النسبية الخاصة
0

رأينا في المرة السابقة، كيف أدّت المحاججات التي قام بها أينشتاين إلى تخلّيه عن مفهومي المكان المطلق والأثير، وذلك من خلال صياغته لمبدأ النسبية الحديث. وسنتابع في هذا المقال مع أينشتاين أفكاره التي قادته إلى اكتشاف النسبية الخاصة، إحدى أجمل تحف الفيزياء بحقّ.

ماذا يحل بمفهوم المراقب العطالي؟

إن مبدأ النسبية الحديث يقودنا مباشرةً إلى مشكلة واضحة سنبينها فيما يلي.

لقد كنا عرفنا المراقب العطالي بأنه المراقب الساكن أو الذي يتحرك حركة مستقيمة منتظمة بالنسبة للمكان المطلق، ولكن بزوال المكان المطلق، فكيف سنعرّف المراقب العطالي إذاً؟

هنا رأى آينشتاين أن حل هذه المشكلة يكون بقلب الطاولة، وأن نقول بأن المراقب العطالي هو المراقب الذي تصح لديه قوانين نيوتن. أي بدلاً من أن نقول أن قوانين نيوتن تصح لدى مجموعة خاصة من مراقبين محددين هم المراقبون العطاليون، أصبح القول بالعكس، وهو أن المراقب العطالي هو المراقب الذي تصح لديه قوانين نيوتن. وبهذا الشكل تخلص آينشتاين من فكرة المكان المطلق بنجاح. علماً أننا سنكتشف لاحقاً أن خفة اليد هذه (إذا جاز التعبير) والتي قام بها آينشتاين فيما يخص المراقب العطالي، ستترك الأمور معلقة تماماً في بعض المسائل التي سنناقشها لاحقاً والتي لم تُحل بشكل نهائي إلا في النسبية العامة، كما سنناقش أيضاً فيما بعد.

مبدأ النسبية الحديث ومعادلات ماكسويل

رأى آينشتاين§ أنه إذا كان مبدأ النسبية الحديث صحيحاً، فقوانين الكهرطيسية ستكون نفسها لدى جميع المراقبين العطاليين، وبالتالي فمعادلات ماكسويل سيكون لها نفس الشكل لدى جميع هؤلاء المراقبين. فإذا كان الحال كذلك، فمعادلات ماكسويل في الخلاء تتنبأ بأن الضوء ينتشر بسرعة ثابتة محددة، وهذا يعني أن معادلات ماكسويل بحد ذاتها ستتنبأ إذا قبلنا مبدأ النسبية الحديث بأن سرعة الضوء يجب أن تكون نفسها لدى جميع المراقبين العطاليين.

إن هذا كشف عظيم للغاية، إذ أن النتيجة التي ظن الجميع أنها سلبية وهي أن سرعة الضوء هي نفسها لدى جميع المراقبين تنتج كنتيجة طبيعية لمبدأ النسبية الحديث. ولكن مهلاً علينا الانتظار، هل الأمر حقاً بهذه البساطة؟ هل يُعقل لشي ما أن يتحرك بنفس السرعة لدى جميع المراقبين؟ إن هذا يخالف مفهوم الزمان المطلق عند نيوتن وغاليليو. فوفقاً لمفهوم الزمان المطلق، نستطيع استنتاج قانون جمع السرعات المألوف، الذي يدعى بجمع السرعات الغاليلي والذي سأبسطه بالشكل التالي:

إذا كنت راكباً على سطح قارب، ولنقل أن هذا القارب يتحرك من الجنوب إلى الشمال بسرعة 40 كم/سا، ثم قمت بدحرجة كرة على سطح القارب بسرعة 5 كم/سا بالنسبة لك، فستكون سرعة هذه الكرة بالنسبة لصديقك الموجود على قارب ساكن على سطح الماء مساويةً 45 كم/سا لأنها ستجمع مع سرعة القارب. إذاً وفق هذا المفهوم، كيف يمكن إذا كان هناك شخص يحمل منبعاً للضوء ويتحرك، ألّا تجمع سرعة الضوء مع سرعة المنبع؟ هنا أعاد آينشتاين النظر في مسلّمة الزمان المطلق التي قبلها نيوتن وغاليليو بشكل حدسي وغاص في أعماقها واكتشف شيئاً مذهلاً للغاية!

إعادة النظر في مفهوم التزامن

لقد فكر آينشتاين بحق بعمق لا مثيل له في مفهوم التزامن§. وقد بدأ بالتساؤل عن الطريقة التي نحدد بها حدثاً ما في الفيزياء، إذ عندما أقول بأنني سألتقي بك في المكان الفلاني في الساعة الفلانية، فمعنى ذلك أنني أحدد نقطة من المكان ولحظة من الزمان: فالحدث يحتاج إلى أربعة أعداد لتعيينه بشكل كامل، ثلاثة أعداد تحدد إحداثياته المكانية وعدد يحدد إحداثيه الزماني. لكن كيف نحدد الإحداثيات المكانية يا ترى؟

قال آينشتاين بأنه يمكن تحديدها من خلال تخيل شبكة لامنتهية من المساطر المتعامدة التي بالنسبة لها نستطيع تحديد مكان أي نقطة في الفراغ. ثم قال بأنه لتحديد زمان حصول حدث يمكن لنا اتباع طريقتين: طريقة أولى هي أن نضع ساعة في مبدأ جملة الإحداثيات وننتظر الضوء القادم من الحدث، عندها عندما نأخذ بعين الاعتبار الزمن الذي يحتاجه الضوء للوصول إلينا، نستطيع تحديد الإحداثي الزمني للحدث. وهناك طريقة أخرى أبسط من سابقتها وهي أن نضع ساعة في مكان حصول الحدث ونأخذ قراءة الساعة في لحظة حصول هذا الحدث، إذ قال آينشتاين بأنه عندما نتحدث عن زمن حصول حدث ما فإننا نتحدث عن حدثين يحصلان معاً أو ما يدعى بحدثين متزامنين.

وقد طرح مثالاً بأنه عندما نقول بأن القطار قد وصل إلى المحطة في الساعة السابعة فهذا يعني تزامن حدثي وصول القطار للمحطة مع كون عقارب ساعتي تنطبق على القراءة التي تعطي الساعة السابعة. ولكن هنا ستظهر لدينا مشكلة جديدة: إذا قلنا بأننا سنضع ساعة في كل نقطة من نقاط هذه الشبكة من المساطر، وهذه الساعة ستحدد لنا زمن الحدث، عندها فنحن لا نضمن أن جميع الساعات تقرأ نفس القراءة أو أنها تجري بنفس المعدل. فكيف يمكن لنا أن نقارن قراءتي ساعتين مختلفتين إذاً؟

هنا قال آينشتاين أنه لنفترض أن جميع الساعات في شبكة معينة فعلاً متزامنة، أي لها نفس القراءة وتمشي بنفس المعدل. عندئذ تخيل أن نرسل شعاعاً ضوئياً من نقطة (أ) إلى نقطة (ب) وهذا الشعاع الضوئي انطلق في اللحظة T0 من (أ) ووصل في اللحظة T1 إلى (ب)، ثم انعكس على مرآة موجودة في (ب) وعاد أدراجه إلى النقطة (أ) ووصلها في اللحظة T2. إذا كانت الساعتان متزامنتين، عندها سيكون الزمن الذي سيستغرقه الضوء بالذهاب من (أ) إلى (ب) هو T1-T0 في حين أن الزمن الذي سيستغرقه الضوء للوصول من المرآة إلى النقطة (أ) مجدداً هو T2-T1 وهذان الزمنان يجب أن يكونا متساويين إذا كانت الساعتان متزامنتين.

تزامن

وهنا قام آينشتاين بقلب الطاولة وقال إذاً نستطيع تعريف التزامن، بأن نقول بأن الساعتين تكونان متزامنتين إذا تحققت فيهما العلاقة السابقة، أي T2-T1=T1-T0. وهذا يعني أنه حتى نبني جملة مقارنة مزودة بساعات في كل نقطة ونستطيع الحديث عن إحداثي زمني للأحداث فيها، فلابد من أن توجد إشارة نستطيع مزامنة الساعات بواسطتها. علاوةً على ذلك، فقد لاحظ أنها عندما تنعكس من نقطة حصول الحدث، كأن ينعكس الضوء من (ب) مثلاً، فنحن لم نقل أنه في (ب) يوجد سطح يتحرك أو ساكن، بل فقط علينا أن نضمن أن سرعة الضوء لن تتأثر بما هو موجود في (ب) ويجب أن تكون نفسها بالنسبة لنفس المراقب في كل الاتجاهات.

وبالتالي لابد حتى نبدأ بالحديث عن معنى التزامن أن نفترض وجود إشارة لها نفس السرعة بغض النظر عن سرعة منبعها لدى جميع المراقبين العطاليين. وقال آينشتاين أنه من الجيد أن التجربة بينت لنا أن الضوء هو هذه الإشارة، لذلك بدل أن نستنتج أن سرعة الضوء ثابتة انطلاقاً من صحة معادلات ماكسويل، قال آينشتاين إذاً سنضع مسلّمة تقول أن سرعة الضوء هي نفسها لدى جميع المراقبين العطاليين!

خاتمة

لقد كان كل من مبدأ النسبية الحديث وثبات سرعة الضوء في الخلاء عبارة عن مسلّمتين جديدتين بنى آينشتاين منهما النظرية النسبية الخاصة. وسنرى في المرة المقبلة ما هي النتائج المذهلة التي ترتبت على هاتين المسلّمتين البسيطتين.

0

شاركنا رأيك حول "ولادة النسبية الخاصة: كيف قادت أفكار أينشتاين إلى واحدة من أجمل تحف الفيزياء على الإطلاق"