القطط
0

لم أكن من المهتمين كثيرًا بمحتوى يوتيوب حول الحيوانات الأليفة، وانحصرت اهتماماتي عليه في ما يخص المحتوى الخاص بالحياة البرية والوثائقيات التي تنتجها المنصات الشهيرة عن الحيوانات. ولكن مؤخرًا، بدأت بالاهتمام بالمحتوى الشبكي الخاص بالحيوانات، خاصة القطط وبشكل أقل للكلاب، وفوجئت من الانتشار الهائل لكل فيديو أهم بالنقر عليه ومشاهدته؛ حتى وصلت بعض التقديرات أنه تتم مشاركة أكثر من 3 مليون صورة للقطط يوميًا أي ضعف عدد صور السيلفي. ما دفعني إلى البحث لفهم سبب هذا الانتشار الواسع، ومعرفة ما الذي يخبرنا عن الإنسان أو عن أنفسنا.

بمعزل عن المزايا والعيوب أو القطط كآلهة

يستطيع أي مطلِّع على الفن الفرعوني المنقوش على جدران المعابد والآثار الفرعونية التعرُّف على منقوشات القطط، والاستغراب من وجودها جنبًا إلى جنب مع منقوشات الآلهة والثواب والعقاب. اعتقد قدماء المصريين أن القطط مخلوقات سحرية، قادرة على جلب الحظ لمن يعتني بها ويقتنيها، بل وصل بهم الاهتمام إلى وضع القطط في أثواب شبه بشرية وتزيينها بالحلي والجواهر، وتحنيطها إذا توفيت.

القطط
نقوش لقطة فرعونية

إذا قررت أن تقتني قطة، وبدأت بالبحث على يوتيوب أو قراءة المقالات الخاصة بالقطط، ستجد في الصف الأول من المقالات تلك التي تتحدث عن مزايا وعيوب القطط، موضحة مزاياها ككائنات لطيفة تبعث على البهجة في المنزل وتساعد على التغلب من الوحدة، والعيوب التي تتمثل في الإزعاج والحاجة إلى الرعاية المستمرة وإفسادها للأثاث بمخالبها وتكلفة الاعتناء بها غذائيًا وطبيًا، فكيف تحولت القطط من كائنات مقدسة عند المصريين القدماء إلى كائنات يربيها المرء لأنها لطيفة وتبعث على البهجة؟

استئناس الحيوانات، علاقة مطردة

لاحظ عالم الأحياء وواضع حجر الأساس لنظرية التطور تشارلز داروين عددًا من الصفات في سلالات الحيوانات المستأنسة جعلتها مختلفة عن أسلافها من الحيوانات في شجرة التطور. كما كان داروين أول من لاحظ الاختلافات بين التهجين الانتقائي الواعي الذي يقوم فيه البشر بانتقاء صفات مرغوبة، والانتقاء غير الواعي الذي تقوم به الطبيعة. لوحظت الاختلافات الجينية في الصفات التي استطاع الإنسان اختلاقها في الحيوانات المستأنسة، والتي اعتقد الباحثون أنها كانت ضرورية في المراحل الأولى من الاستئناس.

يُعرَّف الاستئناس بأنه علاقة مستدامة بين كائنين يؤثر أحدهما على الآخر بدرجة كبيرة في التناسل وتأمين المأوى والغذاء، كعلاقة ممتدة على مدار أجيال متعددة. يُعتبر الكلب أول هذه الحيوانات التي استأنسها الإنسان، واستطاع تحييد الصفات المفترسة فيه لصالحه، وترويضه ليعيش بجانب الإنسان بأريحية. كانت الغايات التي أرادها الإنسان من استئناس الكلب واضحة، حماية قطيع الحيوانات من الحيوانات المفترسة الأخرى، وحماية الإنسان نفسه منها.

كان للقطط قصة مختلفة قليلًا، فبينما استطاع الإنسان تحويل الكلب من حيوان بري مفترس إلى حيوان أليف يدافع عنه وعن مقتنياته، لم تتخلص القطط من صفاتها البرية تمامًا، بل على العكس، احتفظت بها وإن كانت تظهرها في المنزل لا الصحراء. إذا قمت بمشاهدة أي فيديو عن القطط وقارنته بالكلاب، فإن القطط تبدو لامبالية بأصحابها، لا تلعب معهم كثيرًا، ولكنها تثار لمجرد رؤية الليزر، أو طرف الخيط، أو سماعة الهاتف الذكي.

كانت القطط للإنسان حيوانًا مستأنسًا، ولكنها لم تكن حيوانًا أليفًا. فقد استغل الإنسان صفاتها البرية من حيث المطاردة والصيد لحماية محصولاته من القوارض والفئران، لكن القطط في المقابل، لم تتخلَّ عن تلك الصفات البرية عند التعامل مع الإنسان، وكانت سر جاذبيتها لدى الإنسان. واستمرت تلك الطباع حتى الآن؛ إذ تشير دراسة أن القطط تقتل آلاف الحيوانات سنويًا، أو ما يعادل 1.4 مليار طائر سنويًا. بل إن تلك الصفات البرية نفسها، كالمطاردة والصيد تمثل جزءًا من محتوى الإنترنت الخاص بالقطط.

اقرأ أيضًا: خمسة أطعمة للبشر تستطيع القطط أكلها وخمسةُ أخرى لا يمكن مشاركتها!

التحول من المنفعة إلى التسلية

إذا دخلت مع شخص ما في نقاش وأخبرته أنك تربي غنمًا لأنك تشعر أن الغنم كائنات لطيفة، لربما أثرت استغرابه. وعلى النقيض، تُربى القطط لأنها كائنات لطيفة بصورة أساسية🤨 على الرغم من تكلفتها المادية، مسؤولية الاعتناء بها، رغبتها الملحة في التناسل، جرحها المستمر ليديك بمخالبها، تظل القطط كائنات لطيفة رغم كل ذلك.

لقد كان لاستئناس الحيوان قديمًا غايات ملموسة، فالكلاب للحفاظ على القطيع، والغنم للطعام واللحم، والقطط قديمًا كانت لحماية المحصول من القوارض والفئران. أما الآن، فالقطط تمثل موضوعًا للمحتوى الترفيهي على الإنترنت، تحولت القطط من الحيوانات الصيادة الماهرة إلى مصدر للتسلية ومتعة المشاهدين، حتى بلغت مشاهدات فيديوهات القطط وصغارها على يوتيوب ملايين المشاهدات.

ليست عملية صناعة التسلية بظاهرة جديدة على وسائل الإعلام المعاصرة، ويوتيوب ليس استثناءً عن هذه الصناعة. يشير المنظر الاجتماعي الألماني ثيودور أدورنو وزميله بمدرسة فرانكفورت ماكس هوركهايمر في كتابهما «صناعة الثقافة»، أن المحتوى الثقافي في النظم الرأسمالية تدور حول استلهام التسلية. فقد تحولت قيم عصر التنوير كالعقل والنظام إلى التسلية والاستهلاك.

القطط

يرى أدورنو وهوركهايمر أن صناعة التسلية على المستويات الكبرى، مثل الأفلام وبرامج المقالب الترفيهية، تهدف، بطبيعتها، إلى جذب جمهور واسع من المتابعين، لتحقيق غرضها الأساسي وهو الربح، وبالتالي تتسم بصفة التأثير الفكري للفن الراقي والانتشار الواسع للفن الشعبي. تفترض صناعة التسلية جمهورًا سلبيًا، يتلقى ما يُقدم إليه ويستهلكه، دون أن يشارك بصورة إيجابية لنقد أو تفنيد ما يُقدَّم إليه من محتوى يُفترض أن يكون ثقافيًا.

وبافتراض سلبية المشاهد، ستتحول تلك السلبية بطبيعة الحال إلى أسلوب للحياة، وحينما يتحول هذا المشاهد السلبي إلى صانع محتوى على منصات التواصل الاجتماعي، وإلى متلقي لمحتوى القطط على الإنترنت، سيميل إليها بكل تأكيد؛ لأنها مألوفة لديه، مثل أي محتوى تعرَّض إليه يهدف إلى التسلية في المقام الأول.

اقرأ أيضًا: لعشاق القطط: إليك أفضل أنواع القطط المنزلية!

القطط في الميمز، الافتراضات النفسية والعلمية

لاحظت الدكتورة جيسيكا مريك غزو فيديوهات القطط المسلية، وبدأت بالتساؤل عنها. أجرت في ذلك دراسة للإجابة على التساؤلات على 7 آلاف مستخدم للإنترنت. كان الغرض من الدراسة تقييم ردود أفعال المشاهدين لتحديد سبب رغبتهم في مشاهدتها في المقام الأول. أجريت الدراسة في كلية الإعلام في جامعة إنديانا.

اعترف المشاهدون أنهم يشعرون بحالة نفسية أفضل بعد مشاهدة تلك الفيديوهات، يشعرون بالطاقة والحماس لاستكمال العمل. لم تكتف الدكتورة جيسيكا بتلك الإجابات التي أدلى بها المشاهدون، بل استنبطت أن مشاهدة تلك الفيديوهات ربما يندرج تحت نوع من العلاج النفسي يُسمى بالعلاج الحيواني؛ وهو الذي يسعى فيه المرء إلى العلاج عبر استخدام الحيوانات.

تقول المحاضرة في الدراسات الإعلامية في جامعة ماسي في نيوزيلاندا، رادها أوميرا: «تبدو فيديوهات القطط أكثر شعبية عندما لا تدرك القطة أنها مراقبة بالكاميرا، أظن أن هذا يبدو محببًا للجمهور المعتاد على المراقبة بالكاميرات تلك الأيام» ترى أوميرا أن انتشار محتوى القطط على الإنترنت يشير إلى رغبة الإنسان في الحرية، في عدم الخضوع للمراقبة والكاميرات في كل مكان، بدءًا من المرور إلى محلات الخضروات، كما أنها تنطوي على سبب آخر، وهو أنه يقوم بتصويرها دون أن تنزعج أو تتذمر أو يخترق خصوصيتها، فهي تستمر باللعب ولا تبالي، كعادتها.

على صعيد آخر، يطلق كثير من مربي القطط عليها صفات إنسانية، في نوع من «الأنسنة» أو ما يُعرف بـanthropomorphism أو إطلاق الصفات الإنسانية على كائنات أخرى غير الإنسان. تتمثل تلك الصفات في الحب والمشاعر، فيرى الشخص أن تلك القطة تحبه لأنها حاولت التمسُّح به، ولكنها في الحقيقة تقوم بذلك لتمييزه برائحتها. هذه الأنسنة تؤهل الإنسان إلى الشعور بالعاطفة في كائن لن يتمكن من معرفة حقيقة ما يدور في رأسه، بل سيفسر كل سلوكياته تبعًا لتفكيره هو، كما يريد ويرغب، وسيكون الجرح الذي تسببه مخالب القطة لعبًا، بينما ستكون خربشة طفل الإنسان عداءً، وبهذا يستطيع الإنسان الشعور بتلك العواطف دون أن يجد ما ينفيها.

القطط
القطط

في كل الأحوال، فإن القطط كائنات لطيفة بالفعل، وربما تكون تربيتها مسلية ومساعدة لبعض الأشخاص على الشعور بالسلام النفسي والاستمتاع بشعور العناية بكائن آخر، لكن الاهتمام بها يخبرنا أمورًا عن أنفسنا كأفراد وعن المجتمع الذي نعيش به ككل، كان هذا المقال محاولة للحوار عن تلك الأفكار، فهل لديك أفكار أخرى؟

اقرأ أيضًا: كيف تساعد الحيوانات الأليفة على تحسين الصحة النفسية لأصحابها؟

0

شاركنا رأيك حول "القطط تحكم الإنترنت😸: ماذا يخبرنا انتشارها عن الإنسان ومفهومه الكيفي عن الاستئناس؟"