0

لست هنا لسرد قصة حياة أينشتاين، وإنما لتوضيح خطأ شائع بشأنه. إذ يعتقد أغلب الناس أنه كان فاشلًا، ويواسي الكثيرون أنفسهم باخفاقه، مبررين أنّ فشلهم أمر عادي لم يسمُ عنه العلماء العظماء. لا أعارض ذلك، لكن أردت فقط توضيح حقيقة أساء الناس فهمها. وبالمناسبة، لا بأس من المواساة بفشل العظماء والنظر لإخفاقات الآخرين ونجاحاتهم بعد ذلك لنتعلم أنّ التعثر أمر طبيعي. لننظر في الخطأ الشائع حول أينشتاين.

اقرأ أيضًا: لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدّم غيرهم؟ تحليل لركائز الكبوة كما رآها شكيب أرسلان

تأخر الكلام ومشكلة النطق عند أينشتاين الطفل

أينشتاين

“كان أبواي قلقين لدرجة أنهما استشارا طبيبًا”

كانت هذه عبارة رجل حجز مقعده في التاريخ العلمي بجانب إسحاق نيوتن وجاليليو، أولئك العظماء الذين ساعدونا في فهم العالم والكون الفسيح من حولنا. كثير منا نحن العامة لا يفهم معنى هذه المعادلة (E = mc²)، لكن عند طرحها في حضرة العلماء والباحثين، تُرفع القبعة إحترامًا لصاحبها الذي أظهر لنا حقيقة الكون. أو بعبارة أخرى، اختصر الطريق بعقله العبقري في ظل حقبة تاريخية كانت الإمكانات العلمية فيها محدودة. استطاع صاحبنا تخطي هذا بعقله وخياله الواسع. كيف لا وكان يقول: “الخيال أهم من المعرفة”. إنه ألبرت أينشتاين.

في كتاب “أينشتاين، حياته وعالمه” يذكر المؤلف “والتر إيزاكسون” أنّ أينشتاين كان بطيئًا في تعلم الكلام، حتى إنه إذا أراد قول شيء همسه بصوت خفيض ثم يَنطقه بصوت عالٍ. وفي هذا الصدد تقول أخته مايا: “كان يكرر في نفسه بصوت خفيض كل جملة ينطق بها، مهما كانت معتادة ويحرك بها شفتيه.. كان الأمر مقلقًا جدًا، فقد كان يعاني صعوبة بالغة في الكلام لدرجة أننا خشينا ألا يتعلم أبدًا”.

رأى أينشتاين أنّ بطء تطور الكلام عنده قد أتاح له الفرصة للتفكير في الظواهر التي لا يلتفت إليها الآخرون، وفي إحدى المرات قال:

“عندما أسأل نفسي، كيف اكتشفت – أنا دون غيري – نظرية النسبية، يبدو لي أنّ السبب يرجع إلى الظرف الآتي: إنّ الشخص العادي لا يشغل ذهنه قط بمسائل المكان والزمان، فقد شغلت ذهنه هذه الأمور عندما كان طفلًا، لكن نموي كان بطيئًا حتى إنني لم أتساءل حول المكان والزمان إلا بعدما كبرت، وبالتالي بحثت في المشكلة بحثًا أعمق من الطفل العادي”. 

ربما كان أينشتاين يبالغ في مسألة تأخر الكلام لديه، فقد وصفه جداه بالذكاء وكان طفلًا محبوبًا. وتشير المصادر إلى أنه كان يميل إلى التفكير بالصور أو التخيل. حتى إنه قال لطبيبه النفسي ذات مرة: “نادرًا ما أفكر بالكلمات، فالفكرة تأتيني، وقد أحاول التعبير عنها بالكلمات فيما بعد”.

في عام 2003، ذكرت هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) أنّ الباحثين في جامعتي أكسفورد وكامبريدج يعتقدون أنّ أينشتاين وإسحاق نيوتن قد أظهرا علامات لمتلازمةِ أسبرجر في سن الطفولة، ومتلازمة أسبرجر هي عبارة عن اضطراب في طيف التوحد، ويعاني صاحبه من مشكلات فيما يتعلق بالتفاعل الاجتماعي.

اقرأ أيضًا: بشأن تحدي الانطباع الأول وإغراق الميديا بالزيف: هل أينشتاين هنا أبله كما يبدو؟

في الصمت مبدعون

أينشتاين

كان أينشتاين يُفضل العزلة والصمت، كما أظهر قدرة فائقة على التركيز، فقد ذكرت شقيقته مايا أنه كان ينسحب بنفسه إلى الأريكة حتى في وجود ضجة كبيرة، ويضع المحبرة على مسند الكرسي وينغمس في حل مسألة. وفي هذا الصمت أطلق العنان لخياله وإبداعه وأصبح واحدًا من عباقرة التاريخ. وعن أمر تأخر كلامه، فربما كان قادرًا على التحدث ولكنه يفضل الصمت للتركيز مثلًا.

بالرغم من تصريحاته عن تأخر كلامه، يُعتقد بأنه يبالغ بذلك. ففي سن الثانية أو الثالثة، استطاع التحدث بجمل كاملة. وفي سن السابعة، أشادت أمه بدرجاته الدراسية، مما يعني أنه كان طفلًا ذكيًا كما ذكر جداه. وفي سن الثالثة عشر، انخرط في أعمال الفلاسفة وقراءة كتب عالم الطبيعة الإنجليزي تشارلز داروين. إذًا، الأمر لا يتعلق بتأخر النمو كما قيل عنه، ربما بطريقة تفكيره المختلفة. ونظرته للأشياء من زاوية لا يراها الآخرون.

صدق أو لا تصدق.. أعظم الرياضيين يرسب في الرياضيات

تفيد الشائعات بأنه فشل في اختبار الرياضيات في الصف الرابع، وهذا غير صحيح. وانتشرت رواية أنه قد رسب في مادة الرياضيات في عدد كبير من الكتب وعلى مواقع الإنترنت المختلفة وكأنها نوع من المواساة لأولئك الطلاب الذين يخفقون في أداء الاختبارات. لكن على العكس تمامًا، لقد كان أينشتاين متمكنًا من الرياضيات بدرجة تفوق احتياجات المدرسة التي التحق بها😲.

كان يميل إلى حل المسائل المعقدة في الرياضيات التطبيقية في سن الثانية عشرة، ولاحظ أبواه هذا الاهتمام وأحضرا له كتب في هذا المجال، وكان ينهمك أيامًا طويلة في حل المسائل الرياضية ودراستها جيدًا، حتى إنه كان ينسى اللعب مع أقرانه ويفضل الجلوس بين كتبه ومسائله وحاول أيضًا استنباط نظرية رياضية خاصة به. حسب قول أخته مايا. والأدهى من ذلك كله، أنه في الأساس أراد أن يصبح عالم رياضيات!

صورة لعلامات آينشتاين في المدرسة.

في عام 1935، عرض حاخام يهودي على أينشتاين جزءًا من عمود “ريبلي صدق أو لا تصدق” وفيه معلومة “أعظم الرياضيين يرسب في الرياضيات“. فضحك أينشتاين وقال: “لم أرسب قط في الرياضيات، وقد أتقنت حساب التفاضل والتكامل قبل أن أبلغ الخامسة عشرة”. وعندما كان أينشتاين في الخمسين من عمره، انتشرت قصص فشله في الثانوية، مما دفع مدير المدرسة وقتها إلى نشر بيان درجاته التي تُظهر تفوقه.

كيف ظهرت قصة فشل أينشتاين الرياضي إذًا؟

بنفس الطريقة التي تظهر بها الكثير من المفاهيم والأخطاء الشائعة الأخرى مع بعض المبالغة وأنصاف الحقائق لإثارة الجدل فقط. في البداية، ذهب أينشتاين لأداء اختبارات القبول لمدرسة البوليتكنيك في زيورخ، ولأنه أينشتاين، فقد أدى اختبارات الرياضيات بتميز، لكنه كان أصغر من المتقدمين بعامين، إضافة إلى قلة شغفه بالمواد غير العلمية فلم يُقبل، والتحق بمدرسة أرغاو ثم التحق بمدرسة البوليتكنيك بعدها بعام ونصف أو عامين.

كان نظام العلامات مختلفًا، إذ كانت تشير علامة 1 إلى أعلى درجة، بينما علامة 6 هي أدنى درجة. في عام أينشتاين الأخير بمدرسة أرغاو، تغيّر النظام، ليصبح 1 أدنى علامة و6 أعلى علامة. هل رأى أحدهم هذه العلامات وفسرها بشكلٍ خاطئ؟ حسنًا، ربما هذا الذي حدث. لكن الأكيد، أينشتاين لم يكن فاشلًا.

اقرأ أيضًا: الحياة المنسية لميليفا ماريتش، الزوجة الأولى لألبرت أينشتاين

0

شاركنا رأيك حول "لمن يواسون أنفسهم بعثرات العظماء.. أينشتاين لم يكن فاشلًا كما يظن الكثيرون"