الإمارات في سطور
0

في الثامن من فبراير الماضي أصبحت العبارة Made in UEA على سطح المريخ، وسط احترامٍ وتقدير من البعض، ودهشة وعدم تصديق من آخرين، فرح غمر قلوب الكثيرين، وبالطبع هناك من اكتفى بالسخرية وعمل على إغراق السوشال ميديا بها.

لنلقِ نظرة على هذه الأرقام:

  • 150: عدد المهندسين والمهندسات والباحثين والباحثات الإماراتيين المشاركين في المشروع.
  • 60 ألف: عدد المشاركين الذين استفادوا من البرامج العلمية والتعليمية للتعريف بالبعثة وأهميتها.
  • 200: عدد التصاميم التكنولوجية الجديدة التي قدمها الإماراتيون للمشروع.
  • 66: عدد المكونات التي صُنّعت في دولة الإمارات للمسبار.
  • 1350: وزن المسبار مع الوقود بالكيلوغرام.
  • 493 مليون: المسافة التي قطعها المسبار للوصول إلى وجهته.
  • ألف: مقدار البيانات الجديدة التي سيجمعها المسبار عن المريخ بالغيغابايت.
  • 34%: نسبة السيدات في فريق البعثة، وهي تحصل للمرة الأولى عالميًّا.
  • 5 مليار: مقدار استثمارات الدولة في المشاريع الفضائية منذ عام 2014 بالدولار الأمريكي.
  • 200 مليون: تكلفة المسبار بالدولار الأمريكي، وهي قياسية.
  • 2117: العام الذي تطمح فيه الإمارات لبناء أكبر مستوطنة بشرية على المريخ.

كل ما سبق يستحق التوقف عنده ولو قليلًا، فالاحترام واجب لدولة لم تبلغ بعد عامها الخمسين وها هي ترسل بعثة إلى المريخ، فالإمارات دولة حديثة الولادة، فأنّى لها هذا! وهناك دول كثيرة بلغت عامها المئة ولم ترسل ببعثات إلى المريخ!

مسبار الأمل

ستبرز هنا عدة تساؤلات، علينا أن نقف عندها، ربما بوقفتنا هذه نتعلم قليلًا، أهم هذه التساؤلات:

  • هل الإمارات هي هذا البلد الذي لم يعرف عبر تاريخه سوى الرمال والجمال؟ (رغم أني لا أرى أبدًا ما يعيبهما) لكن نريد هنا أن نقلب أوجه الموضوع ونضع الأمور في نصابها الصحيح، ونروي غليل كل السائلين.
  • كيف نشأت الإمارات؟
  • إن كان النفط هو الذي أحدث هذه الطفرة الحضرية، فما هو مخزونها من الذهب الأسود؟ وماذا بعد النفط؟
  • ما مدى القوة المالية للإمارات والتي مكنتها من أن تخطو هذه الخطوة؟
  • لماذا تريد الإمارات الانضمام إلى نادي العمالقة الفضائي والذهاب إلى المريخ؟
  • ما مدى مساهمة الإمارات (خصوصًا على الصعيد البشري والمعرفي) في هذه الخطوة؟
  • ثمّ: ماذا بعد؟

لنبدأ، لكن لا مانع من القول إن لا أحد مسؤول عن جهل أحد، ولا يحق لنا أن نقيم حدًّا على أحد أو أن نقيمه.

اقرأ أيضًا:  مسبار الأمل: حُلم مشروع الفضاء الإماراتي وآمال الأمة العربية في استكشاف كوكب المريخ

الإمارات جغرافيًّا وتاريخيًّا

لا يمكن الحديث عن تاريخ لدولة الإمارات العربية المتحدة نفصلها فيه عما كان يُعرف تاريخيًّا بإقليم عُمان، الذي ضم الإمارات العربية المتحدة التي نعرفها اليوم مع سلطنة عمان، وكانت تُعرف بمشيخات الساحل العماني إبان العهود الإسلامية التي عرفتها هذه المنطقة.

لم تكن تلك المنطقة مملكة رمال كما يظنها البعض، فلها في التاريخ صولة وجولة أكبر بكثير مما نظن، والرمال لم تشكل سوى جزءًا لا يكاد يُذكر من تاريخها الطويل، وجزء مشرف أيضًا.

لقد سُكنت هذه المنطقة منذ العام 7000 قبل الميلاد، أي قبل بداية عهود الفراعنة، إذ تشير الأحافير واللقى الأثرية إلى أنها كانت مأهولة من حواضر قديمة، ففي منطقة مروج الغربية عُثر على آثار عائدة إلى هذه الفترة الزمنية، كما ظهرت في عصر البرونز عدة حضارات في هذا الإقليم وهي في الفترة بين 3200 ق.م إلى 1300 ق.م، وقسم المؤرخون هذه الفترات في هذه المنطقة إلى ثلاث هي (فترة حفيت وفترة أم النار وفترة وادي السوق).

فترة حفيت
مقابر حفيت
مدافن مليحة من فترة أم النار
مدافن مليحة من فترة أم النار
حضارات وادي السوق
مدفن جبل البوحيس من فترة وادي السوق

تدل الآثار العائدة إلى تلك الفترة على تأثير كبير لعبته هذه المنطقة في الحركة التجارية مع بلاد السند والهند وبلاد ما بين النهرين وشمال أفريقيا.

كما عُثر على آثار عائدة إلى العصر الحديدي (1300 ق.م وحتى 300 ق.م) في هذه المنطقة لعل أهمها هو قالب لصك النقود المعدنية، كما عرف أهل هذه المنطقة بناء القلاع والحصون.

كانت الحضارة الفينيقية أيضًا إحدى أهم الحضارات التي عرفتها المنطقة، وكان لهم تواجد على طول ساحل الخليج العربي، وترجع بعض الدراسات أصول الفينيقيين إلى هذه المنطقة.

العلاقات مع الجوار

كانت هذه المنطقة الاستراتيجية محط أطماع الجار الأكثر سطوة وهم الفرس، وحاولوا مرارًا بسط سيطرتهم على المنطقة، كما كانت هذه المنطقة مدرجة على جدول فتوحات الإسكندر المقدوني كمرحلة لاحقة في طريق عودته من بلاد فارس، لكن القدر كان له كلام آخر مع الإسكندر.

لم يكن من الفرس في نهاية المطاف، وهم الذين سيطروا على الكثير من المنافذ إلّا أنهم فشلوا في التجارة البحرية، إلا أن ضربوا علاقات مصالح مع أهل المنطقة.

لقد كان أبناء هذه المنطقة أبناء بحر، عرفوا التجارة البحرية في مناطق المحيط الهندي والخليج العربي والساحل الشرقي لأفريقيا وجنوبي شرق آسيا، كما عملوا في استخراج اللؤلؤ الطبيعي من البحر.

العهد الإسلامي

كما كل بلدان شبه الجزيرة العربية، كان الإقليم العُماني من أوائل الأقاليم التي لبت الدعوة لدخول الإسلام، ومع الدولة الأموية عرفت هذه المنطقة زمن ازدهار في الملاحة والتجارة البحرية، وكانت مركزًا لصناعة السفن أيضًا، ولم يقتصر الأمر على الأمور البحرية، بل كانت بها مراكز تجارية برية في العهود الأموية والعباسية.

موقع إسلامي في الإمارات
موقع إسلامي في الإمارات (قلعة الفجيرة)

ازدهر النشاط التجاري لسكان المنطقة مع سواحل أفريقيا الغربية ومع مناطق اليمن، واشتُهر عنهم حسن أخلاقهم، حتى يُقال إنهم أرسوا ما يُعرف بأصول التجارة العربية البحرية.

مع العثمانيين

لعل من حسن حظ هذه البلاد أنها لم تعرف الاحتلال العثماني، الذي يمكن أن ينال وبحق جائزة أسوأ المستعمرين الذين عرفهم التاريخ، فقد فشل العثمانيون في بسط أي نوع من السلطة السياسية على مشيخات هذه المنطقة، وتمكنوا من وصولها بحرًا دون أن يكون لهم نفوذ فيها. لكن وجود العثمانيين وسقوط خلافة بني الأحمر في الأندلس، حرّك مستعمرين آخرين بدوافع اقتصادية أيضًا.

كان لما سبق ذكره أثر كبير في حث القوى الأوروبية الصاعدة آنذاك على بداية عصر استعماري محموم، كان الهدف منه تأمين الطرق التجارية للأوروبيين إلى مناطق الشرق دون المرور بأراضي المسلمين. وكان البرتغاليون أول من نجح في الوصول إلى الهند بالالتفاف حول رأس الرجاء الصالح.

فاسكو دي غاما

لم يغفل البرتغاليون عن أهمية موقع هذه المنطقة، فأرسلو فاسكو دي غاما، القرصان سيء السمعة، الذي احتل مسقط ومضيق هرمز ومثّل بأهل المنطقة عام 1506، ودامت السيطرة البرتغالية على المنطقة قرابة القرنين.

دولة اليعاربة

لم يستكن أهل المنطقة لسيطرة البرتغاليين، وتوحد العمانيون بقيادة ناصر بن مرشد وأسسوا دولة اليعاربة التي شملت مناطق إقليم عمان والسواحل الشرقية لأفريقيا، وقاموا بملاحقة أساطيل البرتغاليين وأضعفوا شوكتهم في مناطق المحيط الهندي والخليج العربي، وعرف الناس في هذه الفترة الأمان، وشجعهم ذلك على الانتقال إلى السواحل، ونشطت التجارة من جديد.

كما برزت قوتان سياسيتان سميتا بحلفي القبائل العمانية: الأولى كانت بحرية وهو حلف بني عافر، وتزعمه القواسم الذين بنوا قوة بحرية أقلقت الإنجليز الذين سموا الساحل بساحل القراصنة نسبة لهم وبسبب أعمالهم المعادية لهم، والتي كانت دفاعية من جانب القواسم وقد بسطوا سيطرتهم على كامل الساحل الشرقي للخليج العربي شماله وجنوبه، وشملت ما يُعرف بعمان اليوم مع الجزر.

أما الثانية فهي قوة برية بقيادة بني ياس، وقد سيطرت على طول الساحل الإماراتي الحالي.

دخول الإنجليز

بعد خروج البرتغاليين من المنطقة، فاز الإنجليز بالصراع الدائر بين الهولنديين والإنجليز والفرنسيين للسيطرة على المنطقة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، عبر شركة الهند الشرقية ككيان اقتصادي كانت أهدافه سياسية، واعتُبرت المنطقة من أراضي الإمبراطورية البريطانية العظمى. استخدم البريطانيون اللين أحيانًا، لكنهم كانوا شديدين مع القواسم الذين شكلوا تهديدًا حقيقيًا لوجودهم في المنطقة، وأبادوا أسطولهم بعد ثلاث حملات بحرية.

في النصف الثاني من القرن الثامن عشر بدأت تتشكل نوى لما يعرف اليوم بالإمارات، وكانت هناك حدود غير واضحة بينها، ما أدى إلى وقوع العديد من النزاعات التي انتهت بتوقيع أول مرحلة من هدنة عام 1853 مع البريطانيين وكانت تهدف إلى إعادة السلام البحري وحل النزاعات القبلية دون أن يتدخل البريطانيون بشؤون الإمارات، أما المرحلة الثانية فكانت عام 1892 وكانت بقيام الإمارات المتصالحة تحت الحماية البريطانية، على أن يحترم البريطانيون سلطة المشيخات، واستمرت السيطرة البريطانية حتى عام 1971.

اقرأ أيضًا: العرب إلى المريخ .. كل ما تودّ معرفته عن مسبار الأمل الإماراتي

نشوء دولة الإمارات

عام 1968 أعلنت بريطانيا عن رغبتها التخلي عن مستعمراتها شرق المتوسط، وكان من ضمنها الإمارات، التي كانت تُحكم كل منها من قبل أمير ينحدر من قبيلة من اتحاد القبائل في المنطقة، ومع الإعلان البريطاني اجتمع أعضاء مجلس حكام الإمارات المتصالحة ومركزه دبي (1967) وبدأت تتبلور فكرة الاتحاد في اجتماع عُقد بين الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حاكم أبو ظبي وراشد بن سعيد آل مكتوم، وتمت دعوة الإمارات السبعة، بالإضافة إلى البحرين وقطر.

قيام دولة الإمارات

أُعلن عن الاتحاد يوم 2 ديسمبر 1971، وشمل ست إمارات (الجيرة، أم القيوين، الشارقة، دبي، أبو ظبي، عجمان) أما رأس الخيمة فانضمت في 23 ديسمبر. في حين أعلنت كل من قطر والبحرين استقلالهما وسيادتهما على أراضيهما، مع بدء كل منهما رحلة السعي لنيل الاعتراف عربيًّا ودوليًّا.

لم يكن الطريق معبدًا أمام هذه الدولة الحديثة الناشئة، ففي فترة السبعينات كانت هناك محاولات انقلابية، وكانت هناك حرب أكتوبر التي أرخت بظلالها على المنطقة، بالإضافة إلى أزمة الجزر الثلاث مع إيران. وكانت نهاية هذا العهد هي التي شهدت انتهاء الأعمال في ميناء جبل علي ومعمل ألومنيوم دوبال واللذين تما باقتراضٍ دولي توقع له الكثير من المراقبين الفشل.

كما عرفت الثمانينات الكثير من الصعوبات، من حرب إيران والعراق وحتى حرب الخليج الأولى والحرب الأهلية اللبنانية.

لكن هذه الفترة كانت فترة عمل دؤوب في إنشاء منطقة حرة حول ميناء جبل علي، وبعد إتمام العمل فيها، ساهمت في استقبال البضائع والمواد الخام، لتبدأ الشركات والمصانع بالعمل.

الإعلام

أدركت الإمارات أهمية الإعلام في هذه الفترة فبدأت بمرحلة البث عبر السواتل الفضائية بإطلاق قمر صناعي إماراتي في المدار حول الأرض، وعددها اليوم أكثر من 12، وقامت بإنشاء العديد من الفعاليات التي تهدف إلى تسليط الضوء على البلد الناشئ كمهرجان دبي للتسوق، وهناك منطقة إعلامية حرة في دبي يُسمح فيها لوسائل الإعلام الأجنبية بالعمل دون ضرائب.

نفط الإمارات

يبلغ مخزون الإمارات من الاحتياطي النفطي 98.63 مليار برميل، وهي الكمية نفسها تقريبًا التي صرحت بها الكويت مخزونًا لها، يرتكز معظم هذا النفط في إمارة أبو ظبي بواقع 92 مليار برميل، و4 مليار برميل في دبي و1.5 مليار برميل في إمارة الشارقة. ويتم استخراج معظم النفط من حقل الزقوم الذي يضم 66 مليار برميل وهو ثالث أكبر حقل نفطي في الشرق الأوسط. يبلغ الإنتاج اليومي للإمارات من النفط 2.9 مليون برميل. يمكن أن تستمر الإمارات بالإنتاج بهذه الوتيرة 18 عامًا.

اقتصاد الإمارات: نظرة منذ البداية نحو تقليل الاعتماد على النفط

انتقلت الإمارات بعد استقلالها عن بريطانيا من دولة كانت تعتمد على صيد الأسماك واستخراج اللؤلؤ والنقل البحري التجاري في اقتصادها، إلى دولة أدخلها الراحل زايد بن سلطان آل نهيان إلى القرن العشرين بقوة، مع اكتشاف النفط وبدء استخراجه في المنطقة، ومنذ البداية، عمد إلى نهج سياسة ترمي إلى الاستفادة من عائدات النفط في تطوير قطاعات اقتصادية أخرى للوصول إلى مرحلة لا يشكل فيها النفط مصدر الدخل الوحيد. كما كانت لراشد بن سعيد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات حينها وحاكم إمارة أبو ظبي، نظرة جرئية للغاية بخصوص ضرورة تنويع مصادر الدخل.

الأماكن السياحية في دبي

اقتصاد الإمارات هو رابع أقوى اقتصاد في الشرق الأوسط، بعد تركيا والسعودية وتركيا، بناتج إجمالي بلغ عام 2020 الـ 421 مليار دولار.

تسعى الإمارات دومًا إلى تقليل الاعتماد على النفط في الناتج القومي الإجمالي، لا سيما إمارة دبي، لكن الإمارات عموما ما زالت تعتمد على النفط كمصد للدخل، وخاصة أبو ظبي (85%). وتلعب السياحة دورًا هامًا في العائدات الاقتصادية لإمارة دبي التي تضم مجموعة من أفخم الفنادق والوجهات السياحية، كما يزدهر القطاع العقاري في الإمارات التي سنت قوانين لصالح المستثمر الأجنبي، ناهيك عن قطاع خدمي ممتاز يرفد كل هذا بالخدمات اللازمة.

اقتصاد الإمارات

وفي سعيها هذا، أنشات الإمارات الكثير من المراكز التجارية العالمية، والموانئ والمناطق الحرة وأشهرها جبل علي، ومطار دبي الدولي الذي يلعب دورًا اقتصاديًا هامًا في حياة البلد. حتى في مجال الطاقة، تتجه الإمارات إلى الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة لتوليد الكهرباء، كمدينة مصدر.

هذا النهج نفسه الذي تسير به الإمارات لتنويع مصادر الدخل، قادها إلى نادي العمالقة الفضائي.

لماذا تريد الإمارات الانضمام إلى نادي العمالقة الفضائي؟

قبل أن نخصص الإمارات بالإجابة، لا بد من ذكر السبب الذي يدفع الإنسانية جمعاء للتطلع إلى الفضاء.

إن أبرز الأسباب المعلنة حتى الآن هي الإجابة عن سؤال ملحّ: من أين أتينا، وما هي الصدفة الكونية أو الحيوية التي أدت إلى تطورنا إلى ما نحن عليه، وربما تستحق الفكرتين السابقتين العديد من المقالات.

أما لماذا المريخ على وجه التحديد: فلأنه الأقرب إلى الأرض من حيث التركيب في المجموعة الشمسية، كما تشير الدلائل إلى أن غلافه الجوي كان أسمك فيما مضى أضف إلى أن درجات الحرارة فيه كانت أعلى، وكميات كبيرة من الماء السائل وُجدت على سطحه يومًا، كل هذا يجعله مرشحًا قويًّا لاستضافة حياة فيما مضى، ويريد العلماء التحقق من ذلك. كذلك: ألا يريد البشر كوكبًا آخر يفسدونه بعد الأرض!

أما لماذا تريد الإمارات ذلك: فهناك العديد من الأسباب ووراء ذلك حكاية طويلة لأمة قد تُعد حديثة في نادي الدول الحديثة. فحين أعلنت الإمارات عام 2014 نيتها إرسال بعثة إلى المريخ، بدا الأمر رهانًا فلكيًا لدولة لم تكن تملك حينها وكالة فضاء ولا علماء فضاء، ولم يمض زمن كثير على إطلاقها قمرها الصناعي الأول.

جمعت الإمارات مجموعة من المهندسين الذين كانوا يسمعون كلمات الشك بقدراتهم أينما اتجهوا. لكن بعد ست سنوات ساد بينهم فرح غامر أثناء اختبار المسبار الذي يبلغ حجم السيارة في مركز محمد بن راشد للفضاء، قبل شحنه إلى مركز تانيغاشيما للفضاء في اليابان حيث سيتم إطلاقه.

هذه هي أول بعثات العرب بين الكوكبية، وليس الغرض منها استعراضًا فقط، لكنها ستنجر أولى الخرائط للغلاف الجوي المريخي، وستدرس سبب هروب هذا الغلاف. وستخرج عما اعتادته غيرها من البعثات بإتاحتها البيانات التي ستجمعها إلى المجتمع العلمي العالمي عمومًا. وكان الإنجاز الحاصل خلال ست أعوام لا يصدق.

عملت الإمارات على إرساء شراكة غير عادية مع جامعة كولورادو بولدر، وقاد فريق البعثة البروفيسور برت لاندين المهندس في البعثات الفضائية، لتقديم الخبرات والدعم اللازمين، بالإضافة إلى قسم الفضاء العميق في وكالة ناسا.

ما يحرك الإماراتيون للذهاب إلى الفضاء هو الاقتصاد بالدرجة الأولى، وتأتي الأهداف المتعلقة بالفضاء في الدرجة الثانية. إذ تبحث الإمارات عن سبل تسرّع انتقالها إلى دولةٍ لا تعتمد على النفط في اقتصادها، ويرى القائمون على هذه البعثة أن من شأنها أن ترسي دعائم اقتصاد معرفي، بتشجيع الشباب في العالم العربي على البحث العلمي، فكما غيرت المشاريع العمرانية والتجارية الكبيرة من قبل عقلية الكثيرين بشأن الاقتصاد، من شأن الفضاء أن يفعل المثل أيضًا.

مسبار الأمل

ورغم أن الوقت ما زال مبكرًا للجزم بذلك، لكن الدلائل تشير إلى أن ذلك مجدٍ، وقد افتتحت الجامعات الإماراتية الكثير من الفروع المتعلقة بعلم الفلك في السنوات السابقة، بالإضافة إلى الفيزياء وغيرها من العلوم الأساسية، وكانت نسبة العنصر النسائي ملفتة في فريق البعثة فقد بلغت 34% من الفريق، و80% من علماء البعثة. وتدرس الإمارات الآن المشاركة في البعثات المستقبلية إلى القمر، وهي فعلًا سترسل مستكشف “راشد” إلى القمر، وتسعى إلى إنشاء صندوق تمويل ائتماني لهذا الغرض.

أمام الإمارات طريق طويل لتقطعه، فمن بين مؤسساتها العلمية التي تفوق المئة بقليل، قلة فقط من تدعم الأبحاث العلمية، كما أن عدد الأكاديميين المتفرغين للبحث العلمي قليل جدًا، رغم وفرة التقنيين والمهندسين الإماراتيين، لكن من فوائد البعثة أنها كشفت عن النقص الشديد في أعداد العلماء والباحثين.

يعي الإماراتيون جيدًا مشكلتهم، ويعولون الكثير على هذه البعثة في إنجاز التحول الاقتصادي، فهم لا ينكرون أهمية البيانات التي سيحصلون عليها من المريخ، لكن الأولوية لديهم في إنجاز كل ما يلزم لهم كإماراتيين للوصول إلى هناك. وهم يعتبرون أن كل ما توصلوا إليه حتى الآن لا يعدو كونه استطاعوا البقاء كأمة جمعت مكوناتها البشرية من قبائل صحراوية واعتمدت النفط والبنى التحتية العمرانية والمراكز التجارية لتتحول إلى مركز أعمال دولي.

على الطريق

لقد بدأت الإمارات طريقها نحو إنجاز تحول اقتصادي ومجتمعي، فمنذ 2014 بدأت زيادة ملحوظة في أعداد الأكاديميين المختصين بفروع علمية ذات صلة، بافتتاح العديد من الفروع العلمية كالفيزياء وعلوم الفلك في الجامعات الإماراتية، كما تحول عدد كبير من مهندسي البعثة الإماراتيين إلى البحث العلمي، وهي تعمل الآن على إرسال بعثات تبادل طلابية لتنشئة جيل من الباحثين العلميين يمكنه أن يرفد مجال الأبحاث في المستقبل. ونذكر أن خمس جامعات إماراتية افتتحت برامج في العلوم الأساسية، وتعمل على منح دجات عليا في هذه الدراسات.

كان من الطبيعي جدًا أن تلجأ الإمارات في البداية إلى عمالقة الأبحاث في ماساتشوستس وغيرها من الجامعات للحصول على الإرشاد العلمي اللازم. وأولئك الذين قدموا لها العون في البداية وكانوا متشككين، ينظرون اليوم بإعجاب إلى ما تم تحقيقه. وهي نعمل جادة لتتحول من مستهلك للعلوم إلى منتج لها، كما تريد أن تصبح مثالًا يحتذى ومصدر إلهام للشباب في الشرق الأوسط، فيزيد شغفهم بهذه العلوم.

في الختام

قد لا يعجب ما سبق الكثيرين، لكن من لا يرى الشمس من الغربال أعمى.

لقد استطاعت الإمارات أن تضع عبارة “صنع في الإمارات” على 66 قطعة من المكونات المؤلفة للمسبار، أوصلت اسمها إلى المريخ. ولا داعي للتذكير أن طريق البحث العلمي لطالما كان أمميًّا، فمن النادر أن نجد أمة انغلقت على نفسها بالعلوم، ومساهمة وإرشادات الطواقم من غير الإماراتيين في الأمر كان أمرًا طبيعيًّا لأمة لم تبلغ بعد عامها الخمسين.

التحديات كثيرة جدًا، إلا أن ما يلوح في الأفق مشرق.

اقرأ أيضًا: عقدة الخواجة وتبعيات مسبار الأمل: ما بين المبالغة والواقع

0

شاركنا رأيك حول "من الرمال إلى الفضاء: الإمارات الأمة الفتية في نادي العمالقة في سطور"