانت الفيزياء حقاً في مشكلة كبيرة!

وفي خضم كل تلك المعمعة كان هناك شاب يفكر في الموضوع بطريقة مختلفة تماماً، وهذا الشاب هو آلبرت آيشنتاين. لقد قارب آينشتاين المسألة من خلال إعادة النظر في مبدأ النسبية لغاليليو (وللتذكير فهو ينص على أن قوانين الميكانيك هي نفسها لدى جميع المراقبين الغاليليين). فما الذي كان يثير اهتمام آينشتاين بالضبط حول هذا المبدأ؟

مبدأ النسبية الحديث

لقد تخيل آينشتاين القيام بالعديد من التجارب الذهنية البارعة§. مثلاً تخيل حلقة ومغناطيساً وأن الحلقة هي ساكنة في الأثير في حين أن المغناطيس يتحرك باتجاه الحلقة حركة مستقيمة منتظمة. لاحظ آينشتاين أنه وفقاً لمعادلات ماكسويل التي تحدثنا عنها سابقاً، فإن تغير الحقل المغناطيسي ضمن الحلقة مع اقتراب المغناطيس سيؤدي إلى تولد تيار كهربائي ضمن هذه الحلقة (وهذا وفقاً لقانوني فاراداي ولنز كما رأينا). وتغير الحقل المغناطيسي سيؤدي إلى تولد حقل كهربائي متغير يؤثر على الإلكترونات ضمن الحلقة الناقلة بقوة كهربائية فيؤدي إلى توليد تيار كهربائي.

الحث الكهرومغناطيسي

بينما لو كان المغناطيس هو الساكن في الأثير والحلقة هي التي تتحرك حركة مستقيمة منتظمة بنفس السرعة التي اعتبرنا المغناطيس كان متحركاً بها ولكن باتجاه معاكس حيث تقترب من المغناطيس، لخضعت الإلكترونات ضمن الحلقة الناقلة (بما أنها تتحرك في حقل مغناطيسي) لقوة لورنتس التي تحدثنا عنها سابقاً وهي قوة مغناطيسية. وستؤدي هذه القوة المغناطيسية إلى تولد تيار كهربائي في الحلقة.

إذاً نلاحظ أن المفعولين مختلفين، ففي أول حالة تولدت قوة كهربائية تؤثر على الإلكترونات في حين أنه في ثاني حالة فقد تولدت قوة مغناطيسية. ولكن المهم هو أن ما نلاحظه رصدياً أي التيار هو نفسه في الحالتين، أي أنه لا يمكننا أن نكتشف بتجربة من هذا النوع هل الحلقة هي التي تتحرك في الأثير أم أن المغناطيس هو الذي يتحرك ضمنه. ومن خلال عدة تجارب ذهنية مشابهة، لاحظ آينشتاين أنه حتى بتجارب كهرطيسية لن نستطيع اكتشاف الحركة المستقيمة المنتظمة بالنسبة للأثير. مما جعل آينشتاين يستنتج بأن قوانين الكهرطيسية إذاً يجب أن تكون نفسها لدى جميع المراقبين الذين يتحركون حركة مستقيمة منتظمة أو يكونون ساكنين في الأثير.

فإذا كانت كل من قوانين الكهرطيسية وقوانين الميكانيك نفسها، وفي ذلك الزمن كان هذا المعروف في الفيزياء فقط، فقال آينشتاين إذاً لماذا لا نعمم ونقول: جميع قوانين الفيزياء تكون نفسها بالنسبة للمراقبين الغاليليين أو المراقبين العطاليين؟ لقد وضع آينشتاين هنا مسلّمة جديدة عمم فيها مبدأ النسبية لغاليليو وأصبحت تُعرف بمبدأ النسبية الحديث، الذي يقول أنّ جميع قوانين الفيزياء هي نفسها بالنسبة للمراقبين العطاليين.

ولكن إذا كانت قوانين الفيزياء هي نفسها بالنسبة للمراقبين العطاليين، فلا داعي لتمييز أحد هؤلاء المراقبين على الآخرين لأنهم جميعاً متكافئون، وبالتالي لم يعد هناك حاجة لاختيار مراقب متميز عن الآخرين كالمكان المطلق أو الأثير أو ما إلى هنالك. وهنا صُعق آينشتاين بأنه إذا قبلنا مبدأ النسبية الحديث، فسيسقط مفهوم المكان المطلق، وبالتالي لن يعود هناك حاجة لمفهوم الأثير كشيء يعيضنا عن المكان المطلق، لا سيما أن آينشتاين كان قد بين في نفس العام (عام 1905) أن الضوء في حد ذاته مكون من جسيمات صغيرة تدعى فوتونات. وبالتالي كما أن كرة البلياردو لا تحتاج لانتشارها في الخلاء إلى وسط تهتز ضمنه، كذلك الضوء إذا كان مكوناً من هذه الجسيمات لا يحتاج إلى وسط يهتز عبره، وبالتالي هذا الأمر يمكننا من استبعاد مفهوم الأثير مرة وإلى الأبد!

خاتمة

لقد قلب آينشتاين الطاولة وفكّر بطريقة مختلفة جذرياً عمن سبقوه، فهل سيتمكّن يا ترى من إخراج الفيزياء من تلك المعضلة الهائلة التي كانت واقعةً فيها في عام 1905؟ هذا ما سنراه في المقال القادم.

0

شاركنا رأيك حول "كيف قلب أينشتاين الطاولة على من سبقوه: مبدأ النسبية الحديث والتخلي عن فكرة الأثير"